اختلف علماء المذهب في حكم الاحتفال بالمولد النبوي، علما أنه أجمع كافة العلماء والمؤرخين أن الصحابة والتابعين وأتباعهم وكذا الأئمة الأربعة لم يعرف عنهم الاحتفال بالمولد النبوي، ولا تعرف هذه البدعة إلا في القرون المتأخرة.
بل أول من أحدثه هم الفاطميون العبيدون من الباطنيين، كما نقله المقريزي في خططه (١/ ٤٩٠) والقلقشندي في صبح الأعشى (٣/ ٤٩٨) والسندوبي في تاريخ الاحتفال بالمولد النبوي (٦٩) ومحمد بخيت في أحسن الكلام (٤٤) وعلي فكري في محاضراته (٨٤) وعلي محفوظ في الإبداع (ص١٢٦) (١).
وعلى القول بجواز الاحتفال فإن ما يفعله الصوفية في هذا اليوم من الرقص والشطح باسم الذكر يعد من البهتان ومن أعظم الافتراء على الشريعة وعلى نبينا - ﷺ -، ومن قال بأن هذا احتفال بالنبي - ﷺ - فهو من أكبر المستهزئين به - ﷺ -، الساخرين بمقامه الرفيع. فكيف يعظم النبي - ﷺ - في يوم ميلاده بالرقص والشطح. سبحانك هذا بهتان عظيم.
_________________
(١) كذا ذكر الشيخ علي حسن الحلبي في تحقيقه لرسالة الفاكهي الآتي ذكرها. وضعف قول من قال: إن أول من أحدثه هو الملك المظفر صاحب إربل.
[ ١٢٥ ]
ومن أكثر علماء المذاهب الأربعة تصنيفا وتشنيعا على هذا الاحتفال: علماء المذهب المالكي.
وممن علمته تكلم في عدم جواز ذلك أو عدم جواز بعض ما يعمل في المولد:
أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المالكي (ت ٤٧٤هـ) ألف رسالة سماها: حكم بدعة الاجتماع في مولد النبي - ﷺ - (١).
وأبو حفص تاج الدين عمر بن علي الفاكهاني المالكي (ت٧٣١) صنف "المورد في عمل المولد" (٢).
صنفه لبيان بدعية الاحتفال بالمولد النبوي.
ومما قاله فيه (٨ - ٩): لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطَّالون، وشهوة نفس، اغتنى بها الأَكَّالون.
وقال في آخر الرسالة: هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه - ﷺ -، وهو ربيع الأول هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.
_________________
(١) نشرت هذه الرسالة في مجلة الإصلاح (المجلد الأول/ العدد الخامس/ ص ٢٧٨). كما في جهود علماء المغرب (٤٢١).
(٢) طبع بتحقيق علي حسن الحلبي. طبع دار القاسم ضمن مجموع.
[ ١٢٦ ]
وعد العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري الفاسي الشهير بابن الحاج (المتوفى سنة ٧٣٧) في كتابه "المدخل" الاحتفال بالمولد النبوي (٢/ ٢) من البدع.
وقال الونشريسي في المعيار المعرب (٧/ ٩٩ - ١٠٠ - ١٠١): وسئل الأستاذ أبو عبد الله الحفار عن رجل حبس أصل توت على ليلة مولد سيدنا محمد - ﷺ - ثم مات المحبس فأراد ولده أن يتملك أصل التوت المذكور فهل له ذلك أم لا؟
فأجاب: وقفت على السؤال فوقه، وليلة المولد لم يكن السلف الصالح وهم أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعون لهم يجتمعون فيها للعبادة، ولا يفعلون فيها زيادة على سائر ليالي السنة، لأن النبي - ﷺ - لا يعظم إلا بالوجه الذي شرع فيه تعظيمه، وتعظيمه من أعظم القرب إلى الله، لكن يتقرب إلى الله ﷻ بما شرع، والدليل على أن السلف لم يكونوا يزيدون فيها زيادة على سائر الليالي أنهم اختلفوا فيها، فقيل إنه - ﷺ - ولد في رمضان، وقيل في ربيع، واختلف في أي يوم ولد فيه على أربعة أقوال، فلو كانت تلك الليلة التي ولد في صبيحتها تحدث فيها عبادة بولادة خير الخلق - ﷺ - لكانت معلومة مشهورة لا يقع فيها اختلاف، ولكن لم تشرع زيادة تعظيم، ألا ترى أن يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، وأفضل ما يفعل في اليوم الفاضل صومه، وقد نهى النبي - ﷺ - عن صوم يوم الجمعة مع عظيم فضله، فدل هذا على أنه لا
[ ١٢٧ ]
تحدث عبادة في زمان ولا في مكان إلا إن شرعت، وما لم يشرع لا يفعل، إذ لا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما أتى به أولها.
