أقوال السلف
في وجوب التمسك بالسنة والحذر من البدع
كما وردت عن السلف الكرام أقوال كثيرة في الحث على التمسك بكتاب الله تعالى وأن الهدى والخير والفلاح كله في ذلك وأنه يجب على كل المسلمين الرجوع إلى كتاب الله والتمسك به في كل أحوالهم واختلافاتهم كما قال الله ﷾: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (١) .
وهذا هو منهج كل من جاء بعد السلف الكرام من التابعين ومن تبعهم من علماء المسلمين وعامتهم وفي كتب شيخ الإسلام ﵀ وتلميذه ابن القيم وغيرهما كالطبري وابن كثير وأهل الحديث كالشيخين وغيرهما ممن تزخر بأقوالهم المكتبات الإسلامية في كتبهم من الأقوال والشروحات ما لا مزيد عليه في وجوب التمسك بكتاب الله والعمل به والرجوع إليه.
وعلى هذا "فقد اتفق المسلمون سلفهم وخلفهم من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا أن الواجب عند الاختلاف في أي أمر من أمور الدين بين الأئمة والمجتهدين هو الرد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﵊ الناطق بذلك الكتاب العزيز ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ ومعنى الرد إلى الله سبحانه الرد إلى كتابه ومعنى الرد إلى رسوله ﷺ الرد إلى سنته بعد وفاته وهذا مما لا خلاف فيه بين جميع المسلمين" (٢) .
_________________
(١) النساء: الآية٥٩
(٢) شرح الصدور بتحريم رفع القبور ص ٥٩٦ من الجامع الفريد.
[ ١ / ١٣٨ ]
- وهم يؤكدون أن الخير كله فيها وأن الشر كله في الابتعاد عنها وفي الابتداع الذي يسببه اتباع الهوى والبعد عن السنة والسير خلف التأويلات الباطلة التي هلك بسببها الكثير ممن جرفتهم التيارات المنحرفة ومن تلك الأقوال.
- قال عبد الله بن مسعود "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم" (١) .
- وعن معاذ بن جبل من كلام له ﵁ قال: "فإياكم وما ابتدع فإنما ابتدع ضلالة" (٢) .
- وقال حذيفة اتقوا الله يا معشر القراء خذوا طريق من قبلكم فوالله لئن سبقتم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا وإن تركتموه يمينًا وشمالًا فقد ضللتم ضلالًا بعيدًا" (٣) .
- وعن عبد الله بن مسعود قال يجيء قوم يتركون من السنة مثل هذا يعني الإصبع فإن تركتموهم جاؤوا بالطامة الكبرى وإنه لم يكن أهل كتاب قط إلا كان أول ما يتركون "السنة" وإن آخر ما يتركون الصلاة ولولا أنهم يستحيون لتركوا الصلاة (٤) ..
- وعن عبد الله بن الديلمي قال: "إن أول ذهاب الدين ترك السنة يذهب الدين سنة سنة كما يذهب الحبل قوة قوة" (٥)
- وعن حسان بن عطية قال: "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة" (٦) .
- وعن عمر بن عبد العزيز قال: " سن رسول الله ﷺ وولاة الأمر بعده سننا
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٨٦. .
(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٨٩.
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٩٠.
(٤) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٩١.
(٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٩٣.
(٦) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٩٣.
[ ١ / ١٣٩ ]
الأخذ بها تصديق لكتاب الله ﷿ واستكمال لطاعته وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها فمن اقتدى بما سنوا فقد اهتدى ومن استبصر بها بصر ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ﷿ ما تولاه وأصلاه جهنم وساءت مصيرا" (١) .
- وأقوالهم في هذا الصدد كثيرة وإنما تلك أمثلة يكتفى بها طالب الحق الحريص على سلامة دينه من غوائل أقوال أهل الباطل الذين يقدمون البدع على السنة ويحلونها محلها ويعتبرونها دينًا يجب اتباعه.
