التقية في اللغة يراد بها الحذر. يقال توقَّيت الشيء أي حذرته.
والتقية في مفهوم الشيعة معناها أن يظهر الشخص خلاف ما يبطن.
أي أن معناها النفاق والكذب والمراوغة والبراعة في خداع الناس، لا التقية التي أباحها الله للمضطر المكره (١) .
وقد ذمهم في هذا الموقف بعض علمائهم الذين يحبون الإنصاف، فهذا الدكتور موسى الموسوى يقول:
_________________
(١) انظر الخطوط العريضة ص٧، الشيعة في الميزان ص ٨٦، الشيعة وتحريف القرآن ص ٣٦.
[ ١ / ٣٨٠ ]
«لقد أراد بعض علمائنا -﵏- أن يدافعوا عن التقية، ولكن التقية التي يتحدث عنها علماء الشيعة وأمْلَتْها عليها بعض زعاماتها هي ليست بهذا المعنى إطلاقا، إنها تعني أن تقول شيئًا وتضمر شيئًا آخر، أو تقوم بعمل عبادي أمام سائر الفرق وأنت لا تعتقد به، ثم تؤديه بالصورة التي تعتقد به في بيتك» (١) .
ونجد مصداق هذا في أصح الكتب عندهم حيث يروي الكليني عن أبي عبد الله أنه قال: «خالطوهم بالبرانية، وخالفوهم بالجوانية» (٢) .
وللتقية عند الشيعة مكانة مرموقة، ومنزلة عظيمة فقد اعتبروها -على حسب المفهوم السابق عندهم- أصلًا من أصول دينهم لا يسع أحدًا الخروج عنها، وقد بحثوها في كتبهم كثيرًا، وبينوا أحكامها وما ينال الشخص من الثواب الذي لا يعد ولا يحصى ولا يصدق لمن عمل بها، وعامل الناس بموجبها فخدعهم وموه عليهم، وكم تأثر الناس وانخدعوا بحيل هؤلاء الذين جعلوا التقية مطية لهم.
ولبيان منزلة التقية عند الشيعة نورد الأمثلة التالية:
١- التقية أساس الدين، من لا يقول بها فلا دين له.
روى الكليني عن محمد بن خلاد قال: سألت أبا الحسن (ع) عن القيام للولاء فقال: قال أبو جعفر (ع): «التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له» (٣) .
وفيما يرويه عن أبي عبد الله أنه قال لأبي عمر الأعجمي: «يا أبا عمر، إن تسعة أعشار الدين في التقية، ولا دين لمن لا تقية له» (٤)
_________________
(١) انظر الشيعة والتصحيح ص ٥٢.
(٢) الكافي ج١ص١٧٥
(٣) المصدر السابق ج٢ ص ١٧٤.
(٤) المصدر السابق ج٢ ص ١٧٢.
[ ١ / ٣٨١ ]
بل وصل اعتناؤهم بالتقية إلى حد تأويل الآيات عليها، مثل قوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ (١) قال أبو عبد الله -كما زعم الكليني-: «الحسنة: التقية: والسيئة: الإذاعة» (٢) .
٢- اعتقدوا أن التقية عز للدين، ونشره ذل له. كما روى الكليني عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله: «يا سليمان، إنكم على دين من كتمه أعزه الله، ومن أذاعه أذله الله» (٣)
ولا شك أن هذا قلب للحقائق، فإن الله ﷿ طلب من الناس جميعًا نشر العلم وبيانه. وقد قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٤)، وقال الله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥) .
وقد امتثل الرسول ﷺ أمر ربه فلم يكتم من العلم شيئًا، بل وطلب إلى أمته أن ينشروا العلم بكل وسيلة، فقال ﷺ: «بلغوا عني ولو آية» (٦)، وقال: «نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع» (٧) .
_________________
(١) سورة فصلت: ٣٤.
