(فصل)
وقد جعلت التنبيهات على رسالتي ابن محمود في فصلين.
الأول: فيما يتعلق بالقضاء والقدر.
والثاني: فيما يتعلق بالرسالة والنبوة، فأما ما يتعلق بالقضاء والقدر فالتنبيه عليه يتلخص في خمسة أشياء: الأول في بيانه لمعنى القضاء والقدر، والثاني في تغليطه للمفسرين الذين قالوا في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أنها نزلت في القضاء والقدر.
والثالث في نفيه لكتابة المقادير وزعمه أنها عبارة عن سبق علم الله.
والرابع في زعمه أن الحديث في احتجاج آدم وموسى من مشكل الآثار، والخامس في تخليطه في الكلام على حديث ابن مسعود ﵁ في كتابة ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه.
فأما الأول: فقال في صفحة ٩ ما ملخصه:
(حقيقة القدر) ونحن وإن قلنا: إن القدر يرجع إلى تقدير الله للأشياء بنظام وأنه يرجع إلى قدرة الله وأنه على كل شيء قدير وفعال لما يريد، أو أنه يرجع إلى سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها، وأنه يعلم ما كان وما سيكون كيف يكون فكل هذه من الصفات الداخلة في قدر الله، وحسب الشخص أن يؤمن بكل ما أخبر الله به من صنع خلقه وسبق علمه بكل شيء وأنه على كل شيء قدير وفعال لما يريد، ولما سئل الإمام أحمد عن القدر أجاب قائلا: (القدر قدرة الرحمن).
وأقول أما القدر الذي جاء ذكره في سؤال جبريل للنبي ﷺ وفي غيره من الأحاديث التي يذكر فيها
[ ٢٠ ]
وجوب الإيمان بالقدر وأنه ركن من أركان الإيمان، فالمراد به ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وإرادته وفرغ من كتابته قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» رواه الأمام أحمد والترمذي وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح غريب، وقد رواه مسلم في صحيحه ولفظه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء».
ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بإسناد صحيح ولفظه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «فرغ الله ﷿ من مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» ورواه أيضا بنحو رواية مسلم وإسناده صحيح أيضا.
وروى الإمام أحمد ومسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بين لنا ديننا كأنا خلقنا الآن فيم العمل اليوم أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: «لا بل جفت به الأقلام وجرت به المقادير» قال: ففيم العمل؟ فقال: «اعملوا فكل ميسر» وقد رواه أبو داود الطياليسي، وابن حبان في صحيحه، وعبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة بنحوه، وزاد ابن حبان قال سراقة: فلا أكون أبدا أشد اجتهادا في العمل مني الآن.
[ ٢١ ]