النَّاسِ﴾ والرسل من الملائكة لا يسمون أنبياء وإنما يسمى بذلك الأنبياء من بني آدم والرسل منهم، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن محمود في قوله أنه لا فرق بين الرسول والنبي إلا بمجرد الاسم والمسمى واحد لكان جبريل وغيره من الملائكة يسمون أنبياء، وهذا ظاهر البطلان، وبهذا يتبين الفرق بين الرسول والنبي، وقد تقدم قول الحافظ ابن حجر أنهما متغايران لفظا ومعنى.
وأما الثاني وهو قوله في صفحة (٣) أن ابن كثير هو أسبق من تكلم بالتفريق بين الرسول والنبي.
فجوابه: أن يقال: إن أول من تكلم بالتفريق بين الرسول والنبي هو الله ﵎ في قوله جل ذكره: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية.
وأول من تكلم بذلك من هذه الأمة رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها، ومن أصرحها رواية محمد بن أبي عمر التي ذكرها الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية) وفيها أن أبا ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله كم كان الأنبياء؟ قال: «كانوا مائة ألف وأربعة وعشرين ألف» قلت: يا رسول الله وكلهم كانوا رسلا؟ قال: (لا، كان الرسل منهم خمسة عشر وثلاثمائة رجل).
وتقدم أيضا ما ذكرنا من تفسير ابن عباس ومجاهد أنهما فرقا بين الرسول والنبي، وقال ابن قتيبة في كتاب (المعارف) ذكر وهب عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كانت الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، الرسل منهم ثلاثمائة نبي وخمسة عشر نبيا).
[ ١٣٤ ]
وتقدم أيضا ما ذكره الرازي عن الكلبي والفراء أنهما فرقا بين الرسول والنبي، وذكره الواحدي أيضا عن الفراء.
وتقدم أيضا عن ابن جرير والثعلبي والواحدي والبغوي والزمخشري والرازي والقرطبي والنسفي وابن جزي الكلبي أنهم فرقوا بين الرسول والنبي، وهؤلاء المفسرون كلهم كانوا قبل ابن كثير سوى ابن جزي فقد كان معاصرا لابن كثير ومات قبله.
وتقدم أيضا ما ذكره القرطبي عن المهدوي والقاضي عياض أنهما فرقا بين الرسول والنبي، وتقدم عن الخطابي والنووي مثل ذلك.
وممن فرق بين الرسول والنبي من المتقدمين مسلم بن الحجاج وعبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري وأبو عبد الله الحاكم وأبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي وأبو محمد بن حزم وأبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي والقاضي عياض والخطيب البغدادي.
فأما مسلم فقال في مقدمة صحيحه ما نصه: (وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين).
وأما عبد الله بن مسلم بن قتيبة فقال في كتاب (المعارف) ما نصه: (عدد الأنبياء والرسل منهم صلى الله عليهم) ثم ذكر ما تقدم قريبا عن ابن عباس في عدد الأنبياء والرسل.
وأما الحاكم فقال في مستدركه ما نصه: (كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء والمرسلين).
[ ١٣٥ ]
أما أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي فقال في كتابه (أصول الدين): كل رسول لله ﷿ نبي وليس كل نبي رسولا له.
وأما ابن حزم فقال في أول المحلى ما نصه: (مسألة، وبعد هذا فإن أفضل الإنس والجن الرسل ثم الأنبياء ثم أصحاب رسول الله ﷺ وهذا لا خلاف فيه).
وقال أيضا: (مسألة، والنبوة هي الوحي من الله تعالى بأن يعلم الموحى إليه بأمر ما يعلمه لم يكن يعلمه قبل، والرسالة هي النبوة وزيادة وهي بعثته إلى خلق ما بأمر ما، هذا ما لا خلاف فيه. انتهى.
وأما أبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي فقال في كتابه (أصول الدين): الرسول لا يكون إلا نبيا والنبي قد لا يكون رسولا - إلى أن قال - ويبقى الرسول بعد موته رسولا وكذلك النبي بعد موته نبيا لأن الرسول بالرسالة صار شريفا مكرما عند الله تعالى وكذا النبي إلا أنه دونه، وكذا المؤمن إلا أنه دونهما، وذلك الشرف يبقى لهم بعد الموت. انتهى.
وأما القاضي عياض فقال في كتاب (الشفا) ما نصه: (والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا). انتهى.
وأما الخطيب البغدادي فقال في كتابه (الكفاية في علم الرواية): وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة معا. انتهى.
