رئيس مجلس القضاء الأعلى
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه. وبعد:
فقد قرأ عليَّ فضيلة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري مؤلفه القيم الذي سماه (فتح المعبود في الرد على ابن محمود).
أجاد فيه وأفاد وأوضح فيه مذهب أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر وما عليه المحققون من الفرق بين الإيمان والإسلام وبين النبي والرسول بالبراهين الواضحة، وبين غلط الشيخ ابن محمود في القضاء والقدر حيث زعم ابن محمود أن الكتابة في قوله ﷺ: إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض، هي عبارة عن العلم القائم بذات الله وهو معنى قول أحدنا قدر الله وما شاء فعل وهذا خطأ بين فإن كتابة الشيء غير سابق علم الله فقد جاءت الأحاديث الكثيرة بأن أول ما خلق الله القلم ف له: أكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. ولم يقل أحد من أهل السنة فيما علمت أن كتابة المقادير هي العلم القائم بذاته ﷾، فعلى هذا لا معنى لقوله ﷺ: «إن الله كتب مقادير الخلائق
[ ٥ ]
قبل أن يخلق السموات والأرض » الحديث لكونه فسر الكتابة بسابق علم الله، ولا يخفى فساد هذا.
قال ابن القيم ما معناه مراتب القضاء والقدر أربع مراتب:
الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها.
الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السموات والأرض.
الثالثة: مشيئة المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن كما لا خروج له عن علمه.
الرابعة: خلقه لها، وإيجاده وتكوينه؛ فالله خالق كل شيء وما سواه مخلوق.
ثانيا: زعم ابن محمود أن القدر هو خلقه للأشياء بنظام واتقان ثابت لا يتغير بتغير الزمان كل شيء بحسبه، وهذا مخالف لما في الأحاديث الصحيحة.
فتقدير الله للأشياء هو علمه بمقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلا هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين الذين دلت عليه البراهين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب أهل السنة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب والسنة، وما عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيء إلا بمشيئته وقدرته لا يمتنع
[ ٦ ]
عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكون لو كان كيف يكون، فقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء وقدرته على كل شيء ومشيئته لكل ما كان وعلمه بالأشياء قبل أن تكون وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن تكون.
ولابن محمود عدة أخطاء في رسالته المردود عليها التي سماها الإيمان بالقضاء والقدر على طريقة أهل السنة والأثر كما أشار إلى ذلك الشيخ حمود جزاه الله خيرا، وبارك فيه وفي علومه.
والذي نحبه لأخينا الشيخ ابن محمود أن تكون كتاباته معالجة لمشاكل العصر. والرد على فرق الضلال المنتشرة في كل مكان؛ كالماسونية والبهائية والشيوعية وأمثالها.
وتحذير المسلمين من هذه الموجة الإلحادية التي طار شررها، وعظم خطرها دون الكتابة في الفرق بين النبي والرسول وأمثال ذلك.
نسأل الله للجميع الهداية والتوفيق.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه، وسلم ..
رئيس مجلس القضاء الأعلى
عبد الله بن محمد بن حميد.
[ ٧ ]