(٢) المصدر السابق ج٢ ص ١٧٣.
(٣) المصدر السابق ج٢ ص ١٧٦.
(٤) سورة المائدة: ٦٧
(٥) سورة الحجر:٩٤
(٦) صحيح البخاري ج ٦ ص ٤٩٦.
(٧) لهذا الحديث طرق كثيرة إستوعبها الشيخ عبد المحسن العباد في كتابه «دراسة حديث «نضر الله امراء سمع مقالتي» .
[ ١ / ٣٨٢ ]
وقد أثنى الله في كتابه الكريم على الصادقين الشجعان الذين لا يخافون في الله لومة لائم، فقال ﷿: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢)
كما ذم الله تعالى المنافقين المخادعين للناس فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٤) .
وليس من هدي الإسلام استحلال الكذب على طريقة الشيعة، فالرسول ﷺ يقول: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله عند الله صديقًا. وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا» (٥) .
_________________
(١) سورة الأحزاب: ٣٩
(٢) سورة الأحزاب:٢٣ - ٢٤
(٣) سورة المنافقون:١
(٤) سورة البقرة:١٤
(٥) صحيح مسلم ج٤ ص ٢٠١٣.
[ ١ / ٣٨٣ ]
٣- جعل الشيعة ترك التقية مثل ترك الصلاة تمامًا. قال القمي: «التقية واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة» (١) . وهذا من أغرب الأقوال، فإن التقية رخصة جعلها الله في حالة الضرورة القصوى، بشرط أن لا يشرح بالكفر صدرًا فكيف يعاقب من تركها، بل قال البغوي: «والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ (٢)، ثم هذا رخصة! فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم (٣) .
٤- حدد الشيعة لجواز ترك التقية بخروج القائم من آل محمد (المهدي المنتظر) .
قال القمي: «التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم، فمن تركها قبل خروجه فقد خرج على دين الله تعالى، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة» (٤) .
والحقيقة أن من تركها لا يخرج إلا عن دين الإمامية فقط وعن خرافاتها.
٥- حرفوا معاني الآيات إلى ما يوافق هواهم، وكذبوا على آل البيت.
قال القمي: «وقد سئل الصادق عليه والسلام عن قول الله ﷿: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥) قال: أعلمكم بالتقية» (٦)، أي على هذا التفسير أكرمكم هو أكذبكم على الناس.
_________________
(١) نقلا عن الشيعة والسنة ص ١٥٧، عن الاعتقادات، فصل التقية للقمي.
(٢) سورة النحل: ١٠٦
(٣) تفسير البغوي ج١ ص ٢٩٢.
(٤) الشيعة والسنة ص ١٥٧.
(٥) سورة الحجرات: ١٣.
(٦) الشيعة والسنة ص ١٥٧. نقلا عن كتاب الاعتقادات للقمي.
[ ١ / ٣٨٤ ]
٦- زعم الشيعة أن المعيار الصحيح لمعرفة الشيعي من غيره هو الاعتقاد بالتقية، وينسبون إلى الأئمة المعصومين- في زعمهم- أنهم هم الذين قالوا هذا الكلام.
فقد رووا عن الحسين بن علي بن أبي طالب الإمام الثالث أنه قال: «لولا التقية ما عرف ولينا من عدونا» (١) .
ومعنى هذا أن معرفة خداع الناس، والمبالغة فيه هو الذي يميز الشيعة عن غيرهم.
٧- ساوى الشيعة بين التقية وبين الذنوب التي لا يغفرها الله كالشرك.
فرووا عن عليّ بن الحسين الإمام الرابع أنه قال: «يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين، ترك التقية، وترك حقوق الإخوان» (٢) .