ولو فتح هذا الباب لجاء قوم فقالوا: يوم هجرته إلى المدينة يوم أعز الله فيه الإسلام فيجتمع فيه ويتعبد.
ويقول آخرون: الليلة التي أسرى به فيها حصل له من الشرف ما لا يقدر قدره، فتحدث فيها عبادة.
فلا يقف ذلك عند حد، والخير كله في اتباع السلف الصالح الذين اختارهم الله له، فما فعلوا فعلناه وما تركوا تركناه.
فإذا تقرر هذا ظهر أن الاجتماع في تلك الليلة ليس بمطلوب شرعا، بل يؤمر بتركه، ووقوع التحبيس عليه مما يحمل على بقائه واستمرار ما ليس له أصل في الدين، فمحوه وإزالته مطلوب شرعا.
ثم هاهنا أمر زائد في السؤال أن تلك الليلة تقام على طريقة الفقراء، وطريقة الفقراء في هذه الأوقات شنيعة من شنع الدين، لأن عهدهم في الاجتماع إنما هو الغناء والشطح، ويقررون لعوام المسلمين أن ذلك من أعظم القربات في هذه الأوقات وأنها طريقة أولياء الله، وهم قوم جهلة لا يحسن أحدهم أحكام ما يجب عليه في يومه وليلته، بل هو ممن استخلفه الشيطان على إضلال عوام المسلمين، ويزينون لهم الباطل ويضيفون إلى دين الله تعالى ما ليس منه، لأن الغناء والشطح من باب اللهو واللعب وهم يضيفونه إلى أولياء الله، وهم يكذبون في ذلك عليهم ليتوصلوا إلى أكل أموال الناس
[ ١٢٨ ]
بالباطل، فصار التحبيس عليهم ليقيموا بذلك طريقتهم تحبيسا على ما لا يجوز تعاطيه، فيبطل ما حبس في هذا الباب على غير طريقته، ويستحب للمحبس أن يصرف هذا الأصل من التوت إلى باب آخر من أبواب القربات الشرعية، وإن لم يقدر على ذلك فينقله لنفسه، والله تعالى يمن علينا باتباع هدي نبيه محمد - ﷺ -، واتباع السلف الصالح الذين في اتباعهم النجاة، والسلام على من يقف عليه. من محمد الحفار.
وقال الونشريسي في المعيار المعرب (٢/ ٤٨٩) معددا البدع: ومنها اتخاذ طعام معلوم في ميلاد النبي - ﷺ - وفي بعض المواسم.
قال ابن الحاج (١): ولم يكن في عاشوراء لمن مضى طعام معلوم لابد من فعله. وقد كان بعض العلماء يتركون النفقة فيه قصدا لينبهوا على أن النفقة فيه ليست بواجبة، ولم يكن السلف رضوان الله عليهم يتعرضون في هذه المواسم ولا يعرفون تعظيمها إلا بكثرة العبادة والصدقة والخير واغتنام فضيلتها لا بالمأكول.
وممن أكثر التشنيع على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي من أعلام المغرب المالكية: العلامة أبو العباس القباب أحمد بن قاسم الجذامي (المتوفى بعد٧٨٠ هـ) (٢).
