وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ﴾ فعطف بالنبي على الرسول بالواو المفيدة للمغايرة فكأن النبي غير الرسول، ثم أجاب بأن هذا يقع كثيرا في القرآن والسنة يعطف بالشيء على الشيء ويراد بالتالي نفس الأول كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ فغاير بينهما بحرف العطف ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون والمؤمنين هم المسلمون فلا يقال فلان مسلم وليس بمؤمن ولا أنه مؤمن وليس بمسلم وإنما هو تنوع اسم والمسمى واحد، نظيره قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فعطف بجبريل وميكال على الملائكة وهما منهم، والنبي ﷺ قال: «فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله»، مثله قول أحدنا: «لا حول ولا قوة إلا بالله» وغير ذلك من الألفاظ التي يعطف بعضها على بعض ويراد بالتالي نفس الأول.
فالجواب عنه من وجوه: أحدها أن يقال: إن كلام ابن محمود ينقض بعضه بعضا لأنه قرر أن الله تعالى عطف بالنبي على الرسول بالواو المفيدة للمغايرة وأنه تعالى غاير بين المسلمين والمؤمنين بحرف العطف، ثم نقض ذلك بقوله أنه يقع كثيرا في القرآن والسنة يعطف بالشيء على الشيء ويراد بالتالي نفس الأول، وبقوله أيضا ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون إلى آخر كلامه.
الوجه الثاني: أن يقال: إن وقوع المغايرة بين الشيئين لابد أن يكون من أجل فارق بينهما، ومن زعم أنه لا فرق بين الرسول والنبي ولا بين المسلم والمؤمن فقد أبطل فائدة المغايرة.
الوجه الثالث: أن الفرق بين الرسول والنبي ثابت بالأدلة الصريحة من الكتاب والسنة وقد تقدم بيان ذلك، وتقدم
[ ١٦١ ]
أيضا قول ابن عباس ﵄ ومجاهد وغيرهما من أكابر العلماء في ذلك، وتقدم أيضا ما ذكره أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي عن أصحاب التواريخ من المسلمين أنهم أجمعوا على أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا وأن عدد الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، وتقدم أيضا قول ابن حزم في التفريق بين الرسول والنبي أنه لا خلاف فيه فليراجع كل ما تقدم ذكره ففيه أبلغ رد على من أبطل فائدة المغايرة بين الرسول والنبي.
الوجه الرابع: أن النبي ﷺ فرق بين الإسلام والإيمان حين سأله جبريل عنهما وصدقه جبريل على ذلك، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة، منها حديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه قال فاخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال صدقت. الحديث وفي آخره ثم قال لي: «يا عمر أتدري من السائل» قلت: الله ورسوله أعلم قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة ببعض
[ ١٦٢ ]
الأسانيد التي ساقها مسلم في صحيحه ولم يسق لفظها وفيه أن جبريل قال للنبي ﷺ ما الإسلام قال: «الإسلام أن تسلم وجهك لله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت» قال فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال: «نعم» قال: صدقت قال: فقلنا انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه، قال: وقال: يا رسول الله ما الإحسان قال: «تخشى الله كأنك تراه أو تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك» قال: صدقت، قال: قلنا: انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه، قال: فقال: يا رسول الله ما الإيمان قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسوله وبالموت وبالبعث وبالجنة وبالنار وبالقدر كله» قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت قال: «نعم» قال: صدقت قال: قلنا انظروا كيف يسأله وكيف يصدقه.
ورواه ابن حبان في صحيحه وقال فيه: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وأن تتم الوضوء وتصوم رمضان» قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم قال: «نعم» قال: صدقت قال: يا محمد ما الإيمان قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره» قال: فإذا فعلت ذلك فأنا مؤمن قال: «نعم» قال: صدقت، ورواه الدارقطني في سننه بنحو رواية ابن حبان وقال: إسناده ثابت صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ بنحو حديث عمر ﵁ رواه البخاري ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي.
ومنها حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄ بنحو حديث عمر ﵁ وفيه أن جبريل قال: يا محمد أخبرني
[ ١٦٣ ]
ما الإسلام قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان» قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت قال: «نعم» قال: صدقت، قال: يا محمد أخبرني ما الإيمان قال: «الإيمان بالله وملائكته والكتاب والنبيين وتؤمن بالقدر» قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت، قال رسول الله ﷺ: «نعم» قال: صدقت. رواه النسائي.
ومنها حديث ابن عمر ﵄ بنحو حديث أبي هريرة وأبي ذر ﵄ رواه الإمام أحمد وأبو داود والآجري في كتاب الشريعة.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من زعم أن مسمى الإسلام والإيمان واحد، قال النووي رحمه الله تعالى في شرح الأربعين له بعد أن ذكر حديث عمر ﵁ الذي تقدم: وقد غاير الله تعالى بين الإيمان والإسلام كما في الحديث قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.
وقال النووي في شرح مسلم عن أبي عمرو بن الصلاح أنه قال: إن الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان وإن كل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا، قال وهذا تحقيق وافر بالتوفيق بين متفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غلط فيها الخائضون، وما حققناه من ذلك موافق لجماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم. انتهى.
الوجه الخامس: أن يقال: ما صرح به ابن محمود في الإسلام والإيمان أنهما واحد هو قول الخوارج والمعتزلة ومن تبعهم وهو قول مخالف لظاهر القرآن وللأحاديث الصحيحة ولما عليه جمهور أهل السنة والجماعة كما سيأتي بيان ذلك في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن رجب، وهذه المسألة قد
[ ١٦٤ ]