وللناس تأويلات أخر وكلها باطلة مثل تأويل ابن عقيل ومن
[ ١٠٨ ]
وافقه أن المراد صورة الملك والتدبير، بل ومن الاستيلاء على جنس الحيوان حتى طائره وسابحه ما يشبه به استيلاء الرب على العالم بالتدبير والتصريف، بل وعلى سائر الأجسام الجامدة، وهذا وإن كان ابن عقيل يذكره في موضع فإنه في موضع آخر يتأوله على الصورة المخلوقة كما تقدم ذلك، فإن هؤلاء لا يثبت أحدهم على مقام، بل هم كثيرو الاضطراب، وما من شيء يقوله المؤسس (١) وأمثاله إلا وقد يقوله ابن عقيل ونحوه في بعض الأوقات والمصنفات وإن كان قد يرجع عن ذلك كما يرجع غيره، قال في: «كفايته».
«فصل» في إضافة الصورة إليه تجوُّزًا. وأنه مصور لكل صورة، فأما ذاتا فلا يطلق عليه إلا وتحتها معنى هو عين التخطيط والأشكال، ولعله يقتضيها الحال مثل قولهم حدثني صورة أمرك، يريد به حالك، والذي ينفي حقيقة الصورة عنه هو الذي نفاه المشبه عنه كما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «خلق آدم على صورته» «ورأيت ربي في أحسن صورة» لا ينطبق على المثال والشكل لنص الكتاب ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فمتى جاء خبر واحد أو تواتر يثبت له صورة تعارض الكتاب والسنة وتناقض الدين - والله قد حماه عن المناقضة وحرسه عن التقابل والتعارض والاختلاف - فلا بد من الجمع بين قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وبين قول النبي ﷺ «خلق آدم على صورته» فيكون نفي المثال نافيا للصورة التي هي التخطيط والشكل، وإضافة الصورة إلى الله نفي شكل آدم إلى الله على سبيل الملك كما قال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ولم يرد به روح
_________________
(١) المؤسس هو أبو عبد الله الرازي، تراجع صفحة ٦٩.
[ ١٠٩ ]
الذات، وكانت الفائدة في ذلك تشريفها بالإضافة إليه كتشريف بنية الكعبة بتسميته بيتًا له وإن كان لا يسكنه، كذلك تشريف صورة آدم بالإضافة إليه وإن كانت لا تشبهه، قال وقوله: «رأيت ربي في أحسن صورة» يحتمل أن يكون رآه في أحسن صورة، ويحتمل أن يكون في أحسن حال من الإكرام والتبجيل. قال: وإنما دعانا إلى ذلك أن إطلاق الصورة عليه سبحانه تصريح بتكذيب القرآن وكفى بذلك محوجًا إلى التأويل، وليس هذا مما يمكننا أن نقول فيه صورة لا كالصور لأنه عزاها إلى صورة محسوسة هي صورة آدم، فلو كان على صورة الله في نفسه لكان كل آدمي على صورة الله والله ﷾ على صورته، وقد أكذب الله من قال ذلك وأطلقه عليه بقوله سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء﴾ وآدم شيء فلا يكون مثلًا لله تعالى.
هذا لفظ ابن عقيل وهو مثل كلام المؤسس (١) ونحوه من الجهمية، وقد تقدم الكلام على هذا، وإنما المقصود هنا الكلام على تأويله بصورة الملك والتدبير، وزاد على هذا طائفة من الاتحادية وغيرهم فقالوا هو خليفة الله استخلفه بأن جعل فيه من أسمائه وصفاته ما ضاهى به الحضرة الإلهية، وهؤلاء طائفتان طائفة تثبت الرب وراء العالم وتجعل الإنسان خليفة الله، وطائفة أخرى لا تثبت للرب وجودًا غير العالم بل يجعلونه هو وجود العالم ويجعلون الإنسان نسخة ذلك الوجود ومختصره فهو الخليفة الجامع فيه، وهم في هذا يوافقون من يقول من الفلاسفة وغيرهم أن الإنسان هو العالم الصغير كما أن العالم هو الإنسان الكبير إذ الإنسان قد اجتمع فيه ما تفرق، وهذه المعاني لا يقصد النزاع
_________________
(١) يعني الرازي.