ولكن الله تعالى قد قال: ﴿إن اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣)
وهذه المواقف للشيعة تجعل من الصعوبة بمكان التفاهم المخلص بينهم وبين المخالفين لهم -خصوصًا أهل السنة- وذلك أن الشيعي إذا رأى أنه في موقف الضعف لجأ إلى التقية، وفي هذه الحال له من الأجر الذي قدّره الشيعة
_________________
(١) الشيعة والسنة ص ١٥٧. نقلا عن كتاب الاعتقادات للقمي.
(٢) المصدر السابق ص ١٨٥.
(٣) النساء: من الآية ١١٦
[ ١ / ٣٨٥ ]
ما يعادل مصافحته لعلي ﵁ أو الصلاة خلف نبي من الأنبياء (١) كما افتروا على الله وعلى رسوله.
وأقرب مثال على عدم حصول التفاهم تلك المحاولات التي قامت للتقريب بين الشيعة وأهل السنة، ثم خابت الآمال وتيقن أهل السنة أنه لا وفاء ولا إخلاص ولا صدق عند أولئك الذين يتعبدون الله بالتقية.
أسباب قول الشيعة بالتقية:
اختلفت كلمة الشيعة في الأسباب الحاملة لهم على التمسك بالتقية واعتبارها أساسًا في الدين، وفيما يلي نوجز أهم ما قيل فيها:
١- قالت طائفة: إن التقية تجب للحفاظ على النفس أو العرض أو المال أو الإخوان.
٢- وقالت طائفة: إن التقية تجب لأنها فضيلة، والفضائل يجب التحلي بها، وسواء كانت التقية للحفاظ على النفس أو لغير ذلك فهي واجبة في نفسها، وصاحبها أعرف بحاله، بينما روى الكليني عن أبي جعفر أنه قال: «التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له» (٢) .
٣- والحق أنهم أوجبوا التقية لظروف أحاطت بهم، ورأوا أن لا خلاص لهم إلا بالاتكاء على دعوى التقية.
ومن ذلك:
أ- أنهم وقفوا على أقوال متضاربة عن الأئمة المعصومين عندهم
_________________
(١) انظر مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٩٠.
(٢) الكافي ج٢ ص ١٧٥.
[ ١ / ٣٨٦ ]
يختلفون في الشيء الواحد، وتتناقض فيه أقوالهم دون أن يجدوا مبررًا لذلك التناقض؛ فخرجوا من ذلك بدعوى أن ذلك الكلام صدر من الأئمة على سبيل التقية.
وهذه الأقوال أكثرها من أكاذيب رواتهم، ليست من الأئمة الذين عرفوا بالشجاعة والصراحة، كما صرح بذلك أحد علماء الشيعة المنصفين (١) .
ب- ومنها ما وجدوه من كلام الأئمة في مدح الصحابة الذين تبرأ منهم الشيعة ويعتبرونهم كفارًا، فزعموا أن ذلك المدح إنما كان تقية.
ومهما كان، فإن التقية التي يراها الشيعة لا يجوز اعتقادها في الإسلام لأنها قائمة على الكذب والخداع.
وما رووه عن الأئمة وأنهم كانوا يلجؤون إليها كذب، بل كذَّبوا أنفسهم بأنفسهم حيث يذكرون روايات كثيرة لأناس سألوا بعض الأئمة المعصومين -حسب زعمهم- عن مسائل فأجابوا فيها بجواب، ثم سألوهم بعد مدة فأجابوا فيها بجواب آخر دون أن يوجد أي داع للتقية لصدور تلك الإجابات المختلفة من إمام واحد عن مسألة واحدة بين خاصة الإمام وشيعته وأنصاره كما صرحت بهذا مصادرهم
وهذا اعتراف منهم بأن الأئمة لا يلجؤون إلى التقية بسبب الخوف وإنما هو بسبب الجهل، ولا شك أن هذا طعن شنيع في أولئك الذين يدعون عصمتهم.
فانظر إلى ما أورده النوبختي عن عمر بن رباح، وما أورده عنه أيضًا الكشّي في رجاله أنه سأل أبا جعفر (ع) عن مسألة فأجاب فيها بجواب، ثم
_________________
(١) الشيعة والتصحيح ص ٥٨.
