وقد عقد الرازي في كتابه الذي سماه «أساس التقديس» فصلًا في إثبات الصورة لله تعالى وأورد فيه حديث أبي هريرة ﵁ الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورته» وحديث ابن عمر ﵄ الذي جاء فيه «أن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وتأول الحديثين على طريقة أهل الكلام الباطل المذموم عند السلف واستشهد في كلامه بتأويل ابن خزيمة للحديثين، وقد رد عليه وعلى ابن خزيمة بحر العلوم وسيف الله المسلول على أهل البدع. شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية
[ ٤٨ ]
قدس الله روحه ونور ضريحه في كتاب الذي سماه «نقض أساس التقديس» بكلام مفصل مبسوط واضح بيّن لا يوجد مثله في كلام غيره من العلماء (١). ولعظم فائدته رأيت أن أذكر ملخصه في هذه النبذة لعل الله تعالى أن ينفع به من قرأه ومن سمعه ويكون سببًا لإطراح أقوال أهل الكلام الباطل وتأويلاتهم المستكرهة في حديث الصورة.
قال الرازي: الفصل الأول في إثبات الصورة. اعلم أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن، لكنها واردة في الأخبار، فالخبر الأول: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله خلق آدم على صورته» وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته».
والجواب (٢) اعلم أن الهاء في قوله ﷺ: «على صورته» يحتمل أن تكون عائدة على شيء غير صورة آدم وغير الله
_________________
(١) قد طبع من رد شيخ الإسلام على الرازي مجلدان كبيران في مطبعة الحكومة بمكة المكرمة بأمر الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وذلك في سنة ١٣٩١ هـ وسنة ١٣٩٢ هـ ووضع عليهما هذا الاسم: «بيان تلبيس الجهمية، في تأسيس بدعهم الكلامية» أو «نقض تأسيس الجهمية» وقد بقي من الكتاب بقية لم تزل مخطوطة إلى الآن، وهي التي فيها الرد على كلام الرازي فيما يتعلق بحديث أبي هريرة ﵁ الذي جاء فيه: «إن الله خلق آدم على صورته» وحديث ابن عمر ﵄ الذي جاء فيه: «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» وقد وضع على هذه القطعة المخطوطة هذا الاسم: «نقض أساس التقديس» نسأل الله تعالى أن ييسر طبعها وينفع بالكتاب كل من قرأه أو سمعه. وهو موجود في مكتبة جامعة الملك سعود بالرياض.
(٢) هذا الجواب للرازي أجاب به عن الحديث وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على هذا الجواب.
[ ٤٩ ]
ويحتمل أن يكون عائدًا إلى آدم ﵇ ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الله، فهذه طرق ثلاثة.
الطريق الأول: أن يكون هذا الضمير عائدًا إلى غير آدم وإلى غير الله تعالى. وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان: الأول: هو أن من قال للإنسان قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فهذا يكون شتمًا لآدم فإنه لما كان صورة هذا الإنسان مساوية لصورة آدم كان قوله قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك شتمًا لآدم ﵇ ولجميع الأنبياء وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي ﷺ عن ذلك. وإنما خص آدم بالذكر لأنه هو الذي ابتدئت خلقته على هذه الصورة.
الثاني: أن المراد منه إبطال قول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال أنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريبا من السماء فالنبي ﷺ أشار إلى إنسان معين وقال إن الله تعالى خلق آدم على صورته، أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت البتة، فأبطل بهذا البيان وهم من توهم أن آدم كان على صورة أخرى غير هذه الصورة.
الطريق الثاني: أن يكون الضمير عائدًا إلى آدم ﵇، وهذا أولى الوجوه الثلاثة لأن عود الضمير إلى أقرب مذكور واجب. وفي هذا الحديث أقرب الأشياء المذكورة هو آدم ﵇ فكان عود الضمير إليه أولى، ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه. الأول: أنه تعالى لما عظم أمر آدم فجعله مسجود الملائكة ثم إنه أتى بتلك الزلة فالله لم يعاقبه بمثل ما عاقب به غيره فإنه نقل أن الله أخرجه من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس وغيّر خلقهما مع أنه لم يغيّر خلقة آدم بل تركه على الخلقة الأولى إكرامًا له وصونًا له من عذاب المسخ. فقوله
[ ٥٠ ]
ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» معناه خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غير وقوع المبدل فيها. والفرق بين هذا الجواب وبين الذي قبله أن المقصود من هذا بيان أنه ﷺ كان مصونًا عن المسخ، والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليس هي إلا التي كانت موجودة قبل من غير تعرض لبيان أنه جعل مصونًا عن المسخ بسبب زلته، مع أن غيره صار ممسوخًا.
الثاني: المراد منه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة ودم الطمث فقال ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» ابتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة.
الثالث: أن الإنسان لا يكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد وبواسطة الأفلاك والعناصر فقال ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» أي من غير هذه الوسائط، والمقصود منه الرد على الفلاسفة.
الرابع: المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده لا بتخليق القوة المصورة والمولدة على ما يذكره الأطباء والفلاسفة ولهذا قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: ٢٤]، فهو الخالق: أي هو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات. والبارئ: أي هو المحدث للأجسام والذوات بعد عدمها. والمصور: أي هو الذي ركب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة.
الخامس: قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة. والمراد من الصورة في
[ ٥١ ]
كل هذه المواضع الصفة. فقوله: «إن الله خلق آدم على صورته» أي على جملة صفاته وأحواله. وذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال يزداد علمه وقدرته إلى أن يصل إلى حد الكمال. فبين النبي ﷺ أن آدم خلق من أول الأمر كاملًا تامًا في علمه وقدرته. وقوله: «خلق الله آدم على صورته» معناه أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة له في آخر الأمر. وأيضًا فلا يبعد أن يدخل في لفظ الصورة كونه سعيدًا أو شقيًا كما قال ﷺ: «السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه» فقوله ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» أي على جميع صفاته من كونه سعيدًا أو عارفًا أو تائبًا أو مقبولًا من عند الله.
الطريق الثالث: أن يكون ذلك الضمير عائدًا إلى الله تعالى وفيه وجوه. الأول المراد منه الصفة لما بيناه فيكون المعنى أن آدم ﵇ امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالمًا بالمعقولات قادرًا على استنباط الحرف والصناعات، وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله من بعض الوجوه فصح قوله ﷺ: «إن الله خلق آدم على صورته» بناء على هذا التأويل.
فإن قيل المشاركة في صفات كمال تقتضي المشاركة في الإلهية، قلنا: المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية ولهذا المعنى قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧]، وقال ﷺ «تخلقوا بأخلاق الله» (١).
الثاني: أنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح
_________________
(١) هذا حديث موضوع وسيأتي التنبيه على ذلك في كلام شيخ الإسلام ﵀، تراجع صفحة ٨٩.
[ ٥٢ ]