للأولاد، ويحتمل أن يكون المراد أنه رسول أرسل إلى نبيه وغيرهم من الأمم الذين أرسل إليهم مع تفرقهم في عدة بلاد، وآدم إنما أرسل إلى بنيه فقط وكانوا مجتمعين في بلدة واحدة.
وقال الحافظ أيضا في شرح (باب صفة الجنة والنار) من كتاب الرقاق ما ملخصه، وقد استشكلت هذه الأولية بأن آدم نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وهم قبل نوح، ومحصل الأجوبة عن الإشكال المذكور أن الأولية مقيدة بقوله: (أهل الأرض) لأن آدم ومن ذكر معه لم يرسلوا إلى أهل الأرض، ومن الأجوبة أن رسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد. انتهى.
ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض ما ملخصه أن آدم وشيث رسالتهما إلى من معهما وأن آدم إنما أرسل لبنيه ولم يكونوا كفارا، بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة الله تعالى، وكذلك خلفه شيث بعده فهم بخلاف رسالة نوح إلى كفار أهل الأرض. انتهى.
وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية المنقول من كتاب النبوات نحو ذلك.
وأما الثاني عشر وهو زعمه أن من فرق بين الرسول والنبي فقد فرق بين الأنبياء في الإيمان، قال في صفحة (٩) ما نصه:
ويجب تنزيه الأنبياء عن هذا الاعتقاد الذي هو تفريق بينهم - إلى أن قال - ولا شك أن وصف أحدهم بأنه نبي وليس برسول لكونه أوحى إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه وبعضهم نبي رسول أن هذا هو حقيقة التفريق بينهم إذ فيه إزالة
[ ١٥٧ ]
وصف الرسالة التي هي أعلا المراتب عن بعضهم لأنه وإن فسر هذا التفريق بالإيمان ببعضهم والكفر ببعض فإن الخطاب محتمل لهذا وذاك إذ كلا الأمرين تفريق بينهم والقرآن يوجب على المؤمنين أن يؤمنوا بجميع الأنبياء بدون تفريق.
فجوابه: من وجوه أحدها أن يقال: إن القول بوجوب تنزيه الأنبياء عن التفريق بين الرسول منهم والنبي قول أحدثه ابن محمود لم يسبقه إليه أحد ولا قال أحد قبله أن التفريق بين الرسول والنبي من الإيمان ببعض الأنبياء والكفر ببعضهم.
وقد قيل:
وكل خير في اتباع من سلف
وكل شر في ابتداع من خلف
الوجه الثاني: أن يقال: إن الله تعالى قد فرق بين الرسول والنبي في كتابه وفرق بينهما رسول الله ﷺ في عدة أحاديث تقدم ذكرها، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن التفريق بين الرسول والنبي لا يجوز وإنه يجب تنزيه الأنبياء عنه.
الوجه الثالث: إذا علم أن النبي ﷺ قد فرق بين الرسول والنبي فهل يقول ابن محمود: إن النبي ﷺ قد فرق بين الأنبياء وأنه قال قولا يجب تنزيه الأنبياء عنه، أم ماذا يجيب به عن قوله الذي لم يتثبت فيه؟
الوجه الرابع: قد ذكرت فيما تقدم قول ابن عباس ﵄ ومجاهد في التفريق بين الرسول والنبي وذكرت أيضا أقوال كثير من المفسرين وغيرهم من أكابر العلماء في ذلك وهم الذين كانوا في أول القرن الثامن فما قبله، وتركت ما قاله كثير من المتأخرين في ذلك فلم أذكره وهم الذين كانوا في آخر
[ ١٥٨ ]
القرن الثامن فما بعده، وكل من ذكرت أقوالهم فيما تقدم ومن أشرت إليهم هاهنا ولم أذكر أقوالهم يكونون على زعم ابن محمود قد قالوا قولا يجب تنزيه الأنبياء عنه وفرقوا بين الأنبياء فآمنوا ببعضهم ولم يؤمنوا ببعضهم، ولا يخفى ما في هذا القول المحدث من المجازفة السيئة والتحامل الذميم، ولا شك أنهم هم المصيبون في تفريقهم بين الرسول والنبي وأن الخطأ لازم لمن شذ عنهم وخالف قولهم كالمعتزلة ومن نحا نحوهم وقال بقولهم الباطل في المنع من التفريق بين الرسول والنبي.
الوجه الخامس: إننا ننزه ابن عباس ﵄ ومجاهدا وجميع الذين صرحوا بالتفريق بين الرسول والنبي مما زعمه ابن محمود من كونهم فرقوا بين الأنبياء في الإيمان وأنهم قالوا قولا يجب تنزيه الأنبياء عنه.
الوجه السادس: أن يقال: ليس التفريق بين الرسول والنبي من التفريق الذي يجب تنزيه الأنبياء عنه وإنما هو من التفضيل الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ففضل بعض الأنبياء بالرسالة كما فضل بعض الرسل على بعض ففضل أولي العزم على سائر الرسل فضل إبراهيم ومحمدا ﷺ على الجميع بالخلة، وفضل آدم بأن خلقه بيديه ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وفضل موسى ﵊ بالتكليم، فضل عيسى ﵊ بأنواع من التفضيل، ولم يقل أحد أن تفضيل بعض الرسل على بعض من التفريق بينهم فكذلك يقال في تفضيل بعض الأنبياء على بعض بالرسالة.
قال القاضي عياض في كتابه (الشفا) بعد أن ذكر الأحاديث الواردة في النهي عن التفضيل بين الأنبياء وذكر أقوال العلماء في تأويلها - إلى أن قال - الوجه الرابع منع
[ ١٥٩ ]
التفضيل في حق النبوة والرسالة فإن الأنبياء فيها على حد واحد إذ هي شيء واحد لا يتفاضل وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب والألطاف، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل ومنهم أولو عزم من الرسل ومنهم من رفع مكانا عليا ومنهم من أوتي الحكم صبيا وأوتي بعضهم الزبور وبعضهم البينات ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية، قال بعض أهل العلم: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا وذلك بثلاثة أحوال أن تكون آيته ومعجزاته أبهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه. انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ لا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء وأن أولي العزم منهم أفضل وهم الخمسة المذكورون نصا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وفي الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ولا خلاف أن محمدا ﷺ أفضلهم ثم بعده إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ﵈ على المشهور. انتهى.
وأما الثالث عشر وهو قوله في صفحة (٨) ما نصه:-
فإن قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ
[ ١٦٠ ]