هذا وعرش الرب فوق الماء من قبل السنين بمدة وزمان
والناس مختلفون في القلم الذي كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده؟ قولان عند أبي العلا الهمذاني
والحق أن العرش قبل لأنه قبل الكتابة كان ذا أركان
وكتابة القلم الشريف تعقبت إيجاده من غير فصل زمان
لما براه الله قال اكتب كذا فغدا بأمر الله ذا جريان
فجرى بما هو كائن أبدا إلى يوم المعاد بقدرة الرحمن
ومما ذكرته من نصوص الآيات والأحاديث على كتابة المقادير وعلى القلم الذي كتبت به المقادير وعلى الكتاب المبين الذي كتبت فيه المقادير أبلغ رد على ابن محمود فيما زعمه من أن كتابة المقادير عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء قبل وقوعها وأن ذلك بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله.
وقد تقدم ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من إجماع الصحابة والتابعين وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب.
وتقدم أيضا ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن أهل السنة والجماعة أنهم يؤمنون بخلق الله لكل شيء، وقدرته على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان،
[ ٦٥ ]
وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون، وفي هذا أبلغ رد على ابن محمود.
وأما قوله: وإنما ذكرت هذا لتقريب الأذهان إلى الإذعان بالإيمان بالقرآن.
فجوابه: أن يقال ليست رسالة ابن محمود في القضاء والقدر مما يقرب الأذهان إلى الإذعان بالإيمان بالقرآن، وإنما هي مما يقرب الأذهان إلى الإذعان بقول غلاة القدرية الذين ينكرون كتابة المقادير قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد تبعهم ابن محمود على قولهم الباطل حيث زعم في صفحة ١٣ وصفحة ١٥ أن كتابة المقادير عبارة عن العلم القائم بذات الله وسبق علمه بالأشياء فبل وقوعها وأن ذلك بمثابة المكتوب المضبوط في علم الله عبر عنها سبحانه بالكتابة هذا كلامه وهو صريح في نفي الكتابة كما تقدم بيان ذلك.
وأما قوله فهو سبحانه يعلم بالمصيبة قبل وقوعها، وعلمه سبحانه بها ليس هو الذي أوقع المصاب في المصيبة وإنما وقعت بالأسباب المترتبة على وقوعها.
فقال: إن المصائب كلها بقضاء وقدر وأسبابها بقضاء وقدر فالكل معلوم للرب ﵎ في الأزل ومكتوب في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. ومن زعم أن المصائب تقع بالأسباب وحدها ولم تكن بقضاء وقدر سابق فهو من القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة.
[ ٦٦ ]