موقف الإباضية من الخلفاء الراشدين ﵃:
من الأمور المتفق عليها عند سائر الخوارج الترضي التام والولاء والاحترام للخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما، لم تخرج فرقة منهم عن ذلك.
أما بالنسبة للخليفتين الراشدين الآخرين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب ﵄ فقد هلك الخوارج فيهما وذموهما مما برأهما الله عنه.
_________________
(١) تقدم تخريج الحديث وذكر ألفاظه وهو في كتاب الدليل لأهل العقول ص ٣٥ - ٣٦.
(٢) العقود الفضية ص ١٦٩.
(٣) المصدر السابق صـ١٧٢.
(٤) المصدر السابق صـ١٧٢.
(٥) كشف الغمة صـ٣٠٦.
(٦) انظر النيل وشفاء ص ١٠٦١، ١٠٦٢ جـ٣.
(٧) مقدمة التوحيد صـ١٩.
[ ١ / ٢٦١ ]
والذي يهمنا، أن نشير هنا إلى رأي الإباضية في الصحابة رضوان الله عليهم بإيجاز، تاركين تفصيل الحجج والردود عليها لمقام آخر:
١- موقف الإباضية من عثمان ﵁:
من الأمور الغريبة جدًا أن تجد ممن يدعي الإسلام ويؤمن بالله ورسوله من يقع في بغض الصحابة؛ خصوصًا من شهد له الرسول ﷺ بالجنة وثبتت بذلك النصوص في حقه.
فعثمان ﵁ صحابي جليل شهد له الرسول ﷺ بالجنة، أما بالنسبة للخوارج فقد تبرءوا منه ومن خلافته، بل وحكموا عليه بالارتداد والعياذ بالله وحاشاه من ذلك.
وفي كتاب كشف الغمة لمؤلف إباضي من السب والشتم لعثمان ما لا يوصف، ولم يكتف بالسب والشتم، وإنما اختلق روايات عن بعض الصحابة يسبون فيها عثمان بزعمه ويحكمون عليه بالكفر (١)، ولا شك أن هذا بهتان عظيم منه.
ويوجد كذلك كتاب في الأديان (٢) وكتاب آخر اسمه الدليل لأهل العقول (٣) للورجلاني، فيهما أنواع من السباب والشتم لعثمان ومدح لمن قتلوه؛ حيث سماهم فرقة أهل الاستقامة، وهم في الحقيقة بغاة مارقون لا استقامة لهم إلا على ذلك.
٢-وأما بالنسبة لموقفهم من علي ﵁: فإنه يتضح موقفهم منه
_________________
(١) كشف الغمة ص ٢٦٨.
(٢) كتاب الأديان ص ٢٦- ٢٧.
(٣) الدليل لأهل ص ٢٨-٢٨.
[ ١ / ٢٦٢ ]
بما جاء في كتاب كشف الغمة تحت عنوان فصل من كتاب الكفاية قوله: فإن قال ما تقولون في علي بن أبي طالب، قلنا له: إن عليًا مع المسلمين في منزلة البراءة، وذكر أسبابًا- كلها كذب- توجب البراءة منه في زعم مؤلف هذا الكتاب، منها حربه لأهل النهروان وهو تحامل يشهد بخارجيته المذمومة.
وقد ذكر لوريمر عن موقف المطاوعة -جماعة متشددة في الدين- كما يذكر قوله: «ويعتقد المطوعون أن الخليفة عليًا لم يكن مسلمًا على الإطلاق؛ بل كان كافرًا!!» (١) .
كما تأول حفص بن أبي المقدام بعض آيات القرآن على أنها واردة في علي، وقد كذب حفص (٢) .
ومن الجدير بالذكر أن علي يحيى معمر -المدافع القوي عن الإباضية يزعم أن الإباضية لا يكفرون أحدًا من الصحابة، وأنهم يترضون عن علي ﵁ فهو ينقل عن كتاب وفاء الضمانة بأداء الأمانة مدحًا وثناءً لعلي (٣) .