_________________
(١) المدخل (١/ ٢٨٦).
(٢) له ترجمة في الديباج (١/ ١٦٢) وتوشيح الديباج (٥٥) والحلل السندسية (١/ ٦٣٨) وشجرة النور (١/ ٢٣٥).
[ ١٢٩ ]
قال الونشريسي في المعيار المعرب (١٢/ ٤٨ - ٤٩): وسئل سيدي أحمد القباب عما يفعله المعلمون من وقد الشمع في مولد النبي - ﷺ - واجتماع الأولاد للصلاة على النبي - ﷺ - ويقرأ بعض الأولاد ممن هو حسن الصوت عشرا من القرآن وينشد قصيدة في مدح النبي - ﷺ - ويجتمع الرجال والنساء بهذا السبب. فهل ما يأخذ المعلم من الشمع جائز أم لا؟ لأن بعض الطلبة قال: إنه إجازة ولا فرق بينه وبين حق الشهور والحذاق، ولا سيما من عرف منه أنه لا يزين المسجد ولا يقرأ أحد عنده عشرا ولا ينشد مديحا ولا غيره ولا يسوق له إلا من يقرأ عنده.
فقال له السائل: إن الأولاد يكلفون آباءهم بشراء الشمع ويشترونه كرها، فقال له: يلزمك هذا في حق الشهور والحذاق، والأولاد يطلبون من آبائهم فيعطونه كرها، وهذا غير معتبر، لأن الآباء قد دخلوا عليه فيلزمهم، لأنه إذا رد ولده التزم أنه يعطي حق الشهر والحذاق والشمع في المولد، ولو كانت ثم عادة أخرى لالتزمها.
فهل ما قاله هذا الطالب صحيح أم لا؟ فإن كان صحيحا فهل يؤثر اجتماع الرجال والنساء إن اجتمعوا؟ أم لا يلزم هذا إلا الحاكم، لأن هذا أمر لا يقدر على تغييره إلا من له أمر؟
فأجاب بأن قال: جميع ما وصفت من محدثات البدع التي يجب قطعها، ومن قام بها أو أعان عليها أو سعى في دوامها فهو ساع في بدعة وضلالة، ويظن بجهله أنه بذلك معظم لرسول الله - ﷺ - قائم بمولده، وهو مخالف سنته
[ ١٣٠ ]
مرتكب لمنهيات نهى عنها - ﷺ - متظاهر بذلك، محدث في الدين ما ليس منه، ولو كان معظما له حق التعظيم لأطاع أوامره فلم يحدث في دينه ما ليس منه، ولم يتعرض لما حذر الله تعالى منه حيث قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور:٦٣]. وأما ما يأخذه المعلم من ذلك فإن كان إنما يعطاه على القيام بهذه البدع والقيام بتلك الأمور، فلا خفاء بقبح المأخوذ على هذا الوجه، وإن كانوا يعطونه ذلك في هذا الوقت وإن لم يفعل شيئا من هذه البدع فقد قال ابن حبيب: إنه لا يقضى للمعلم بشيء في أعياد المسلمين، وإن كان ذلك مما يستحب فعله، وقال: إن الإعطاء في أعياد النصارى مثل النيروز والمهرجان مكروه، ولا يجوز لمن فعله ولا يحل لمن قبله، لأنه من تعظيم الشرك.
قال ابن رشد: كان القياس أن لا فرق بين الحذاق وما يعطى في الأعياد إذا جرت بها العادة وأنه يقضي بالجميع، وإنما فرق ابن حبيب بين ذلك لأن الحذاق بلغها الصبي بتعليم المعلم والأعياد لا فعل فيها.
وإذا كان ابن حبيب يقول ألا يقضى له بالأعياد والمواسم الشرعية، فكيف بما ليس بشرعي؟ وعلى الجملة، لا شك أن الأمر أخف إذا كان لا يقوم ببدعة في ذلك الوقت.
