تتسم معاملة الإباضية لمخالفيهم باللين والمسامحة وجوزوا تزويج المسلمات من مخالفيهم
وهذا ما يذكره علماء الفرق عنهم، إضافة إلى أن العلماء يذكرون عنهم كذلك أن الإباضية تعتبر المخالفين لهم من أهل القبلة كفار نعمة غير كاملي الإيمان ولا يحكمون بخروجهم من الملة، إلا أن هذا المدح ليس بالاتفاق بين العلماء؛ فهناك من يذكر عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم محاربون لله ولرسوله وأنهم يعاملون المخالفين لهم أسوأ المعاملة.
والحقيقة أن القارئ لكتب علماء الفرق يجد أنهم متعارضون في النقل عنهم إلا أن يقال: إن طائفة من الإباضية معتدلون وآخرون متشددون. ولهذا وجد علي يحيى معمر ثغرة في كلام علماء الفرق ليصفهم بالتناقض والاضطراب في النقل إلى آخر ما أورد من انتقادات لا تسلم له على إطلاقها.
وذلك أنك تجد في بعض كلام علماء الإباضية أنفسهم الشدة في الحكم على المخالفين لهم ووصفوهم بأنهم الكفار وأنهم من أهل النار ما لم يدينوا بالمذهب الإباضي، وتجد آخرين يتسامحون في معاملة المخالفين لهم ويبدو عليهم اللين تجاههم.
وتجد التعصب في حكمهم على مخالفين ظاهرًا قويًا من قراءتك لكتاب مقدمة التوحيد لابن جميع، وكتاب الحجة في بيان المحجة في التوحيد بلا
[ ١ / ٢٥٦ ]
تقليد للعيزابي، ورسالة في فرق الإباضية بالمغرب للمارغيني، وكتاب الدليل لأهل العقول للورجلاني، وكذا العقود الفضية، وكشف الغمة الجامع لأخبار الأمة- فإن القارئ لهذه الكتب يجد التشدد تجاه المخالفين قائمًا على أشده كما تشهد بذلك مصادرهم المذكورة.
ومع هذا فإن العلماء والمتقدمين وكثيرًا من المتأخرين يذكرون عبارات كثيرة تصف الإباضية بالتسامح واللين تجاه المخالفين ممن يدعون الإسلام إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي وحرابة، ومع ذلك نفى عليّ يحيى معمر أن يكون من مذهب الإباضية أنهم يرون أن معسكر السلطان معسكر بغي وحرابة، ولكنه-وهو يقسم حكام المسلمين في كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية- جعل هذا الوصف ينطبق على الحاكم الذي يخرج عن العدل ولا يطبق أحكام الإسلام كاملة (١) .
ومن خلال الأمثلة الآتية من كلام العلماء حول موقف الإباضية من المخالفين لهم تجد مصداق ما قدمنا إجماله فيما يلي:
١- اللين والتسامح مع المخالفين:
أ-ما قاله عنهم كتَّاب الفرق.
ب-ما قالوه هم في كتبهم.
أما ما قاله علماء الفرق عنهم:
فمثلًا نجد أن الأشعري يقول: «وأما السيف فإن الخوارج جميعًا تقول به وتراه، إلا أن الإباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف» (٢) .
_________________
(١) انظر الأباضية بين الفرق الإسلامية ص ٢٧، ٢٨.
(٢) المقالات جـ١ص٢٠٤.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وقال أيضًا: «وجمهور الإباضية يتولى المحكِّمة كلها إلا من خرج، ويزعمون أن مخالفيهم من أهل الصلاة كفار ليسوا بمشركين» (١) .
ثم قال عنهم كذلك: «وزعموا أن الدار أي دار مخالفيهم- دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار كفر يعني عندهم» (٢) .
إلى أن قال: «وفي المعركة لا يقتلون النساء ولا الأطفال على عكس ما يفعله الأزارقة» (٣)
أما البغدادي والشهرستاني فيذكران عن الإباضية أنهم يرون أن مخالفيهم براء من الشرك والإيمان، وأنهم ليسوا مؤمنين ولا مشركين ولكنهم كفار (٤) .
وأما ما قالوه هم عن أنفسهم: فنجد صاحب كتاب الأديان الإباضي وهو يعدد آراء الأخنس -زعيم فرقة الأخنسية -يقول: «وجوَّز تزويج نساء أهل الكبائر من قومهم على أصول أهل الاستقامة» (٥) .
ونجده كذلك يؤكد على أنه لا يجوز من أهل القبلة إلا دماءهم في حالة قيام الحرب بينهم وبين الإباضية (٦) .
ويأتي أبو زكريا الجناوني فيؤكد أنه يجوز معاملة المخالفين معاملة حسنة، غير أنه ينبغي أن يدعو إلى ترك ما به ضلوا فإن أصروا ناصبهم إمام المسلمين
_________________
(١) المقالات ١/١٨٤.