[ ١ / ٣٨٧ ]
عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجاب فيها بخلاف الجواب الأول فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذه المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية فشكك في أمره وإمامته.
فلقي رجلًا من أصحاب أبي جعفر يقال له محمد بن قيس فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية: وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به وقبوله والعمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي.
فقال محمد بن قيس: فلعلّه حضرك من اتقاه؟ فقال: ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري، لا، ولكن جوابيه جميعًا خرجا على وجه التبخيت ولم يحفظ ما أجاب به العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع عن إمامته وقال: «لا يكون إمامًا من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إمامًا من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله» (١) .
وما أحسن ما أجاب به سليمان بن جرير الشيعي عن تخليط الشيعة في تمسكهم بالتقية ليجعلوها مخرجًا لأكاذيبهم على أئمتهم، حيث قال كما يرويه عنه النوبختي، وهو من كبار علماء الشيعة:
«إن أئمة الرافضة وضعوا لشيعتهم مقالتين لا يظهرون معها من أئمتهم على كذب أبدًا، وهما القول بالبداء، وإجازة التقية. فأما البداء فإن أئمتهم لما أحلوا أنفسهم من شيعتهم محل الأنبياء من رعيتها في العلم فيما كان ويكون، والإخبار بما يكون في غد، وقالوا
_________________
(١) فرق الشيعة ص ٨٠، ٨١.
[ ١ / ٣٨٨ ]
لشيعتهم: إنه سيكون في غد وفي غابر الأيام كذا وكذا، فإن جاء ذلك الشيء على ما قالوه، قالوا لهم: ألم نعلمكم أن هذا يكون. فنحن نعلم من قبل الله ﷿ ما علمته الأنبياء، وبيننا وبين الله ﷿ مثل تلك الأسباب التي علمت بها الأنبياء عن الله ما علمت، وإن لم يكن ذلك الشيء الذي قالوا إنه يكون على ما قالوا، قالوا لشيعتهم بدا الله في ذلك بكونه.
وأما التقية، فإنه لما كثرت على أئمتهم مسائل شيعتهم في الحلال والحرام وغير ذلك من صنوف أبواب الدين فأجابوا فيها، وحفظ عنهم شيعتهم جواب ما سألوهم وكتبوه ودوّنوه، ولم يحفظ أئمتهم تلك الأجوبة بتقادم العهد وتفاوت الأوقات، لأن مسائلهم لم ترد في يوم واحد، ولا شهر واحد بل في سنين متباعدة وأشهر متباينة وأوقات متفرقة.
فوقع في أيديهم في المسألة الواحد عدة أجوبة مختلفة متضادة، وفي مسائل مختلفة أجوبة متفقة، فلما وقفوا على ذلك منهم ردوا إليهم هذا الاختلاف والتخليط في جواباتهم وسألوهم عنه، وأنكروا عليهم، فقالوا: من أين هذا الاختلاف وكيف جاز ذلك؟
قالت لهم أئمتهم: إنما أجبنا بهذا للتقية، ولنا أن نجيب بما أحببنا وكيف شئنا لأن ذلك إلينا، ونحن أعلم بما يصلحكم وما فيه بقاؤكم وكف عدوكم عنا وعنكم، فمتى يظهر من هؤلاء على كذب؟ ومتى يعرف لهم حق من باطل» (١) .
ولا شك أن هذه الصراحة تامة وشهادة على الشيعة منهم، وهذا التخليط إنما هو إفك علمائهم لا من الأئمة الذين ينتسبون إليهم مثل جعفر الصادق وغيره، وقد حاول محمد صادق آل بحر العلوم المعلق على كتاب النوبختي
_________________
(١) انظر فرق الشيعة للنوبختي ص ٨٥-٨٧.