وأما ما ذكرتم عن القائل إن الصبي يطلب ذلك من أبيه حتى يعطيه كرها فكلام لا يساوي سماعه، ومن استقرأ العادة علم أن المعطي لشيء من
[ ١٣١ ]
ذلك إنما يقصد به إقامة تلك البدع، وكون المعطى شمعا يعين هذا المقصد، وإذا كان كذلك كان المأخوذ إنما هو على بدعة.
ومن علماء المغرب المالكية كذلك الذين أبطلوا الاحتفال بالمولد النبوي: علامة المغرب بدون منازع: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (المتوفى سنة ٧٩٠ هـ):
قال الونشريسي في المعيار المعرب (٩/ ٢٥٢): وسئل الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي، ﵀، عمن عهد بثلثه ليوقف على إقامة مولده - ﷺ -.
فأجاب: أما الوصية بالثلث ليوقف على إقامة ليلة مولد النبي - ﷺ - فمعلوم أن إقامة المولد على الوصف المعهود بين الناس بدعة محدثة، وكل بدعة ضلالة، والإنفاق على إقامة البدعة لا يجوز، والوصية غير نافذة، بل يجب على القاضي فسخه ورد الثلث إلى الورثة يقتسمونه فيما بينهم، وأبعد الله الفقراء الذين يطلبون إنفاذ مثل هذه الوصية، وما ذكرتم من وجهي المنع من الإنفاذ صحيح يقتضي عدم التوقف في إبطال الوصية، ولا يكفي في ذلك منكم السكوت لأنه كالحكم بالإنفاذ عند جماعة من العلماء فاحذروا أن يكون مثل هذا في صحيفتكم، والله يقينا وإياكم الشر بفضله.
وألف محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي (المتوفى سنة ١٣٧٦ هـ) صفاء المورد بعدم القيام عند سماع المولد (١).
_________________
(١) مخطوط الخزانة العامة رقم ١١٢ ح.
[ ١٣٢ ]
وحقيقة قيام المولد أنه عند سرد المولد الشريف والوصول لذكر وضع أمه له - ﷺ - ينهض جميع من حضر وقوفا على الأقدام، ويبقى الكل على تلك الحالة مدة ليست بقصيرة، أكثر من مدة الصلاة على الجنازة بكثير، والقارئ يقرأ المولد، وهم يصلون على النبي - ﷺ -، كذا في صفاء المورد (ص٣).
والكتاب يقع في ٤٠ صفحة، وأصل الكتاب أنه وقع نقاش بين الحجوي وعبد الهادي بن محمد التادلي المكناسي الفاسي الطنجي حول الموضوع، فألف التادلي كتابه: "إيقاظ النيام عن استحباب القيام في مولد خير الأنام".
فرد عليه الحجوي، ثم رد التادلي على الحجوي بكتاب آخر سماه: إقماع المتمرد عن القيام عند سماع المولد، يوجد مخطوطا بالحسنية (١١٦١٧)، لكنه غير تام، فلم يكتب منه إلا مقدمته في ٩ صفحات فقط.
وكذا رد الحجوي على بعض من رد عليه، ذكره عقب صفاء المورد (٢١٢ح)، وهو في ١٤ صفحة.
وممن ألف منتصرا للحجوي:
محمد العابد السودي خطيب الحرم الأندلسي (ت١٣٥٩ هـ)، له مسامرة الأعلام وتنبيه العوام بكراهة القيام بذكر مولد خير الأنام (١).
وممن رد على الحجوي: محمد الرافعي الأزموري الجديدي المتوفى سنة (١٣٦٠ هـ)، يوجد بخزانة علال الفاسي (٦٧٦).
_________________
(١) مخطوط الخزانة العامة (١١٢ح- ص٦١).
[ ١٣٣ ]
وممن انتصر للحجوي كذلك: محمد المصوري الفاسي، له: سوط الإفهام والإفحام بما في روض الأمنية والأماني من الإلحاد والتحريف والأوهام.
طبع في الجزائر سنة: ١٣٣٩/ ١٩٢١.
وهو رد على أحد المصنفين الفاسيين الذي رد على الحجوي.
[ ١٣٤ ]