ومن زلات ابن خزيمة أيضًا نفرته من إثبات خلق آدم على صورة الرحمن وتأويله لحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ: «لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن».
قال ابن خزيمة وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطًا بينًا وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم.
قال: والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من جهة النقل
[ ٣٧ ]
موصولًا فإن في الخبر عللًا ثلاثًا - ثم ذكر العلل وقد تقدم ذكرها والجواب عنها فليراجع (١) - قال فإن صح هذا الخبر مسندًا. بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت وحبيب قد سمعه من عطاء بن أبي رباح. وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق يضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه. وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها، ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه، وكذلك قوله ﷿: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [هود: ٦٤]، فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال: ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤]، وقال: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧]، وقال: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِه﴾ [الأعراف: ١٢٨]، فأضاف الله الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فأضاف الفطرة إلى نفسه إذ الله فطر الناس عليها، فما أضاف الله إلى نفسه على مضافين إحداهما (٢) إضافة الذات والأخرى (٣) إضافة الخلق. فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا.
قال فمعنى - الخبر إن صح من طريق النقل مسندًا - فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١]، والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى قال: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو قال: حدثنا المغيرة -وهو ابن عبد الرحمن- عن أبي
_________________
(١) ص٢١ - ٣٧.
(٢) إحداهما، والأخرى: كذا هو في «كتاب التوحيد» ولعله خطأ مطبعي، وصوابه، أحدهما، والآخر.
(٣) إحداهما، والأخرى: كذا هو في «كتاب التوحيد» ولعله خطأ مطبعي، وصوابه، أحدهما، والآخر.
[ ٣٨ ]
الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا» حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال: حدثنا عبد الرزاق قال: حدثنا همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فذكر أحاديث، وقال قال رسول الله ﷺ: «خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعًا فلما خلقه، قال: اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاسمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال: فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعًا فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن».
قال ابن خزيمة فصورة آدم هي ستون ذراعًا التي أخبر النبي ﷺ أن آدم ﵇ خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم فظن أن قوله على صورته صورة الرحمن صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار قد نزه نفسه وقدس عن صفات المخلوقين فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان ولا كما شبه الغالية من الروافض معبودهم ببني آدم، قبح الله هذين القولين وقائلهما.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال أما حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ فهو صحيح ثابت، وقد صححه الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وكفى بهذين الإمامين قدوة في تصحيح
[ ٣٩ ]