قال ابن عبد البر: هذا الحديث ثابت بالاتفاق رواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين وروي عن النبي ﷺ من وجوه أخرى من رواية الأئمة الثقات الأثبات. انتهى. وقد نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري صفحة ٤٠٧ ج ١١ الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥هـ.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية: من كذب بهذا الحديث فمعاند لأنه متواتر عن أبي هريرة ﵁ وناهيك به عدالة وحفظا وإتقانا. انتهى.
وسيأتي كلام ابن القيم في ذكر الاتفاق على صحة هذا الحديث.
ونقل الحافظ ابن حجر في صفحة ٤١٠ ج ١١ من فتح الباري عن ابن عبد البر أنه قال: هذا الحديث أصل جسيم لأهل الحق في إثبات القدر، وأن الله قضى أعمال العباد فكل أحد يصير لما قدر له بما سبق في علم الله، قال: وليس فيه حجة للجبرية وإن كان في بادئ الرأي يساعده. انتهى.
وقال الحافظ في صفحة ٤١٣ ج ١١ وفيه حجة لأهل السنة في إثبات القدر وخلق أفعال العباد. انتهى.
وما أحسن ما فعله هارون الرشيد مع من استشكل حديث أبي هريرة ﵁ في احتجاج آدم وموسى فقد روى الخطيب البغدادي في تاريخه من طريق يعقوب بن سفيان قال: سمعت علي بن المديني يقول: قال محمد بن خازم: كنت أقرأ حديث الأعمش عن أبي صالح علي أمير المؤمنين هارون فكلما قلت: قال رسول الله، قال: صلى الله على سيدي ومولاي حتى ذكرت حديث «التقى آدم وموسى» فقال عمه - وسماه علي
[ ٦٨ ]
فذهب علي - فقال: يا محمد أين التقيا؟ قال: فغضب هارون، وقال: من طرح إليك هذا؟ وأمر به فحبس ووكل بي من حشمه من أدخلني إليه في محبسه، فقال: يا محمد والله ما هو إلا شيء خطر ببالي، وحلف لي بالعتق وصدقة المال وغير ذلك من مغلظات الأيمان ما سمعت ذلك من أحد ولا جرى بيني وبين أحد في هذا كلام وما هو إلا شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام، قال: فلما رجعت إلى أمير المؤمنين كلمته قال: ليدلني على من طرح إليه هذا الكلام فقلت: يا أمير المؤمنين قد حلف بالعتق ومغلظات الأيمان أنه إنما هو شيء خطر ببالي لم يجر بيني وبين أحد فيه كلام قال: فأمر به فأطلق من الحبس وقال لي: يا محمد ويحك إنما توهمت أنه ألقى إليه بعض الملحدين هذا الكلام الذي خرج منه فيدلني عليهم فأستبيحهم، وإلا فأنا على يقين أن القرشي لا يتزندق، قال هذا أو نحوه من الكلام. انتهى.
وروى أبو عثمان الصابوني في عقيدته بإسناده عن محمد ابن حاتم المظفري قال: كان أبو معاوية الضرير يحدث هارون الرشيد فحدثه بحديث أبي هريرة «احتج آدم وموسى» فقال عيسى بن جعفر: كيف هذا وبين آدم وموسى ما بينهما؟، قال: فوثب به هارون وقال: يحدثك عن الرسول ﷺ وتعارضه بكيف؟ قال: فما زال يقول حتى سكت عنه.
قال: الصابوني هكذا ينبغي للمرء أن يعظم أخبار رسول الله ﷺ ويقابلها بالقبول والتسليم والتصديق وينكر أشد الإنكار على من يسلك فيها غير هذا الطريق الذي سلكه هارون الرشيد مع من اعترض على الخبر الصحيح الذي سمعه بكيف على طريق الإنكار له، والابتعاد عنه ولم يتلقه بالقبول كما يجب أن يتلقى جميع ما يرد عن الرسول ﷺ. انتهى.
[ ٦٩ ]