ومن عناية الرسول ﷺ بالدعوة إلى اجتماع كلمة المسلمين وتحذيرهم عن التفرق أحاديث كثيرة منها على سبيل المثال:
١- ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: خط لنا رسول الله ﷺ يومًا خطًا ثم قال: «هذه سبيل الله» ثم خط خطوطًا عن يمينه، وخطوطًا عن يساره ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعوا إليه» ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١) .
٢- وفي حديث العرباض بن سارية قوله ﷺ: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢) .
_________________
(١) أخرجه الدارمي في مسنده ولا شك أن الحديث ينطبق تمامًا على الفرق الخارجة عن الحق، فإن علي رأس كل طائفة شياطين يدعون الناس إلي مسالكهم، والسير في سبيلهم.
(٢) أخرجه الترمذي جـ ٤صـ ٢٠٩ وأبو داود جـ ٢ صـ ٥٠٦ واللفظ له.
[ ١ / ٤١ ]
٣- وقد أوصى الرسول ﷺ حذيفة عند ظهور الخلاف والتفرق في الدين بقوله: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» قال حذيفة: قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك» (١) .
٤- وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: «ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة» (٢) .
وفي رواية عن أنس، عن النبي ﷺ قال: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» (٣) .
ولا بد لنا من وقفة عند هذا الحديث الذي أضاف إلى التحذير من الافتراق الإخبار بهلاك تلك الفرق الضالة إلا واحدة منها، ثم حصر الفرق في العدد المذكور، ورغم كثرة الروايات المختلفة لحديث المذكور إلا أنه لم يخل عن الاختلاف في صحته، وسنقف هنا عند دراسته على الأمور التالية:
سند الحديث:
رُوي هذا الحديث بعدة أسانيد، إلا أن العلماء وقفوا بالنسبة لقبوله المواقف التالية:
_________________
(١) متفق عليه البخاري جـ ١٣ صـ ٣٥ ومسلم جـ ٤ صـ ٥١٤.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب السنة ٢/٥٠٣، والترمذي ٥/٢٥، ٢٦، وابن ماجه ٢/ ١٣٢٢، وأحمد ٢/ ٣٢٢، ٣/ ١٢٠، ١٤٥.
(٣) أخرج نحوه أبو داود عن أبي هريرة (ج ٢ ص ٥٠٣) .
[ ١ / ٤٢ ]
١- منهم من لم يصححه، ولم يجوز الاستدلال به. وهم بعض العلماء كابن حزم وغيره.
٢- ومنهم من اكتفى بتعدد طرقه. وتعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول الله ﷺ.
٣- ومنهم من أخذ به وحاول أن يحصر الفرق في العدد المذكور كالبغدادي ﵀ وغيره (١) .
وحينما تعرض شيخ الإسلام -﵀- للكلام عن الفرق، قال عن الحديث: «مع أن حديث الثنتين والسبعين فرقة ليس في الصحيحين، وقد ضعفه ابن حزم وغيره، لكن حسنه غيره أو صححه كما صححه الحاكم وغيره، وقد رواه أهل السنن وروي من طرق» (٢) . وفي مجموع الفتاوى ورد قوله: «الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي» (٣) .
* * * * * * * * * * *
_________________
(١) انظر «الفرق بين الفرق» تعليق محمد محي الدين ص ٦.
(٢) منهاج السنة ج ٥ ص ٤٨- ٤٩.
(٣) مجموع الفتاوى ج ٣ ص ٣٤٥.
[ ١ / ٤٣ ]