ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة، وقد تقدم قوله: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزنَّ» وإن العاجز من لم يتسع للأمرين. انتهى.
وأما قول ابن محمود والتحقيق أن الكتابة نوعان كتابة هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وأن الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم فهذه لا تتبدل ولا تتغير وتسمى كتابة الأزل.
فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال ليس ما ذكره بتحقيق وإنما هو في الحقيقة تخليط وتلبيس كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الوجه الثاني أن ما ذهب إليه من تنويع الكتابة فيما يتعلق بالجنين لا أصل له ولم يسبقه أحد إلى هذا التنويع الباطل.
يوضح ذلك الوجه الثالث وهو أن العلم القائم بالذات لا يسمى كتابة وإنما يسمى علما فقط، ولا أعلم أحدا سبق ابن محمود إلى القول بأن العلم القائم بالذات يسمى كتابة ولا أظن أن عاقلا يوافقه على هذه التسمية المحدثة.
الوجه الرابع أن ابن محمود زعم أن الكتابة نوعان ولم يذكر سوى سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وزعم أنها تسمى كتابة الأزل ولم يذكر النوع الثاني فصار أحد نوعيه باطلا والآخر معدوما.
الوجه الخامس أن النبي ﷺ نص في حديث ابن مسعود ﵁ على أن الملك يرسل إلى الجنين إذا تم له مائة وعشرون يوما فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات
[ ١١٠ ]
يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، ونص أيضا في حديث حذيفة بن أسيد ﵁ أن الملك يقول: يا رب أشفي أو سعيد فيكتبان فيقول: أي رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص، وفي رواية أن الملك يقول: يا رب أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله فيقول: ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص.
وفي النصوص على كتابة الملك لما يقضي الله في الجنين وعلى طي الصحف وخروج الملك بها في يده وأنه لا يزيد على ما أمر به ولا ينقص أبلغ رد على ما ابتدعه ابن محمود وخالف به أهل السنة والجماعة حيث زعم أن هذه الكتابة عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها وأن الله يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون وهم في بطون أمهاتهم.
الوجه السادس أن يقال لا شك أن الله تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها وأنه يعلم أحوال خلقه وما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وعلمه ﵎ بجميع الأشياء صفة من صفاته، وأما الكتابة فهي فعل الملك يكتب ما أمره الله به من أمر الجنين ثم يطوي الصحيفة التي كتب فيها ويخرج بها في يده فلا يزيد على ما أمر به ولا ينقص، وفعل الملك مخلوق وصحيفته مخلوقة ومع ذلك فقد زعم ابن محمود أن كتابة الملك لما يتعلق بالجنين هي عبارة عن سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها فجعل المخلوق صفة من صفات الله وهذا غاية التخليط والتلبيس.
[ ١١١ ]
الوجه السابع أن يقال: إن الأزلي هو القديم الذي لم يزل، قال ابن منظور في لسان العرب: الأزل بالتحريك القِدم قال أبو منصور: ومنه قولهم هذا شيء أزلي أي قديم وذكر بعض أهل العلم أن أصل هذه الكلمة قولهم للقديم لم يزل ثم نسب إلى هذا فلم يستقم إلا بالاختصار فقالوا يزلي ثم أبدلت الياء ألفا لأنها أخف فقالوا أزلي. انتهى.
وإذا علم أن الأزل هو القدم وأن الأزلي هو القديم الذي لم يزل فلا يخفى ما في قول ابن محمود من الخطأ والتخطيط حيث زعم أن كتابة الملك لما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه تسمى كتابة الأزل.
الوجه الثامن أن يقال: إن كتابة المقادير ليست بأزلية وإنما كانت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقد تقدم ذكره، وهذه الكتابة هي كتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وإذا كانت الكتابة السابقة على خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ليست أزلية فمن باب أولى نفي الأزلية عن كتابة ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه.
الوجه التاسع أنه يلزم على القول بأن كتابة المقادير أزلية أن يكون القلم واللوح المحفوظ أزليين وأن تكون الصحيفة التي يكتب فيها الملك ما يتعلق بالجنين وهو في بطن أمه أزلية، وهذا موافق لقول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، والقول بقدم العالم كفر بلا نزاع.
وأما قول ابن محمود؛ وعلمه سبحانه لا يتعلق به إجبارهم على فعل الخير أو الشر بل هم عاملون لأنفسهم مختارون لأعمالهم الصالحة والسيئة فهي كسبهم ويترتب الجزاء على ذلك.
[ ١١٢ ]