كيف ظهر الخلاف والتفرق بين المسلمين
كان الخلاف في زمن الرسول ﷺ ينتهي فور وصوله إلى الرسول ﷺ حين يحكم فيه، وبعد وفاته وحتى آخر عصر الخلفاء الراشدين كان المسلمون على منهج واحد في أصول الدين وفي فروعه، إلا أنه قد وجدت بعض الأمور التي كانت محل خلاف بين الصحابة ﵃، بعد وفاة الرسول ﷺ مباشرة، ولكنهم قضوا عليها بثباتهم ونياتهم الصادقة -بعد توفيق الله لهم- نذكر منها على سبيل الإيجاز ما يلي:
١. ما أصاب بعض الصحابة من الدهشة من موت الرسول ﷺ هل مات الرسول كما مات غيره من الأنبياء؟ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١)، أم أن الرسول ﷺ لم يمت وإنما هو في غيبوبة وسيفيق منها، حتى قال عمر ﵁: من قال إن رسول الله مات-ضربته بالسيف؟
وحينما جاء أبو بكر ﵁ قضى على هذا الخلاف، وأقر الجميع بموت الرسول ﷺ.
هكذا يذكر أصحاب المقالات، ومن وجهة نظري لا أرى أن هذا يشكل خلافًا حقيقيًا وإنما هي حالة طارئة مرّت بالمسلمين دون أن تشكل ظاهرة خلافية.
_________________
(١) الزمر:٣٠
[ ١ / ٤٧ ]
٢. اختلفوا كذلك في موضع دفنه:
١- فأراد أهل مكة رده إلى مكة.
٢- وأراد أهل المدينة دفنه بها.
٣- وقال آخرون بنقله إلى بيت المقدس.
ولكل فريق من هؤلاء حججه على ما يراه لكن الخليفة الراشد الصديق ﵁ قضى على هذا الخلاف حينما روي لهم قول الرسول ﷺ: «ما قبض الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه» (١) والخلاف في هذه المسألة يعتبر خلافًا خطيرًا؛ إذ لو وقف كل فريق عند رأيه وعاند لأدى ذلك إلى فتنة عظيمة.
٣. اختلفوا في تسيير جيش أسامة، هل يبقى بالمدينة كما يرى عمر وغيره، لضرورة الحاجة إليه؟ أم يذهب لما وجهه الرسول ﵇ كما يرى أبو بكر؟
وقد شرح الله صدورهم لتوجيهه، وكان في ذلك خير عظيم.
٤. ثم اختلفوا في قتال مانعي الزكاة، هل يقاتلون كما يقاتل الكفار لأنهم فرقوا بين ركنين من أركان الإسلام؟ أم لا يقاتلون ما داموا يشهدون الشهادتين، ويؤدون الصلاة؟.
ثم انتهى الخلاف بقبول رأي أبي بكر في قتال هؤلاء. وحتى الذين خالفوا في قتال مانعي الزكاة ما كانوا يريدون تركهم مطلقًا، وإنما كانوا يرون تأخير حسابهم معهم إلى حين القضاء على من هو أخطر منهم وأشد شوكة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٣/ ٣٣٨، وصححه الألباني صحيح الجامع ٥٦٤٩.
[ ١ / ٤٨ ]
٥. وكالاختلاف في الإمامة لمن تكون لقريش أم للأنصار؟ واجتماعهم في سقيفة بني ساعدة، ورجوعهم أخيرًا إلى مبايعة أبي بكر الصديق حينما تبين لهم الحق في قوله.
ثم تفاقم التصدع والانشقاق الخطير شيئًا فشيئًا إلى أن انتهى بمقتل الخليفة الراشد عثمان ﵁، حينما سعى في ذلك عدو الله ابن سبأ، ثم أصبح المسلمون فرقًا وأحزابًا وفشت بينهم العداوة والبغضاء إلا من رحم الله (١)؛ مصدقًا لقول عثمان ﵁: «فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي ولا تصلون بعدي جميعًا ولا تقتلون بعدي جميعًا عدوًا أبدًا» (٢) .
* * * * * * * * * * * *
_________________
(١) ذكر البغدادي جملة من تلك الاختلافات ابتداء من ص ١٤ في كتابه «الفرق بين الفرق» .
(٢) انظر البداية والنهاية ج ٧ / ١٨٤.
[ ١ / ٤٩ ]