[ ١ / ٣٨٩ ]
إيجاد مبررات ورد لهذا القول، لكنها مبررات واعتذارات مثل بيت العنكبوت.
أدلة الشيعة على جواز التقية:
تلمس الشيعة لمبدأ التقية بمفهوم لها نصوصًا حمَّلوها ما لم تحتمله من المعاني التي يعتقدون أنها تؤيد ما يذهبون إليه.
ومن تلك الأدلة التي تمسكوا بها ما ذكره بحر العلوم في تعليقه على فرق الشيعة للنوبختي بقوله: «التقية مما دل على وجوبه العقل إذا كانت لدفع الضرر الواجب، وقد دل عليه أيضًا القرآن العظيم، ثم نقل عن الطبرسي بعض الآيات يحتج بها (١):
١- قوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢) .
٢- قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ* فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٣)
٣- قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٤) .
٤- قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ (٥) .
وفي هذا يقول محمد مهدي الحسيني الشيرازي عن الشيعة: وهم يرون التقية لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٦) .
_________________
(١) انظر فرق الشيعة تعليق ص ٨٥-٨٦. وانظر الكافي ج ٢ ص ١٧٢.
(٢) سورة البقرة: ١٩٥
(٣) سورة الصافات:٨٨
(٤) سورة آل عمران: ٢٨
(٥) سورة النحل: ١٠٦
(٦) قضية الشيعة ص ٦. والآية من سورة آل عمران: ٢٨.
[ ١ / ٣٩٠ ]
والواقع أن استدلالهم بهذه الآيات على التقية التي يرونها استلال خاطئ وهذه الآيات وآيات أخرى كثيرة ليس فيها دلالة للشيعة على التقية التي هي بمعنى الكذب واستحلاله، بل تشير إلى جواز التورية في ظاهر الكلام إذا لزمت الضرورة، كقول إبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (١) أي من عملكم وعبادتكم للأوثان، وليس هو من الكذب بل فيه تعريض لمقصد شرعي كما يذكر العلماء (٢) وهو تكسير آلهتهم بعد ذهابهم عنها.
وأما الاستدلال بالآية: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) فإن معناها الأمر بالاتقاء من الكفار.
قال البغوي: «ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين، أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان؛ دفعًا عن نفسه من غير أن يستحل دمًا حرامًا أو مالًا حرامًا، أو يظهر الكفار على عورات المسلمين» (٣) .
وأما الآية ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ أي إلا من كان حاله مشرفًا على الخطر، واضطر إلى القول بالكفر فله أن يتقول به من غير أن يعتقد ويعمل به، بل يقول ما فيه تورية ومعاريض مع طمأنينة قلبه بالإيمان، وبحيث لا يشرح صدور الكفار بالمدح الظاهر لهم ولديانتهم، وإنما يلجأ إلى المعاريض التي
_________________
(١) سورة الصافات ٨٩.
(٢) انظر تفسير القرآن العظيم ج٤ ص١٣.
(٣) انظر تفسير البغوي ج١ ص ٢٩٢.
[ ١ / ٣٩١ ]
يكون فيها صادقًا، ولا تؤثر في دينه، كأن يقول لهم إنكم على معرفة، وعندكم تقدم ظاهر، قصوركم عالية وبساتينكم مثمرة، ويريد به أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون» .
قال ابن جرير في معنى الآية، بعد أن ذكر أنها نزلت في عمار بن ياسر ﵁: «فتأويل الكلام إذن، من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره على الكفر، فنطق بكلمة الكفر بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، موقن بحقيقته، صحيح على عزمه، غير مفسوح الصدر بالكفر، لكن من شرح بالكفر صدرًا فاختاره وآثره على الإيمان، وباح به طائعًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم» (١) .
