وقد سئل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الحديث الذي ورد «إن الله قبض قبضتين فقال: هذه للجنة ولا أبالي وهذه للنار ولا أبالي» فهل هذا الحديث صحيح والله قبضها بنفسه أو أمر أحدا من الملائكة بقبضها؟ والحديث الآخر في «إن الله لما خلق آدم أراه ذريته عن اليمين والشمال ثم قال: هؤلاء إلى النار ولا أبالي وهؤلاء إلى الجنة ولا أبالي» وهذا في الصحيح.
فأجاب رحمه الله تعالى نعم هذا المعنى مشهور عن النبي ﷺ من وجوه متعددة مثل ما في موطأ مالك وسنن أبي داود والنسائي وغيره عن مسلم بن يسار وفي لفظ عن نعيم بن ربيعه أن عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية - فذكر الحديث وقد تقدم ذكره قريبا - قال وفي حديث الحكم بن سفيان عن ثابت عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله قبض قبضة فقال: إلى الجنة برحمتي وقبض قبضة فقال: إلى النار ولا أبالي».
وهذا الحديث ونحوه فيه فصلان أحدهما القدر السابق وهو أن الله سبحانه علم أهل الجنة من أهل النار من قبل أن يعملوا الأعمال، وهذا حق يجب الإيمان به، بل قد نص الأئمة كما لك والشافعي وأحمد أن من جحد هذا فقد كفر بل يجب الإيمان أن الله علم ما سيكون كله قبل أن يكون، ويجب الإيمان بما أخبر به من أنه كتب ذلك وأخبر به قبل أن يكون كما في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين
[ ١٠١ ]
ألف سنة وكان عرشه على الماء» وذكر الشيخ أيضا حديث عمران بن حصين الذي فيه «كان الله ولم يكن شيء غيره وكتب في الذكر كل شيء» وقد تقدم ذكره، وذكر أيضا حديث العرباض بن سارية ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته» الحديث، وذكر أيضا حديث ميسرة الفجر قلت: يا رسول الله متى كتبت نبيا؟. وفي لفظ متى كنت نبيا؟ قال: «وآدم بين الروح والجسد».
وذكر أيضا حديث ابن مسعود ﵁ فيما يكتب للجنين وهو في بطن أمه وقد تقدم ذكره، وذكر أيضا حديث علي بن أبي طالب الذي فيه «ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة» وقد تقدم ذكره، وذكر أيضا الحديث الذي فيه أنه قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار فقال: «نعم» فقيل له ففيم العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ثم قال: فبين النبي ﷺ أن الله علم أهل الجنة من أهل النار وأنه كتب ذلك ونهاهم أن يتكلموا على هذا الكتاب ويدعو العمل كما يفعله الملحدون وقال: كل ميسر لما خلق له، وأن أهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة، وهذا من أحسن ما يكون من البيان، وذلك أن الله ﷾ يعلم الأمور على ما هي عليه وهو قد جعل للأشياء أسبابا تكون بها فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها، فلو قال هذا إذا علم الله أنه يولد لي فلا حاجة إلى الوطء كان أحمق أن الله علم أن سيكون بما يقدره من الوطء، وكذلك إذا علم أن هذا ينبت له الزرع بما يسقيه من الماء ويبذره من الحب فلو قال إذا علم أن سيكون فلا حاجة إلى البذر كان جاهلا ضالا لأن
[ ١٠٢ ]
الله علم أن سيكون بذلك، وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل وهذا يروى بالشرب وهذا يموت بالقتل فلابد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها، وكذلك إذا علم أن هذا يكون سعيدا في الآخرة وهذا يكون شقيا في الآخرة قلنا ذلك لأنه يعمل بعمل الأشقياء، فالله علم أنه يشقى بهذا العمل، فلو قيل هو شقي وإن لم يعمل كان باطلا لأن الله لا يدخل النار أحدا إلا بذنبه كما قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فأقسم أنه يملؤها من إبليس وأتباعه، ومن ابتع إبليس فقد عصى الله تعالى ولا يعاقب الله العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله.
