وأما عموم الملائكة والرياح والجن فإن إرسالها لتفعل فعلا لا لتبلغ رسالة قال تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فرسل الله الذين يبلغون عن الله أمره ونهيه هي رسل الله عند الإطلاق، وأما من أرسله الله ليفعل فعلا بمشيئته وقدرته فهذا عام يتناول كل الخلق كما أنهم كلهم يفعلون بمشيئته وإذنه المتضمن لمشيئته، لكن أهل الإيمان يفعلون بأمره ما يحبه ويرضاه ويعبدونه وحده ويطيعون رسله، والشياطين يفعلون بأهوائهم وهم عاصون لأمره متبعون لما يسخطه وإن كانوا يفعلون بمشيئته وقدرته انتهى المقصود من كلامه ﵀.
وأما الرابع: وهو زعمه في صفحه (٥) أن التفريق بين الرسول والنبي ليس معروفا عند الصحابة والتابعين ولا السلف السابقين.
فجوابه: أن يقال: قد تقدم ذكر التفريق بين الرسول والنبي في تفسير ابن عباس ومجاهد والكلبي والفراء وابن جرير وغيرهم من أكابر العلماء المتقدمين فليراجع ذلك ففيه كفاية في الرد على ابن محمود، وتقدم أيضا قول ابن حزم في التفريق بين الرسول والنبي أنه لا خلاف فيه، وفي هذا أيضا رد على ابن محمود.
وأما الخامس: وهو قدحه في الصحابي الجليل أبي ذر ﵁ ورميه بسوء الحفظ وذلك في صفحة (٥) حيث قال مشيرا إلى حديث أبي ذر ﵁ «وهو حديث طويل جدا لا يتحمل أبو ذر حفظه مع طوله».
فجوابه: أن يقال: يا لها من كلمة ما أسوأها وأبشعها ..
[ ١٤٣ ]
ولا أعلم أحدا رمي أبا ذر ﵁ بسوء الحفظ قبل ابن محمود، وقد قال النبي ﷺ: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن، قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وأبي ذر ﵄.
وروى الترمذي أيضا وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم ﵇» فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله: أفنعرف ذلك له؟ قال: «نعم فاعرفوه له» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه.
وعن أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر» رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني والحاكم في مستدركه قال الهيثمي: وفيه علي بن زيد وقد وثق وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات، ورواه الحاكم أيضا ولم يتكلم عليه وقال الذهبي: سنده جيد.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: قال أبو إسحاق السبيعي عن هانئ بن هانئ عن علي ﵁ أنه قال: «أبو ذر وعاء ملئ علما ثم أوكئ عليه» أخرجه أبو داود بسند جيد، قال الحافظ: وكان يوازي ابن مسعود في العلم. انتهى.
[ ١٤٤ ]