وقد ترجم له الحافظ الذهبي في تذكرة الحافظ وقال: كان رأسا في العلم والزهد والجهاد وصدق اللهجة والإخلاص وكان يوازي ابن مسعود في العلم، ومناقبه شهيرة، منها قول المصطفى ﷺ: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر». انتهى.
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: كان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق. انتهى.
وفيما ذكرته من الأحاديث وأقوال الأئمة الحفاظ أبلغ رد على من رمى أبا ذر بسوء الحفظ.
وقد روى الإمام أحمد في مسنده نحو مائتين وسبعين حديثا لأبي ذر ﵁، وروى له أهل الصحاح والسنن والمسانيد أحاديث كثيرة مما رواه الإمام أحمد ومما لم يروه، ومن كان يحفظ هذا العدد الكثير من الأحاديث كيف يقال: إنه لا يتحمل حفظ الحديث الطويل الذي فيه عدد الأنبياء والمرسلين، إنها لجراءة على صحابي جليل قد عده أهل المعرفة بمراتب العلماء في أعلى طبقات الحفاظ وقالوا: إنه كان يوازي ابن مسعود في العلم.
وأما السادس: وهو قوله في صفحة (٦):إن حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا مخالف لصريح القرآن فإن الله يقول: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾.
فجوابه: أن يقال: ليس في حصر الأنبياء في مائة ألف وأربعة وعشرين ألفًا ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه، فأما قوله تعالى في سورة النساء ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ وقوله في سورة المؤمنين:
[ ١٤٥ ]
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ فليس المراد بالقصص ذكر عددهم كما قد توهم ذلك ابن محمود وإنما المراد بالقصص ذكر أخبارهم وما جرى لهم مع قومهم، قال ابن كثير في تفسير سورة المؤمنين: أي منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة. انتهى.
والقصص رواية الأخبار نص على ذلك أهل اللغة، قال الجوهري في الصحاح: القصة الأمر والحديث وقد اقتصصت الحديث رويته على وجهه وقد قص عليه الخبر قصصا، والاسم أيضا القصص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب. انتهى.
وقال ابن الأثير في النهاية: القص البيان والقصص بالفتح الاسم وبالكسر جمع قصة والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. انتهى.
وقال ابن منظور في لسان العرب: والقصة الخبر وهو القصص وقص عليّ خبره يقصه قصا وقصصا أورده، والقصص الخبر المقصوص بالفتح وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه، والقصص بكسر القاف جمع القصة التي تكتب، وتقصص الخبر تتبعه، والقصة الأمر والحديث، واقتصصت الحديث رويته على وجهه، وقص عليه الخبر قصصا، وفي حديث الرؤيا لا تقصها إلا على واد، يقال: قصصت الرؤيا على فلان إذا أخبرته بها أقصها قصا، والقص البيان والقصص بالفتح الاسم، والقاص الذي يأتي بالقصة على وجهها كأنه يتتبع معانيها وألفاظها. انتهى.
[ ١٤٦ ]
وقال الراغب الأصفهاني: القصص الأخبار المتتبعة، قال: ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، ﴿فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾. انتهى.
وقد ذكر الله تعالى في سورة آل عمران قصة زكريا وقصة مريم وقصة عيسى مع قومه ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ وقال تعالى في أول سورة الأعراف: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ ثم ذكر في السورة قصة آدم ثم قصة نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مع قومهم وقصة موسى مع فرعون وقصته لما جاء لميقات ربه وقصته لما اختار سبعين رجلا لميقات ربه وقصة أصحاب السبت وقصة الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى في سورة هود بعد ما ذكر قصة نوح وهود وصالح مع قومهم وقصة إبراهيم مع الملائكة وقصة لوط وشعيب مع قومهما وقصة موسى مع فرعون ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ وقال في آخر السورة: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ وقال تعالى في أول سورة يوسف: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ ثم ذكر ما جرى ليوسف مع أبيه لما قص عليه الرؤيا وقصته مع إخوته في أول الأمر وقصته مع العزيز وامرأته وقصته مع الفتيين وقصته مع رسول الملك وقصته مع الملك وقصته مع إخوته في آخر الأمر وقصته حين اجتمع بأبويه وإخوته ثم قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الآيات إلى قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ الآية.
[ ١٤٧ ]