أنظر إلى عرش ربي وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أسمع عواء أهل النار فقال: «مؤمن نور الله قلبه».
وروى أبو أحمد العسكري من طريق أحمد بن أبي الحواري سمعت أبا سليمان الداراني سمعت شيخا بساحل دمشق يقال له علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث قال: وفدت على رسول الله ﷺ سابع سبعة من قومي فأعجبه سمتنا وهدينا قال: ما أنتم؟ قلنا: مؤمنون، قال: فما حقيقة إيمانكم قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس أمرتنا بها رسلك أن نؤمن بها وخمس أمرتنا أن نعمل بها وخمس تخلقنا بها في الجاهلية، فذكر الحديث بطوله، وقد ساقه ابن كثير في البداية والنهاية فقال: ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة والحافظ أبو موسى المديني من حديث أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي سويد بن الحارث فذكره، وقد أورد ابن محمود هذين الحديثين في بعض رسائله واعتمد عليهما في الجزم بالإيمان بدون استثناء، وقال في الكلام على حديث الحارث بن مالك الأنصاري فلم ينكر النبي ﷺ جزمه بإيمانه بدون استثناء، وقال في الكلام على حديث سويد بن الحارث إن النبي ﷺ أقرهم على الجزم بالإيمان ولم ينكر عليهم.
والجواب: أن يقال: كل من الحديثين منكر لا يصلح للاستشهاد به، فضلا عن الاحتجاج به، فأما حديث الحارث بن مالك الأنصاري فقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: هو معضل، قال: ورواه البيهقي في الشعب من طريق يوسف بن عطية الصفار وهو ضعيف جدا، قال البيهقي: هذا منكر وقال ابن صاعد: هذا الحديث لا يثبت موصولا. انتهى.
[ ١٨٣ ]
وقد وهم ابن محمود فجعل هذا الحديث عن حارثة بن النعمان، والصواب أنه الحارث بن مالك الأنصاري كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة.
وأما حديث علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي فهو أضعف مما قبله، قال الحافظ الذهبي في الميزان: علقمة بن يزيد بن سويد عن أبيه عن جده لا يعرف وأتى بخبر منكر فلا يحتج به، وكذا قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان.
وإذا علم سقوط الحديثين اللذين احتج بهما ابن محمود على الجزم بالإيمان بدون استثناء فليعلم أيضا أن المعتمد في هذا ما ثبت عن ابن مسعود ﵁ وغيره من أكابر العلماء؛ من إنكار الجزم بالإيمان بدون استثناء وليس مع من خالفهم دليل يصلح لمعارضتهم.
وأما الآية من سورة البقرة وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فإن العطف فيها بالواو يفيد المغايرة بين جميع المذكورين في الآية الكريمة، ومن زعم أن الواو لا تفيد المغايرة وأنه يراد بالتالي نفس الأول فلازم قوله أن يكون ميكال نفس جبريل وأن تكون الرسل من بني آدم نفس الملائكة، وهذا من أبطل الباطل.
وإنما وقع النص على جبريل وميكال مع أنهما من الملائكة لشرفهما على سائر الملائكة وهو من باب عطف الخاص على العام.
وأما قوله ﷺ: «فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله» فإنما هو وارد في التحذير من دعوى الجاهلية، وهو أن الرجل منهم إذا غلب خصمه نادى قومه بأعلى صوته يا آل فلان فيبتدرون إلى نصرته ظالما كان
[ ١٨٤ ]