استدلالهم على وجوب العمل بما ورد عن الصحابة ﵃:
يعمل السلف بما ثبت عن الصحابة رضوان الله عليهم امتثالًا لأمر النبي ﷺ فإن الصحابة أفقه وأعرف بما يقولون وقد زكاهم الله ورسوله وبذلك تعتبر أقوالهم وأفعالهم سنة يجب العمل بها وخصوصًا الخلفاء الراشدين منهم.
ومما ورد في وجوب العمل بما صح عن الصحابة:
- جاء عن العرباض بن سارية ﵁ من حديث عن النبي ﷺ قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها عضوا عليها بالنواجذ" (٢) .
- وعن خصوص أبي بكر وعمر ﵄ جاء قوله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدين أبي بكر وعمر" (٣) وهذا يدل على مزيد فضلهما ووجوب الاقتداء بهما.
وعلى هذا أجمع السلف وهو من أسس عقائدهم وقد مدح الله السلف
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ج١ص٩٣.
(٢) أبو داود ٤/٢٠٠ الترمذي ٥/٤٤.
(٣) أخرجه الترمذي ٥/٦٠٩.
[ ١ / ١٤٠ ]
الكرام من الصحابة ومن سار على نهجهم بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١) فهم السابقون الأولون وأصحاب الشرف العظيم في وقوفهم إلى جانب نبيهم في ساعة العسرة وفدائهم له بأموالهم وأنفسهم وهم أول المجاهدين في سبيل الله من هذه الأمة.
وكانت نسبتهم في البداية بالنسبة إلى نسبة الكفار كنسبة الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود فإن الأرض كلها على الشرك وعبادة الأصنام.
فاستعذبوا العذاب في سبيل نشر النور إرضاءًا لله تعالى وقربًا إليه ولا يوجد مسلم على ظهر الأرض إلا وهو مدين للصحابة بالشكر والتقدير على نصرتهم رسول الله ﷺ وعلى فتوحاتهم التي عمت أكثر البقاع في عهودهم المجيدة.
وتلك الحقيقة يعيها كل مسلم إلا من فسدت فطرته وانحرف واتبع هواه كالرافضة الذين ذهبوا يسبونهم ويكفرونهم مضادة للآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ﴾ (٢) ولهذا فقد كان ابن حزم ﵀ حينما يدحض النصرانية ويثبت لهم تحريف كتابهم يستدلون عليه أن المسلمين أيضًا أثبتوا أن في القرآن تحريفًا وزيادة ونقصًا فيقول لهم لا تحتجوا بكلام الرافضة واحتجوا بكلام المسلمين أو نحو ذلك لمعرفته التامة بأنه لا يمكن أن يقدم مسلم يؤمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا أن يدعي بأن هذا القرآن الموجود بين أيدينا قد تخلى الله عن
_________________
(١) التوبة: الآية١٠٠
(٢) الحشر: الآية١٠
[ ١ / ١٤١ ]
وعده بحفظه أو أنه سلط عليه من يغيره ويبدله فإن من اعتقد حدوث هذا فقد خرج عن الإسلام إن كان يدعيه وكفر به.
وقوف السلف عند حدود النص
أما بالنسبة لوقوف السلف عند حدود النص وعدم الخوض فيما لا مجال للعقل فيه فهذا دليل من أقوى الأدلة على عمق فهمهم وقوة ذكائهم وحرصهم على ما ينفعهم في دينهم به يظهر صدق متابعتهم لنبيهم ﵊ وحرصهم على إقامة سنته والبعد عن ما يكدرها فقد علموا أن العقل من أكبر نعم الله على عباده وأن الله جعله عونًا لصاحبه وربط الله به كثيرًا من القضايا ونوّه به وبعلو شأنه ولكن السلف مع هذا يعلمون علم اليقين أن العقل له حد ينتهي إليه فإذا تجاوزه انقلب إلى الجهل والحمق سنة الله في خلقه وإن تكلف الأمور التي لا سبيل لمعرفتها إلا عن طريق النص يعتبر تعديًا وظلمًا وقد يجر إلى القول على الله بغير علم والكذب عليه مع أنهم ليسوا في حاجة إلى ذلك فإن السنة واضحة ونهج من سبقهم فيها واضح وقد يجر كذلك إلى إحداث البدع وهو الأمر الذي ينفر منه السلف أشد نفور ويحذرون منه أشد تحذير فطالما جر عدم الوقوف عند النصوص إلى إحداث البدع والخرافات بل وإماتة كثير من السنن كما هو الحال عند أصحاب الأهواء وعباد العقول وتقديمهم لها على النصوص وكم من الفظائع والمآسي ارتكبت بسبب عدم فهم النصوص كما يحدثنا عنها التاريخ بل وإن تكفير أهل البدع بعضهم بعضًا ودليلهم واحد لهو أقوى الأدلة على مضار عدم فهم النصوص إذ إنه لا يوجد أي نص يؤدي إلى تكفير العاملين به بعضهم بعضًا وهو أمر معروف بداهة.