وأورد علي يحيى معمر فصلًا طويلًا بيّن فيه اعتقاد الإباضية في الصحابة بأنهم يقدرونهم حق قدرهم، ويترضون عنهم ويسكتون عما جرى بينهم، ونقل عن أبي إسحاق أطفيش في رده على الأستاذ محمد بن عقيل العلوي أنه قال له: أما ما زعمت من شتم أهل الاستقامة لأبي الحسن علي وأبنائه فمحض اختلاق.
_________________
(١) دليل الخليج: ٦/٣٤٠٦.
(٢) انظر المقالات: ١/ ١٨٣.
(٣) وفاء الضمانة: ٣/٢٢.
[ ١ / ٢٦٣ ]
ونقل عن التعاريتي أيضًا مدحه للصحابة خصوصًا عليًا وأبناءه، وكذلك التندميري الإباضي.
وأخيرًا قال علي يحيى معمر: «ولم يكن يومًا من الأصحاب شتم له أو طعن، اللهم من بعض الغلاة، وهم أفذاذ لا يخلو منهم وسط ولا شعب» (١) .
وهذه الحقيقة التي اعترف بها أخيرًا تجعل ما ملأ به كتابه الإباضية بين الفرق من الشتائم على كل كتّاب الفرق غير صحيح، فما الذي يمنع أن يكون نقل هؤلاء العلماء يصدق على أقل تقدير على هؤلاء الأفذاذ الذين أشار إليهم، مع أن ما يذكره علي يحيى معمر لا يتفق مع النصوص المستفيضة عن علماء الإباضية في ذمهم لبعض الصحابة، فهل الورجلاني يُعتبر- على حد التعبير السابق ليحيى معمر- من الغلاة المتشددين، وهو من هو في صفوف الإباضية؟
فهذا الرجل يواصل في كتابه الدليل لأهل العقول تكفيره وشتمه لمعاوية ﵁ ولعمرو بن العاص، بل قد قال زعيم الإباضية عبد الله بن إباض نفسه في كتابه لعبد الملك عن معاوية ويزيد وعثمان كما يرويه صاحب كشف الغمة: «فإنا نُشهد الله وملائكته أنا براء منهم وأعداء لهم بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله» وكفى بهذا خروجًا.
وصاحب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة يشتم الحسن والحسين ﵄، وأوجب البراءة منهما بسبب ولايتهما لأبيهما على ظلمه وغشمه، كما يزعم- كذلك بسبب قتلهما عبد الرحمن بن ملجم، وتسليمهما الإمامة لمعاوية، وهي أسباب لا يعتقدها من عرف الصحابة الذين شهد الله ورسوله
_________________
(١) الأباضية بين الفرق ص ٢٨٧.
[ ١ / ٢٦٤ ]
لهم بالسابقة والفضل، ولكن انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا ينقطع عنهم الأجر، وصدق الشاعر حين قال:
وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل
ونفس الموقف الذي وقفه الخوارج عمومًا والإباضية أيضًا من الصحابة السابقين- وقفوه أيضًا من طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، وأوجب لهما الورجلاني النار (١)، وقد بشرهما الرسول ﷺ بالجنة، وهؤلاء يوجبون عليهما النار، فسبحان الله ما أجرأ أهل البدع والزيغ على شتم خيار الناس بعد نبيهم الذين نصروا الإسلام بأنفسهم وأموالهم وأولادهم ومات الرسول ﷺ وهو راضٍ عنهم!!
قال النبي ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» (٢)، وأنه لما يحار فيه الشخص هذا الموقف من صحابة رسول الله ﷺ، فإذا كان أخص أصحاب محمد ﷺ غير مرضيين عند هذه الطوائف من خوارج وشيعة فمن المرضي بعد ذلك؟