تكلم فيها شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وغيره من أكابر العلماء بما فيه كفاية في بيان الحق ورد الباطل، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتاب الإيمان الكبير، قد فرق النبي ﷺ في حديث جبريل ﵇ بين مسمى الإسلام ومسمى الإيمان ومسمى الإحسان فقال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» وقال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره».
والفرق مذكور في حديث عمر الذي انفرد به مسلم وفي حديث أبي هريرة الذي اتفق البخاري ومسلم عليه، وكلاهما فيه أن جبرائيل جاءه في صورة إنسان أعرابي فسأله، وكذلك فسر الإسلام في حديث ابن عمر المشهور قال: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان»، وحديث جبرائيل يبين أن الإسلام المبني على خمس هو الإسلام نفسه ليس المبني غير المبني عليه، بل جعل النبي ﷺ ثلاث درجات أعلاها الإحسان وأوسطها الإيمان ويليه الإسلام، فكل محسن مؤمن وكل مؤمن مسلم وليس كل مؤمن محسنا ولا كل مسلم مؤمنا - إلى أن قال - وفي المسند عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» وقال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب» فمن صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس، فعلم أن القلب إذا صلح بالإيمان صلح الجسد بالإسلام وهو من الإيمان، يدل على ذلك أنه قال في
[ ١٦٥ ]
حديث جبرائيل: «هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم» فجعل الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان، فتبين أن ديننا يجمع الثلاثة؛ لكن هو درجات ثلاثة مسلم ثم مؤمن ثم محسن.
كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والمقتصد والسابق كلاهما يدخل الجنة بلا عقوبة بخلاف الظالم لنفسه، وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن فإنه معرض للوعيد، وأما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإيمان، والإيمان أعم من جهة نفسه وأخص من جهة أصحابه من الإسلام، فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام، والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين - إلى أن قال - فلما ذكر الإيمان مع الإسلام جعل الإسلام هو الأعمال الظاهرة؛ الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج وجعل الإيمان ما في القلب من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهكذا في الحديث الذي رواه أحمد عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: «الإسلام علانية والإيمان في القلب».
وإذا ذكر اسم الإيمان مجردا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة - إلى أن قال في أثناء الكتاب - وقد أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان في قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص قال أعطى النبي ﷺ عليه وسلم رهطا وترك فيهم من لم يعطه وهو أعجبهم إلي فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله أني لأراه مؤمنا فقال رسول الله ﷺ: «أو مسلما» أقولها ثلاثا ويرددها علي رسول الله ﷺ ثلاثا، ثم
[ ١٦٦ ]