[ ١ / ١٤٢ ]
إعراض السلف عن أهل البدع
أما إعراضهم عن أهل البدع وعن مخالطتهم فقد أصبح أمرًا معلومًا بالضرورة عند أهل السنة فقد حذروا من مجالسة أهل البدع والاستماع إليهم لعلمهم أن أصحاب البدع يوردون شبهات يضللون بها العامة قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (٢) .
وقال النبي ﷺ من حديث: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة" (٣) .
وفي رواية: "وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" (٤) .
وقال النبي ﷺ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٥) وقال ﷺ: "من رغب عن سنتي فليس مني" (٦) .
وهذه الآيات والأحاديث كلها تدل على وجوب الإعراض عن المبتدعين وعن أقوالهم وما يحدثونه في دينهم بأهوائهم التي يقدمونها على السنة ومن هنا كانت نفرة أهل السنة عن أهل البدع اتباعًا لأمر الله وأمر المصطفى ﷺ ونصحًا لأنفسهم ولغيرهم.
_________________
(١) الأنعام: الآية٦٨
(٢) النساء: من الآية١٤٠
(٣) من حديث أخرجه أبو داود ٤/ ٢٠٠.
(٤) مسلم ٨٦٧ كتاب الجمعة ج ٢ ص ٥٩٢ ا
(٥) البخاري كتاب الصلح مع الفتح ج٥ ص٣٠١ ومسلم كتاب الأقضية ج٣ ص ٣٤٣.
(٦) باب نقض الأحكام الباطلة ةرد محدثات الأمور المسند ج٢ ص ١٥٨.
[ ١ / ١٤٣ ]
وقد أكد السلف التحذير من أهل البدع ووجوب البعد عنهم.
- قال ابن مسعود ﵁: "وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم عليكم بالعلم وإياكم والبدع والتنطع والتعمق وعليكم بالعتيق" (١) .
- عن مجاهد قال قيل لابن عمر: "إن نجده يقول كذا وكذا فجعل لا يسمع منه كراهية أن يقع في قلبه منه شيء" (٢) . وعن تحذيرهم من سماع كلام القدرية جاء عن أبي أمامة الباهلي قال: "ما كان شرك قط إلا كان بدؤه تكذيب بالقدر ولا أشركت أمة قط إلا بدؤه تكذيب بالقدر وإنكم ستبلون بهم أيتها الأمة فإن لقيتموهم فلا تمكنوهم من المسألة فيدخلوا عليكم الشبهات" (٣) .
- وعن تحذيرهم من الدخول في الخصومات مع أهل الأهواء جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: "يا أبا سعيد إني أريد أن أخاصمك. فقال الحسن: إليك عني فإني قد عرفت ديني إنما يخاصمك الشاك في دينه" (٤) .
- وعن بغض أهل الأهواء وحب الابتعاد عنهم قال أبو الجوزاء: "لئن يجاورني قردة وخنازير أحب إلي من أن يجاورني أحد منهم" (٥) . يعني أهل الأهواء.
- وكان الحسن يقول: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم" (٦) .
