أن التفريق بين الرسول والنبي ليس معروفا عند الصحابة والتابعين ولا السلف السابقين.
الخامس: قدحه في الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ ورميه بسوء الحفظ.
السادس: قوله: إن حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألف مخالف لصريح القرآن.
السابع: قوله عن الأحاديث التي وردت في عدد الأنبياء أن بعضها من قول كعب الأحبار.
الثامن: ما نسبه إلى المحققين من السلف أنهم قالوا: إن لله أنبياء كثيرين لا يعلم عددهم إلا الله، وقوله أيضا: إنهم خطَّئوا من عد الأنبياء والرسل.
التاسع: تغليطه من فرق بين الأنبياء والرسل.
العاشر: قوله: إن ابن الجوزي وغيره من العلماء ذكروا حديث أبي ذر في الموضوعات.
الحادي عشر: نفيه الرسالة عن آدم.
الثاني عشر: زعمه أن من فرق بين الرسول والنبي فقد فرق بين الأنبياء في الإيمان.
الثالث عشر: زعمه أن كل مسلم مؤمن وأنه لا فرق بين المسلم والمؤمن.
فأما الأول: وهو قوله في صفحة (٤):إن كل نبي فإنه رسول وأنه لا فرق بين الرسول والنبي إلا بمجرد الاسم والمسمى واحد.
فجوابه: من وجهين أحدهما أن يقال: قد دل القرآن والسنة على التفريق بين الرسول والنبي، وكفى بالقرآن والسنة حجة على كل مبطل.
فأما الدليل من القرآن فقد قال الله تعالى في سورة الحج: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية فقد فرق ﵎ بين الرسول وبين النبي وعطف النبي على الرسول والعطف يقتضي المغايرة.
[ ١٢٠ ]
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان: وعطف الشيء على الشيء في القرآن وسائر الكلام يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي ذكر لهما. انتهى.
وسيأتي قول الرازي أن عطف النبي على الرسول يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص. انتهى.
وإدخال حرف (لا) بين واو العطف والمعطوف صريح في التفريق بين الرسول والنبي كقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ وأمثال هذه الآيات.
وقد جاء في (تنوير المقباس من تفسير ابن عباس) ما نصه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد (من رسول) مرسل (ولا نبي) محدث ليس بمرسل ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قرأ الرسول أو حدث النبي ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في قراءة الرسول وحديث النبي. انتهى.
وقال ابن جرير في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية: فتأويل الكلام ولم يرسل يا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم ولا نبي محدث ليس بمرسل إلا إذا تمنى. انتهى.
وقال القاضي عياض: المعنى وما أرسلنا من رسول إلى أمة أو نبي وليس بمرسل إلى أحد. انتهى.
وقال الثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومحاورته إياه شفاها، والنبي الذي تكون
[ ١٢١ ]
نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. انتهى.
وقال الواحدي في قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ:﴾ الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا ومحاورته شفاها، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال: وهذا معنى قول الفراء: الرسول النبي المرسل، والنبي المحدث الذي لم يرسل، انتهى منقولا من (تهذيب الأسماء واللغات) لأبي زكريا النووي.
وقال البغوي في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ وهو الذي يأتيه جبريل بالوحي عيانا ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ وهو الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا. انتهى.
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ دليل بين على تغاير الرسول والنبي. انتهى.
وقال الرازي في تفسير هذه الآية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، المسألة الأولى من الناس من قال الرسول هو الذي حدث وأرسل، والنبي هو الذي لم يرسل ولكنه ألهم أو رأى في النوم، ومن الناس من قال: إن كل رسول نبي وليس كل نبي يكون رسولا وهو قول الكلبي والفراء، وقالت المعتزلة: كل رسول نبي وكل نبي رسول ولا فرق بينهما - ثم ذكر الرازي- إن هذه الآية دالة على أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال: لأنه عطف على الرسول وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على
[ ١٢٢ ]
الخاص، وقال في موضع آخر: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ وذلك يدل على أنه كان نبيا فجعله الله مرسلا وهو يدل على قولنا. انتهى.
وقال القرطبي في تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانا، والنبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، قال المهدوي -وهذا هو الصحيح-:إن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفاء، قال والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا واحتج بحديث أبي ذر وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ. انتهى.
وقال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي المتوفى سنة سبعمائة وعشر في تفسيره في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ هذا دليل بين علي ثبوت التغاير بين الرسول والنبي بخلاف ما يقول البعض أنهما واحد. انتهى.
وقال ابن جزي الكلبي الغرناطي في تفسيره في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، النبي أعم من الرسول فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا فقدم الرسول لمناسبته لقوله أرسلنا وأخر النبي لتحصيل العموم لأنه لو اقتصر على رسول لم يدخل في ذلك من كان نبيا غير رسول. انتهى.
[ ١٢٣ ]
وفي تفسير مجاهد عند قول الله تعالى في سورة مريم: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ قال: النبي هو الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل، والرسول هو الذي يرسل.
وقد قال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وروى محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها، وروى ابن جرير عن ابن أبي مليكة قال: رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه قال: فيقول له ابن عباس: اكتب حتى سأله عن التفسير كله.
وعلى هذا فقول مجاهد في تفسير الآية من سورة مريم يحتمل أنه مما أخذه عن ابن عباس ﵄ والله أعلم.
وقال القرطبي في تفسير سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية، قال: والرسول والنبي اسمان لمعنيين فإن الرسول أخص من النبي وقدم الرسول اهتماما لمعنى الرسالة وإلا فمعنى النبوة هو المتقدم ولذلك رد رسول الله ﷺ على البراء حين قال: «وبرسولك الذي أرسلت» فقال له: «قل بنبيك الذي أرسلت» خرجه في الصحيح، وأيضا فإن في قوله وبرسولك الذي أرسلت تكرير الرسالة وهو معنى واحد فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه بخلاف ونبيك الذي أرسلت فإنهما لا تكرار فيهما وعلى هذا فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا لأن الرسول والنبي اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترقا في أمر وهي الرسالة فإذا قلت: محمد رسول من عند الله تضمن ذلك أنه نبي ورسول وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم. انتهى.
[ ١٢٤ ]