[ ١١٠ ]
فيها ولكن المردود من ذلك قول أحدهم أن قوله: «خلق آدم على صورته» أي على صورة العالم فإن الإنسان على صورة العالم وهي صورة الله. إما الصورة المخلوقة المملوكة كما يقوله من يقر بالرب المتميز عن العالم، وإما أن يجعلوا نفس العالم هو صورة الله ووجوده لا حقيقة له وراء ذلك كما يزعمه الاتحادية مثل صاحب الفصوص ومتبعيه فهذه ثلاث تأويلات.
إحداها: أن يكون مدبرًا مالكًا لجنسه وغير جنسه كما أن الرب مدبر للعالم فهو على صورة الملائكة.
الثانية: أن يكون على صورة العالم لأنه نسخته ومختصره. والعالم هو صورة الله المخلوقة أو المملوكة، أو هو صورته الذاتية النفسية، وقد قدمنا في تأويل من حمل ذلك على الصفة والصورة المعنوية أننا لا ننازع في ثبوت المعاني الصحيحة مثل كون الإنسان له من الأسماء والصفات والأفعال ما قد حملوا الحديث عليه وجعلوه بذلك فيه شبه لأسماء الحق وصفاته وأفعاله، ولا لنا حاجة في دلالة الحديث إما بطريق التضمن، وإما بطريق الاستلزام بحيث يقال إنه إذا ثبت أنه على الصورة الذاتية فهو على الصورة الوصفية والاسمية والفعلية أولى وأحرى، أو يقال غير ذلك، وإنما المقصود هنا إبطال كل تأويل فيه تحريف للكلم عن مواضعه وإلحاد فيه ورد لما قصد بالنص، فيرد ما كذبوا به من الحق لا ما صدقوا به من الحق فإن هذا شأن المحرفين لنصوص الصفات إذا حملوا الحديث على ما هو ثابت في نفس الأمر لم ننازع في ذلك المعنى الصحيح ولا في دلالة الحديث عليه إذا احتمل ذلك، وقد لا نكون في هذا المقام ناظرين في دلالة الحديث عليه نفيًا وإثباتًا ولكن ننازعهم في تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وآياته وهو ما أبطلوه وعطلوه وكذبوا به من
[ ١١١ ]
الحق. فإن خطأ النظار فيما كذبوا به ونفوه أكبر من خطئهم فيما صدقوا به وعلموه.
أما التأويل الأول وهو قولهم على صورة الملك فهو وإن كان فيه نوع شبهة من هذا الوجه فالكلام عليه من وجوه، أحدها أن قوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته، لو أريد أنه جعله ملكًا مطاعًا مدبرًا كما أن الله ملك مطاع مدبر لم يناسب هذا الأمر باجتناب الوجه إذ لا اختصاص له. ولأن صفة الملك لا تنافي استحقاق العقوبة.
الوجه الثاني قوله: «لا يقولن أحدكم قبح الله وجهك ووجهًا أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» ذكر خلق آدم على صورته لقوله: وجهًا أشبه وجهك، وليس في كونه ملكًا ما يقتضي ذلك كما لو قال فإن الله جعل آدم ملكًا من الملوك.
الوجه الثالث: أنه لو أريد ذلك لم يكن فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في النهي عن الضرب والنهي عن التقبيح إذ كون آدم مخلوقًا على صفة الملك التي يتميز بها لا يخص عضوًا دون عضو.
الوجه الرابع: أن كونه ملكًا لا يوجب رفع العقوبة عنه إذا أذنب إذ لو جاز ذلك لكان ملوك بني آدم ترفع عنهم عقوبة السيئات.
الوجه الخامس: أن كونه مخلوقا على صورة الملك ليس هذا عامًا في جميع بني آدم إذ منهم من يصلح للملك ومنهم من لا يصلح أن يكون إلا مملوكًا، بل منهم من هو أضل من البهائم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]، وإذا كان كذلك مع أن النهي عن ضرب الوجه
[ ١١٢ ]
وتقبيحه عام في جميع الآدميين وصفة الملك والسؤدد ليست عامة علم أنها ليست هي المراد بقوله: «على صورته».
الوجه السادس: أن الملك ليس مختصا بالآدميين، بل في أصناف البهائم الرئيس المطاع والمرءوس المطيع، فما من طائفة من البهائم إلا كذلك.
الوجه السابع: أن الملك صفة من صفات الله وهو يعود إلى القدرة، أو القدرة والعلم والحكمة فيكون ذلك داخلًا في تأويل من تأوله على الصورة المعنوية وهي صفة العلم والقدرة، وقد تقدمت الوجوه المتعددة في إبطال حمله على ذلك، وتلك الوجوه كلها تبطل هذا بطريق الأولى.