(٢) المصدر السابق صـ١٨٥.
(٣) المصدر السابق صـ٢٨٥.
(٤) الفرق بين الفرق صـ١٠٣، الملل والنحل ج ١ ص ١٣٤.
(٥) كتاب الأديان ص - ١٠٥.
(٦) المصدر السابق صـ٩٩.
[ ١ / ٢٥٨ ]
الحرب حتى يذعنوا للطاعة ولا يحل منهم غير دمائهم (١) .
وهناك نصوص في مسامحة الإباضية للمخالفين لهم من حسن المعاملة وعدم اغتيالهم أو استعراضهم وتحريم أموالهم.
يذكرها عنهم علي يحيى معمر مع عزوها إلى قائليها في كتابه الإباضية بين الفرق الإسلامية، في معرض نقده كلام علماء الفرق عن الإباضية (٢) لا نرى ضرورة للتطويل بنقلها هنا.
٢- الشدة على المخالفين:
١-ما يقوله عنهم علماء الفرق:
يقول البغدادي عنهم: «إنهم يرون أن المخالفين لهم كفار وأجازوا شهادتهم وحرموا دماءهم في السر واستحلوها في العلانية وزعموا أنهم في ذلك محاربون لله ولرسوله ولا يدينون دين الحق، وقالوا باستحلال بعض أموالهم دون بعض والذي استحلوه الخيل والسلاح، فأما الذهب والفضة فإنهم يردونها على أصحابها عند الغنيمة» (٣) .
وكان الأشعري قد سبق إلى قوله عنهم.
«وقالوا جميعًا: إن الواجب أن يستتيبوا من خالفهم في تنزيل أو تأويل، فإن تاب وإلا قتل، كان ذلك الخلاف فيما يسع جهله وفيما لا يسع (٤) .
_________________
(١) انظر كتاب الوضع للجناوي.
(٢) انظر الأباضية بين الفرق الإسلامية ص ٣٣٥ - ٣٨٥.
(٣) الفرق بين الفرق صـ ١٠٣.
(٤) المقالات ج ١ صـ١٨٦.
[ ١ / ٢٥٩ ]
٢-ما قالوه هم في كتبهم:
روى الجيطالي الإباضي عن الإمام عبد الوهاب أنه قال: سبعون وجهًا تحل بها الدماء، فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا من أين هذا؟
وفي كتاب سير المشائخ أن الإمام كان يقول: عندي أربعة وعشرين وجهًا تحل بها دماء أهل القبلة، ولم تكن منهم عند أبي مرداس ﵀ إلى أربعة أوجه وقد شدد علي فيهم (١) .
ويقول المارغيني منهم: «وقالت المشائخ إن هذا الدين الذي دنا به الوهبية من الإباضية من المحكِّمة دين المصطفى ﷺ هو الحق عند الله وهو دين الإسلام، من مات مستقيمًا عليه فهو مسلم عند الله، ومن شك فيه فليس على شيء منه، ومن مات على خلافه أو مات على كبيرة موبقة فهو عند الله من الهالكين أصحاب النار» (٢) .
وقال العيزابي منهم: «الحمد لله الذي جعل الحق مع واحد في الديانات فنقول معشر الإباضية الوهابية: الحق ما نحن عليه والباطل ما عليه خصومنا؛ لأن الحق عند الله واحد، ومذهبنا في الفروع صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفينا خطأً يحتمل الصدق» (٣) .
ولا يقلُّ الوار جلاني تشددًا عن من سبق، فهو يقول:
فإن قال قائل: هذه أمة أحمد ﷺ قد قضيتم عليها بالهلاك وبالبدعة والضلال وحكمتم عليها بدخول النار ما خلا أهل مذهبكم. قلنا: إنما قضاه
_________________
(١) قواعد الإسلام ص ١٠٥.
(٢) رسالة في فرق الأباضية للمغرب ص ١٣.
(٣) الحجة في بيان الحجة في التوحيد بلا تقليد ص ٣٧.
[ ١ / ٢٦٠ ]
رسول الله ﷺلا نحن- بقوله: حيث يقول: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن في النار ما خلا واحدة ناجية كلهم يدعي تلك الواحدة» (١) .
وهناك نصوص كثيرة أخرى في تزكية مذهبهم وبطلان ما عداه من المذاهب، وأن الله لا يقبل أي دين غير دين الإباضية والوهبية عن صاحب العقود الفضية (٢) والسالمي (٣) وجاعدين خميس الخروصي (٤)، وصاحب كشف الغمة (٥)، وصاحب النيل وشفاء العليل (٦) وابن جميع (٧) وغيرهم من علماء الإباضية.