قال: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله على وجهه في النار» فهذا الذي نفى عن أهله دخول الإيمان في قلوبهم هل هو إسلام يثابون عليه أم هو من جنس إسلام المنافقين؟ فيه قولان مشهوران للسلف والخلف أحدهما أنه إسلام يثابون عليه ويخرجهم من الكفر والنفاق وهذا مروي عن الحسن وابن سيرين وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر وهو قول حماد بن زيد وأحمد بن حنبل وسهل بن عبد الله التستري وأبي طالب المكي وكثير من أهل الحديث والسنة والحقائق.
والقول الثاني: أن هذا الإسلام هو الاستسلام خوف السبي والقتل مثل إسلام المنافقين.
قالوا وهؤلاء كفار فإن الإيمان لم يدخل في قلوبهم ومن لم يدخل الإيمان في قلبه فهو كافر، وهذا اختيار البخاري ومحمد ابن نصر المروزي - ثم ذكر الشيخ عن الخوارج والمعتزلة أنهم يخرجون أهل الكبائر من اسم الإيمان والإسلام وأن الإيمان والإسلام عندهم واحد فإذا خرجوا عندهم من الإيمان خرجوا من الإسلام، ولكن الخوارج تقول هم كفار والمعتزلة تقول لا مسلمون ولا كفار ينزلونهم منزلة بين المنزلتين - وذكر الشيخ الدليل على أن إسلام الأعراب إسلام يثابون عليه وأنهم ليسوا منافقين وأطال الكلام في تقرير ذلك إلى أن قال: وقد صار الناس في مسمى الإسلام على ثلاثة أقوال، قيل هو الإيمان وهما اسمان لمسمى واحد، وقيل هو الكلمة، لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه النبي ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبي ﷺ.
وذكر الشيخ أيضا أنه يجب رد ما تنازع الناس فيه إلى الله ورسوله، قال والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام
[ ١٦٧ ]
والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين وإن كان مسماه واجبا لا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمنا مسلما، فالحق في ذلك ما بينه النبي ﷺ في حديث جبريل؛ فجعل الدين وأهله ثلاث طبقات أولها الإسلام وأوسطها الإيمان وأعلاها الإحسان، ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا، وهكذا جاء القرآن فجعل الأمة على هذه الأصناف الثلاثة قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه.
وقال أبو سليمان الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة فأما الزهري فقال الإسلام الكلمة والإيمان العمل واحتج بالآية، وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد واحتج بقول: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال الخطابي: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق، وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منها.
قال الشيخ والذي اختاره الخطابي هو قول من فرق بينهما كأبي جعفر وحماد بن زيد وعبد الرحمن بن مهدي وهو قول أحمد بن حنبل وغيره ولا علمت أحدا من المتقدمين خالف هؤلاء فجعل نفس الإسلام نفس الإيمان، ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء كما ذكره الخطابي، وكذلك
[ ١٦٨ ]