ولهذا لما سئل النبي ﷺ عن أطفال المشركين قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) يعني إن الله يعلم ما يعملون لو بلغوا. وقد روي أنهم في القيامة يبعث إليهم رسول فمن أطاعه دخل الجنة ومن عصاه دخل النار، فيظهر ما علمه فيهم من الطاعة والمعصية.
وكذلك الجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته فمن قدر أنه يكون منهم يسره للإيمان والطاعة، فمن قال أنا أدخل الجنة سواء كنت مؤمنا أو كافرا إذا علم أني من أهلها كان مفتريًا على الله في ذلك فإن الله إنما علم أنه يدخلها بالإيمان فإذا لم يكن معه إيمان لم يكن هذا هو الذي علم الله أنه يدخل الجنة، بل من لم يكن مؤمنا بل كافرا فإن الله يعلم أنه من أهل النار لا من أهل الجنة.
ولهذا أمر الناس بالدعاء والاستعانة بالله وغير ذلك من الأسباب، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالا على القدر كان مخطئا أيضا لأن الله جعل الدعاء والسؤال من الأسباب التي ينال بها مغفرته ورحمته وهداه ونصره ورزقه، وإذا قدر
[ ١٠٣ ]
للعبد خيرا يناله بالدعاء لم يحصل بدون الدعاء، وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم فإنما قدره بأسباب يسوق المقادير إلى المواقيت فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات.
ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والأعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب فإن المطر إذا نزل وبذر الحب لم يكن ذلك كافيا في حصول النبات بل لابد من ريح مربية بإذن الله، ولابد من صرف الآفات عنه، فلابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك بقضاء الله وقدره، وكذلك الولد لا يوجد بمجرد إنزال الماء في الفرج، بل كم من أنزل ولم يولد له بل لابد من أن الله شاء خلقه فتحبل المرأة وتربيه في الرحم وسائر ما يتم به خلقه من الشروط وزوال الموانع، وكذلك أمر الآخرة ليس بمجرد العمل ينال الإنسان السعادة بل هي سبب ولهذا قال النبي ﷺ: «أنه لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل» وقد قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهذه الباء باء السبب، أي بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبي ﷺ باء المقابلة كما يقال اشتريت هذا بهذا، أي ليس العمل عوضا وثمنا كافيا في دخول الجنة بل لابد من عفو الله وفضله ورحمته، فبعفوه يمحو السيئات، وبرحمته يأتي بالخيرات، وبفضله يضاعف البركات.
وفي هذا الموضع ضل طائفتان من الناس، فريق آمنوا بالقدر وظنوا أن ذلك كاف في حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة وهؤلاء يؤول بهم الأمر
[ ١٠٤ ]
إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه، وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جهال ضلال فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا به. ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم، وهو سبحانه كما قال: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» فالملك إذا أمر مملوكيه بأمر أمرهم لحاجته إليهم وهم فعلوه بقوتهم التي لم يخلقها لهم فيطالبون بجزاء ذلك، والله تعالى غني عن العالمين.
فإن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساءوا فعليها، لهم ما كسبوا وعليهم ما اكتسبوا ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ - إلى أن قال - فمن أعرض عن الأمر والنهي والوعد والوعيد ناظرًا إلى القدر فقد ضل، بل المؤمن كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فنعبده اتباعا للأمر ونستعينه إيمانا بالقدر، فمن ظن أنه يطيع الله بلا معونته كما يزعم القدرية والمجوسية فقد جحد قدرة الله التامة ومشيئته النافذة وخلقه لكل شيء.
ومن ظن أنه إذا أعين على ما يريد ويسر له ذلك كان محمودًا سواء وافق الأمر الشرعي أو خالفه فقد جحد دين الله وكذب بكتبه ورسله ووعده ووعيده واستحق من غضبه وعقابه أعظم مما يستحقه الأول، فإن العبد قد يريد ما يرضاه ويحبه ويأمر به ويقرب إليه، وقد يريد ما يبغضه الله ويكرهه ويسخطه وينهى عنه ويعذب صاحبه، فكل من هذين قد يسر له ذلك كما قال النبي ﷺ: «كل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة وأما من كان من أهل الشقاء فسييسر لعمل
[ ١٠٥ ]