الوجه الثامن: أن تسمية ملك الله صورة الله أو تسمية تدبيره وقدرته صورته مما لا يعرف في اللغة أصلًا فحمل الحديث عليه تحريف وتبديل محض.
الوجه التاسع: أن قوله: «خلق آدم على صورته» يقتضي أنه كان مخلوقًا على صورته، ومعلوم أنه لم يخلق حينئذ ملكًا وإنما الملك حادث بعد ذلك.
الوجه العاشر: أن آدم نفسه لم يكن بعد أن خلق ملكًا ولا مطاعًا وبعد أن حدثت له الذرية (١).
الوجه الحادي عشر: قوله: «إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا» إلى قوله: «فجميع من يدخل الجنة على صورة آدم» صريح في أنه أراد صورة جسمه لا قدرته وملكه.
_________________
(١) كذا في المخطوطة وفي العبارة غموض ولعله سقط منه شيء.
[ ١١٣ ]
وأما قول القائل على: صورته التي هي العالم فإن الإنسان مختصر العالم، فلا حاجة إلى المنازعة في كون الإنسان مختصر العالم ونسخة العالم، ولا في كون هذا المعنى قد يكون من لوازم خلقه على صورة الرحمن، كما لا ينازع في كونه عالمًا وقادرًا وحيًا ولكن هذا لا يجوز أن يكون هو مقصود الحديث لوجوه.
أحدها أن قوله: «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته يقتضي أن خلقه على صورة الرحمن هو المانع من ضربه، وكونه على صورة العالم لا يمنع ضربه وقتاله فإن العالم بنفسه مشتمل على النعيم والعذاب وعلى ما ينعم ويعذب وعلى البر والفاجر.
الثاني أن قوله: «لا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته» يقتضي أن شبه الوجه بالصورة هو المانع من تقبيح من أشبه الوجه ومعلوم أن العالم نفسه ليس فيه ما يشبه وجه الآدمي مخصوصًا بمنع ذمه وهو وجه يشبه وجهه.
الثالث: أن خلقه على نسخة العالم ليس له اختصاص بالوجه بل هو شامل لروحه وسائر أعضائه كما يبين ذلك من يقوله، وحينئذ فينبغي أن يكون النهي عن الضرب لسائر أعضائه ونفسه، أو لا ينهى عن الضرب لشيء، وكلاها باطل.
الرابع: أنه على هذا التقدير كان النهي عن التقبيح يقتضي أن يكون شاملا لجميع الأعضاء والنفس.
الخامس: أن تسمية العالم صورة الله أمر باطل لا أصل له في اللغة، بل العالم مخلوق الله ومملوكه.
السادس: أن هذا الوجه يتضمن أن إضافة الصورة إليه إضافة
[ ١١٤ ]
خلق وملك لا إضافة ذاتية، وقد تقدمت الوجوه المبطلة لهذا فهي تبطل هذا التأويل.
السابع: أن كون الإنسان مشابها للعالم ليس بأعظم من مشابهة بعض الناس لبعض كمشابهة الرجل لأبيه، ومعلوم أن مشابهة بعض الآدميين لبعض ليس مقتضيًا لذم ولا مدح ولا مانعًا من العقاب، بل هو سبحانه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.
الثامن: أن كون الإنسان مختصرا من العالم أن فيه المحمود والمذموم كما أن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنوه على قدر تلك القبضة منهم الخبيث والطيب وبين ذلك والسهل والحزن وبين ذلك والأسود والأبيض وبين ذلك» وإذا كان كذلك فكونه مختصرا من العالم ومشبها له لا يوجب منع تقبيح شيء منه ولا منع ضرب شيء منه.
التاسع: أن من المعلوم أن أرواح بني آدم أشرف من أجسادهم، ثم إن هذه الأرواح التي يسمونها النفوس الناطقة تنقسم إلى محمود ومذموم كما يقول الملك للنفس المؤمنة «اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي راضية مرضية، فإذا خرجت صلى عليها كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض وكل ملك بين السماء والأرض» ويقول للكافرة: «اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ساخطة مسخوطا عليك وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فإذا خرجت لعنها كل ملك في السماء وكل ملك في الأرض وكل ملك بين السماء والأرض» وإذا كانت الروح قد تقبح وتشتم وتلعن وتوصف بالخبث فالجسد أحق بذلك. فلو كان مشابهة أشرف ما في العالم يمنع التقبيح لوجب أن لا تقبح النفس الناطقة قط فلما
[ ١١٥ ]