_________________
(١) البدع والنهي عنها لابن وضاح ص٥٩.
(٢) انظر شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة ص١٢٨.
(٣) انظر شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة ص١٢٨.
(٤) اللالكائي ١/١٢٨.
(٥) ابن سعد في الطبقات ٧/٢٢٤.
(٦) اللالكائي ص١٣٣.
[ ١ / ١٤٤ ]
وكان ابن طاوس جالسًا فجاء رجل من المعتزلة قال فجعل يتكلم قال فأدخل ابن طاوس إصبعيه في أذنيه وقال لابنه أي بني أدخل إصبعيك في أذنيك واشدد ولا تسمع من كلامه شيئًا. قال معمر راوي الخبر يعني أن القلب ضعيف (١) .
وروى الدارمي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه قال: "إذا رأيت قومًا يتناجون في دينهم بشيء دون العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة" (٢) .
وكان الشافعي ينهى النهي الشديد عن الكلام في الأهواء ويقول: "أحدهم إذا خالف صاحبه قال كفرت والعلم فيه أنما يقول أخطأت" (٣) .
وقال علي بن المديني: "من قال فلان مشبه علمنا أنه جهمي ومن قال فلان مجبر علمنا أنه قدري ومن قال فلان ناصبي علمنا أنه رافضي" (٤) .
وقد رويت عن السلف من النصوص الكثيرة ما لا يحتمل المقام ذكرها هنا وكلها تهدف إلى أمر واحد هو اجتناب أهل البدع والتحذير منهم امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) .
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ (٦) .
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ج١ ص١٣٥.
(٢) أخرجه اللالكائي ص١٣٥.
(٣) أخرجه اللالكائي ج١ ص١٤٦.
(٤) شرح السنة اللالكائي ج١ ص ١٤٧.
(٥) سورة الأنعام:٦٨.
(٦) سورة النساء: ١٤٠.
[ ١ / ١٤٥ ]
وفي عدم مجالستهم حماية للعقيدة وحماية لقلوبهم لئلا تميل إلى شيء من شبهات أهل الباطل وحتى لا تنتشر أفكارهم بين الناس وفيه كذلك قيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن أهل البدع إن لم يجدوا من يرد عليهم تمادوا في باطلهم وضعف في نفوس الناس الإحساس بوجوب تغيير المنكر بل يستمرئون بعد ذلك وقد يعترض البعض فيقول إن مجالستهم ومناظرتهم فيها إقامة للحجة عليهم ودعوة لهم للرجوع أو يقول قد ناظر بعض السلف أهل الباطل كما فعل ابن عباس مع الخوارج وعمر بن عبد العزيز معهم أيضًا والمناظرة المشهورة لعبد العزيز الكناني مع بشر المريسي وغير ذلك والجواب والله أعلم أن مناظرة السلف لأهل البدع تعتبر بالجملة قليلة ولا يناظرونهم إلا إذا رأوا أن المصلحة تقتضي ذلك وفي مجامع عامة وعلنية.
وهي أيضًا لا تكون إلا مع من يرجى منه الرجوع أما المعاندين منهم المصرين على بدعهم الداعين إليهم فإنهم كانوا يحذرونهم ويحذرون منهم وهذا من باب الحزم وإنكار المنكر والبعد عن الشر قبل الوقوع فيه فإن مجالسة أهل البدع والاستماع لكلامهم قد يجذب الشخص إليهم وقد يتشوش فكره بكلامهم فإذا حسم الشر من أوله كان أضمن لسلامته ومن هنا فإنه يجب الحذر من قراءة كتب المخالفين والاستماع لخطبهم وكلامهم قبل أن يحصن الشخص نفسه بالقراءة عنهم ومرد شبهاتهم.
وقد أخبر النبي ﷺ: "أن من وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه" (١) .
* * * * * * * * * * * * *
_________________
(١) رواه البخاري مع الفتح ١/١٢٦ ومسلم ٣/٢١٩.
[ ١ / ١٤٦ ]