الخطأ الثاني: قوله: إن ابن حجر ألحق به إشكالات كثيرة في فتح الباري، وليس الأمر كما زعمه ابن محمود فان الحافظ ابن حجر لم يلحق به إشكالات من قبل نفسه ولا عن أحد من أهل السنة، وإنما ذكر الإشكالات عن القدرية فهم سلف من استشكل هذا الحديث الصحيح.
قال في فتح الباري صفحة ٤١١ ج ١١ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥ هـ ما نصه:
وقد أنكر القدرية الحديث لأنه صريح في إثبات القدر السابق وتقرير النبي ﷺ لآدم على الاحتجاج به وشهادته بأنه غلب موسى، فقالوا: لا يصح لأن موسى لا يلوم على أمر قد تاب منه صاحبه وقد قتل هو نفسا لم يؤمر بقتلها، ثم قال: رب اغفر لي فغفر له، فكيف يلوم آدم على أمر قد غفر له. ثانيها لو ساغ اللوم على الذنب بالقدر الذي فرغ من كتابته على العبد لكان من عوتب على معصية قد ارتكبها فيحتج بالقدر السابق، ولو ساغ ذلك لانسد باب القصاص والحدود ولاحتج به كل أحد على ما يرتكبه من الفواحش، وهذا يفضي إلى لوازم فظيعة فدل ذلك على أن هذا الحديث لا أصل له، ثم ذكر الحافظ الجواب عن قول القدرية من أوجه فليراجع ذلك في صفحة ٤١١ ج ١١ وما بعدها.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد اختلفت مسالك الناس في هذا الحديث فرده قوم من القدرية لما تضمن من إثبات القدر السابق، واحتج به قوم من الجبرية وهو ظاهر لهم بادئ الرأي حيث قال: فحج آدم موسى لما احتج عليه بتقدم كتابه - ثم ذكر قول من قال من العلماء: إن جواب آدم إنما كان احتجاجا بالقدر على المصيبة لا المعصية.
[ ٧٠ ]
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (شفاء العليل): وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك، وقال: لو صح لطلت نبوات الأنبياء، فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه.
وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته، فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته، فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن، ولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة - ثم ذكر أمثلة مما رده أهل البدع من الأحاديث الصحيحة إلى أن قال: إذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه، وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته، بل إنما لام موسى آدم على المصيبة التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم، فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة والمحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له: أخرجتنا ونفسك من الجنة. وفي لفظ خيبتنا، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال: إن هذه المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي. والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب، أي أتلومني على المصيبة
[ ٧١ ]
قدرت عليَّ وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة، هذا جواب شيخنا ﵀ - يعني شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية.
قال ابن القيم: وقد يتوجه جواب آخر وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب بنفع في موضع ويضر لي موضع فينفع إذا احتج بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم، فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع؛ لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة.
يوضحه أن آدم قال لموسى: أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا على قبل أن أخلق، فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك، ويقول هذا أمر كان قد قدر على قبل أن أخلق، فانه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به. وأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا﴾ وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده، فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال: كان ما كان بقدر الله.
ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو من أحسن الأجوبة عن احتجاج آدم بالقدر.
[ ٧٢ ]
الخطأ الثالث: قوله عن الإشكالات التي نسبها إلى الحافظ ابن حجر أن أهمها أنه - أي حديث أبي هريرة ﵁ - مخالف لنص القرآن في قصة آدم في قوله: ﴿وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ وفي قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾.
والجواب: أن يقال أولا ليس هذا الكلام في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ ابن حجر.
ويقال ثانيا ليس في الحديث ما يخالف القرآن بوجه من الوجوه وإنما هو موافق للقرآن لما فيه من إثبات القدر السابق، وقد تقدم قول ابن عبد البر أنه أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وقول الحافظ ابن حجر أنه صريح في إثبات القدر السابق وقول ابن كثير أنه قد تضمن إثبات القدر السابق.
الخطأ الرابع: قوله: إنه يقوي مذهب الجبر المخالف للكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسلف الأمة.
وجوابه: أن يقال: أولا ليس هذا الكلام بهذه العبارة في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ بن حجر.
ويقال: ثانيا: إن ابن حجر لم يقل إن هذا الحديث يقوي مذهب الجبر وإنما نقل عن ابن عبد البر أنه قال: ليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعدهم، وقال ابن حجر أيضا في آخر الكلام على حديث أبي هريرة ﵁: لما كان المراد به الرد على القدرية الذين ينكرون سبق القدر اكتفى به معرضا عما يوهمه ظاهره من تقوية مذهب الجبر لما تقرر من دفعه في مكانه.
الخطأ الخامس: قوله: ثم هذا اللقاء هل هو بالأرواح في الدنيا أم هو يوم القيامة حين يبعث الناس من قبورهم وتسقط عنهم التكاليف الشرعية.
[ ٧٣ ]
وجوابه: أن يقال: أولا: ليس هذا الكلام بهذه العبارة في فتح الباري فلا تصح نسبته إلى الحافظ ابن حجر.
ويقال: ثانيا: إن ابن حجر ذكر اختلاف العلماء في وقت احتجاج آدم وموسى وذكر فيها احتمالات لبعض العلماء لا دليل على شيء منها، وأقربها ما جزم به ابن عبد البر والقابسي أنهما التقيا في البرزخ بعد وفاة موسى، ويؤيد ذلك قوله في إحدى روايات مسلم: «احتج آدم وموسى عند ربهما» وقد ترجم البخاري على ذلك في كتاب القدر فقال: (باب، تحاج آدم وموسى عند الله).
وأحسن ما يسلك في ذلك إمرار الحديث كما جاء مع الإيمان به، ولو كان في تعيين وقت التقائهما فائدة تعود على المكلفين لبين ذلك النبي ﷺ لأمته.
وأيضا فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم وأئمة العلم والهدى من بعدهم ممن روي حديث احتجاج آدم وموسى أنهم تعرضوا لذكر الاحتمالات في وقت التقاء آدم وموسى، ولو كان في ذلك فائدة دينية لكانوا إليها أسبق وعليها أحرص.
وقد قال ابن الجوزي فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: وهذا مما يجب الإيمان به لثبوته عن خبر الصادق وإن لم يطلع على كيفية الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به وإن لم نقف على حقيقة معناه كعذاب القبر ونعيمه ومتى ضاقت الحيل في كشف المشكلات لم يبق إلا التسليم، وقال ابن عبد البر: مثل هذا عندي يجب فيه التسليم ولا يوقف فيه على التحقيق لأنا لم نؤت من جنس هذا العلم إلا قليلا انتهى صفحة ٤٠٧ و٤٠٨ ج ١١.
[ ٧٤ ]