وروى مسلم أيضا عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة».
وروى ابن حبان في صحيحه عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمن أهل الجنة» وهذه الأحاديث تؤيد حديث ابن مسعود ﵁ وتدل على إثبات القدر السابق.
أما قول ابن محمود فيذهب فهمهم إلى أن بعض الناس مكتوب لهم السعادة وهم في بطون أمهاتهم مهما عملوا من عمل وآخرون مكتوب لهم الشقاء مهما عملوا من عمل.
فيقال له: وما تنكر من ذلك وقد أخبر الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه في حديث ابن مسعود المتفق على صحته أن السعادة أو الشقاوة تكتب للإنسان وهو في بطن أمه، فمن كان من أهل السعادة ختم الله له بعمل أهل السعادة ولو عمل قبل ذلك أي عمل من أعمال أهل النار، ومن كان من أهل الشقاوة ختم الله له بعمل أهل الشقاوة ولو عمل قبل ذلك أي عمل من أعمال أهل الجنة.
ولم ينفرد ابن مسعود ﵁ برواية ذلك عن النبي ﷺ بل قد ثبت ذلك في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ.
منها ما في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «وكل الله بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقها قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه».
[ ٧٨ ]
ومنها ما رواه الإمام أحمد ومسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ أو قال رسول الله ﷺ: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة - وقال سفيان مرة: أو خمس وأربعين ليلة - فيقول: يا رب، ماذا أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ﵎ فيكتبان فيقولان: ماذا أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ﷿ فيكتبان فيكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص» هذا لفظ أحمد وإسناده إسناد مسلم، ولفظ مسلم قال: «يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا رب أشقي أم سعيد فيكتبان فيقول: أي رب أذكر أو أنثى فيكتبان ويكب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص».
وفي رواية لمسلم عن عامر بن واثلة ﵁ أنه سمع عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره فأتى رجلا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له حذيفة بن أسيد الغفاري فحدثه بذلك من قول ابن مسعود فقال: وكيف يشقى رجل بغير عمل فقال له الرجل: أتعجب من ذلك؟ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول: يا رب أجله فيقول ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص».
[ ٧٩ ]
وفي رواية لمسلم أيضا عن أبي الطفيل - وهو عامر بن واثلة ﵁ - قال: دخلت على أبي سريحة حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ فقال: سمعت رسول الله ﷺ بأذني هاتين يقول: «إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة، ثم يتصور عليها الملك قال زهير - وهو أبو خيثمة أحد رواته -: حسبته قال الذي يخلقها، فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرا أو أنثى، ثم يقول: يا رب أسوي أو غير سوي؟ فيجعله لله سويا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب ما رزقه ما أجله ما خلقه؟ ثم يجعله الله شقيا أو سعيدا».
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يوما وأربعين ليلة بعث الله إليها ملكا فيقول: يا رب ما أجله فيقال له فيقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيعلم فيقول: شقي أو سعيد فيعلم» قال الهيثمي: فيه خصيف وثقه ابن معين وجماعة وفيه خلاف وبقية رجاله ثقات.
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله أن يخلق نسمة قال ملك الأرحام معرضا: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله أمره ثم يقول: يا رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله أمره ثم يكتب بين عينيه ما هو لاق حتى النكبة ينكبها». وقد ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: عن ابن عمر ﵄ ثم قال: رواه أبو يعلي والبزار ورجال أبي يعلي رجال الصحيح، ورواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
ومنها ما رواه عبد الله بن الإمام أحمد، وأبو بكر الآجري عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال:
[ ٨٠ ]
«إن الله ﷿ حين يريد أن يخلق الخلق يبعث ملكا فيدخل الرحم فيقول: أي رب ماذا؟ فيقول: غلام أو جارية؟ أو ما شاء الله أن يخلق في الرحم فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول: شقي أو سعيد فيقول أي رب ما أجله؟ فيقول: كذا وكذا فيقول: أي رب وما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا فيقول: ما خلقه ما خلائقه؟ فيقول: كذا وكذا فما من شيء إلا وهو يخلق معه في الرحم» ورواه البزار قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
ومنها ما رواه البزار والطبراني في الصغير، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطنها» قال الهيثمي: رجال البزار رجال الصحيح.
ومنها ما رواه أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله ﷿ يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا وخلق فرعون في بطن أمه كافرا» ورواه الطبراني بمثله قال الهيثمي: وإسناده جيد.
ومنها ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم وأبو داود السجستاني، والترمذي عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لأرق أبويه طغيانا وكفرا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
وهذه الأحاديث الصحيحة تؤيد حديث ابن مسعود ﵁ وتدل على أن السعادة أو الشقاوة تكتب للإنسان وهو في بطن أمه. وهذه الكتابة غير الكتابة التي كانت في اللوح المحفوظ قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
[ ٨١ ]