وممن فرق بين الرسول والنبي أيضا شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية والعلامة ابن القيم رحمهما الله تعالى، فأما
[ ١٣٦ ]
شيخ الإسلام فقال في كتاب الإيمان بعد أن ذكر أن الإحسان يدخل فيه الإيمان وأن الإيمان يدخل فيه الإسلام، قال: وهذا كما يقال في الرسالة والنبوة فالنبوة داخلة في الرسالة والرسالة أعم من جهة نفسها وأخص من جهة أهلها فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، فالأنبياء أعم، والنبوة نفسها جزء من الرسالة فالرسالة تتناول النبوة وغيرها بخلاف النبوة فإنها لا تتناول الرسالة. انتهى.
وقال الشيخ أيضا في جواب له بعد ذكره عصمة الأنبياء ما نصه: وهذه العصمة الثابتة للأنبياء هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة فإن النبي هو المنبأ عن الله، والرسول هو الذي أرسله الله تعالى، وكل رسول نبي وليس كل نبي رسولا، والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.
وقال الشيخ أيضا في جواب آخر ما نصه: فإن الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيها يخبرون به عن الله ﷿ فلا يكون خبرهم إلا حقا وهذا معنى النبوة وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب. والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه، ولهذا كان كل رسول نبيا وليس كل نبي رسولا وإن كان قد يوصف بالإرسال المقيد في مثل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وقال الشيخ أيضا وذكر حديث بدء الوحي وفيه ذكر نزول سورة (اقرأ) ثم قال: وهذه السورة أول ما أنزل الله عليه وبها صار نبيا ثم أنزل عليه سورة المدثر وبها صار رسولا لقوله: (قُمْ فَأَنذِرْ).
[ ١٣٧ ]
وقال الشيخ أيضا في تفسير سورة (اقرأ): إن ما في حديث عائشة ﵂ الذي في الصحيحين يبين أن أول ما نزل ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ نزلت عليه وهو في غار حراء وأن (المدثر) نزلت بعد، وهذا هو الذي ينبغي فإن قوله: (اقرأ) أمر بالقراءة لا بتبليغ الرسالة وبذلك صار نبيا، وقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أمر بالإنذار وبذلك صار رسولا منذرا.
وقال الشيخ أيضا: فسورة (اقرأ) هي أول ما نزل من القرآن ولهذا لما أمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها المدثر لأجل التبليغ فقيل له ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فبالأولى صار نبيا وبالثانية صار رسولا. انتهى.
وكلامه رحمه الله تعالى في التفريق بين الرسول والنبي كثير جدا وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.
وأما ابن القيم رحمه الله تعالى فقال في كتابه (زاد المعاد): وكذلك اختياره سبحانه الأنبياء من ولد آدم عليه وعليهم الصلاة والسلام وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألف واختياره سبحانه الرسل منهم وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على ما في حديث أبي ذر الذي رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، واختياره أولي العزم منهم وهم الخمسة المذكورون في سورة الأحزاب والشورى في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ واختار منهم الخليلين إبراهيم ومحمدا ﷺ. انتهى.
وقال ابن القيم أيضا في كتابه (طريق الهجرتين) ما ملخصه: مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها وهم
[ ١٣٨ ]
ثمان عشرة مرتبة، الطبقة الأولى وهي العليا على الإطلاق مرتبة الرسالة وأعلاهم منزلة أولو العزم منهم وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ وهؤلاء هم الطبقة العليا من الخلائق.
الطبقة الثانية من عداهم من الرسل على مراتبهم من تفضيل بعضهم على بعض، الطبقة الثالثة الذين لم يرسلوا إلى أممهم وإنما كانت لهم النبوة دون الرسالة فاختصوا عن الأمة بإيحاء الله إليهم وإرساله ملائكته إليهم، واختصت الرسل عنهم بإرسالهم إلى الأمة يدعونهم إلى الله بشريعته وأمره واشتركوا في الوحي ونزول الملائكة عليهم انتهى المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.
وممن فرق بين الرسول والنبي من أهل اللغة ابن الأثير وابن منظور في لسان العرب ومرتضى الحسيني في تاج العروس، فأما ابن الأثير فقال في النهاية ما نصه: ومن الأول حديث البراء قلت: ورسولك الذي أرسلت فرد عليَّ وقال ونبيك الذي أرسلت، إنما رد عليه ليختلف اللفظان ويجمع له الثنائين معنى النبوة والرسالة ويكون تعديدًا للنعمة في الحالين وتعظيما للمنة على الوجهين، والرسول أخص من النبي لأن كل رسول نبي وليس كل نبي رسول. انتهى.
وأما ابن منظور وصاحب تاج العروس فذكرا كلام ابن الأثير وأقراه.
[ ١٣٩ ]