ومن الجدير بالذكر أن هذه التقية الشيعية الباطلة لم يقصروها على الناس فقط بل جوزوها حتى على الأنبياء، وهذا خطأ وخلاف الحق، فإن الأنبياء لا يسلكون التقية التي يريدها الشيعة، ولا تجوز أبدًا، فالكذب لا يجوز عليهم، وكتمان الحق وإظهار الموافقة للكفار كذلك لا يجوز لهم، وإلا لما انتشرت دعوتهم، ولما ظهر الخلاف بينهم ويبن أقوامهم، ولما حصل عليهم من المتاعب والأخطار ما حصل مما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم مما لم يكن ليقع أبدًا لو استعمل الأنبياء التقية الشيعية المملوءة جبنًا ونفاقًا، وحاشا أن يسلكوا ذلك.
وقد يقول بعض الشيعة في احتجاجهم بالسنة: إننا نجد أن محمدًا ﷺ كان يلين القول ويبتسم في وجوه بعض الفسقة والظلمة، وهذا كما يرى هؤلاء تقية.
_________________
(١) انظر جامع البيان ج١٤ ص١٨٢
[ ١ / ٣٩٢ ]
والواقع أن هذه الأفعال التي صدرت عن النبي ﷺ إنما كانت من باب المداراة، ومن باب حسن الخلق وتأليف القلوب، مع أنه حصل مثل هذه المواقف لأناس ما كان الرسول ﷺ يخاف من جانبهم شيئًا حتى يقال إنها تقية منه لهم، ثم لم تكن هذه المداراة في أمور الدين إذ لم يعرف عن أحد من الأنبياء أنه دارى أحدًا في دينه، وإنما هو حسن الخلق ومقابلة الناس بالبشر مع تألفهم لأقوامهم، ولا ينافي هذا أن يقع في القلب كراهية ما هم عليه من فجور مع محبة الخير لهم وإرشادهم إليه وبذل النصح لهم بصدق وإخلاص.
وفي مختصر التحفة الاثني عشرية فوائد في هذا المعنى، ارجع إليها إن أحببت الزيادة (١) .
وفي الختام نود التنبيه إلى أن ما ينسبه الشيعة إلى علي ﵁ من قوله بالتقية -غير صحيح بروايات الشيعة أنفسهم وتناقضهم من حيث لا يعلمون. شأن كل باطل:
فقد رووا في كتبهم أن عليًا كان يهدد عمر في مواقف كثيرة، بل ويصل أحيانًا إلى الضرب والإهانة ورفع الصوت فيما يزعمون، وأن عليًا لو شاء لخسف بعمر وبغيره، وهذا يدل على أن عليًا ما كان بحاجة إلى التقية.
ثم رووا عن علي أيضًا أنه توقف عن بيعة أبي بكر زمنًا «ستة أشهر» لو كان يرى وجوب التقية لبايعه وأبطن الخلاف.
وعلى هذا فإنهم حين ينسبون إلى الأئمة القول بالتقية، ثم يثبتون لهم صفات لا تليق إلا بالله يعتبر كلامهم متناقضًا.
_________________
(١) مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٨٨ - ٢٩٦.
[ ١ / ٣٩٣ ]
فقد روى الكليني أن الأئمة لا يموتون إلا برغبتهم واختيارهم، وقد أجمع الشيعة على صحة هذا.
كما روى أيضًا أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيء، ومن كانت هذه صفاته فإن التقية في حقه تعتبر جبنًا وخوفًا لا داعي له، وكيف يلجؤون إلى التقية وهم يعلمون كل ما سيجري عليهم.
ثم يتناقض كلامهم في القضية الواحدة تبعًا لحال الإمام وظروفه، ولنفرض أنهم يصادفون متاعب من مخالفيهم فهل يجمل بهم الهرب منها بالتقية وخداع الناس؟ فأين فضيلة الصبر وامتثال أمر الله وتحمل المشاق في سبيل الله؟ لأن هذه هي وظيفة الأنبياء والمصلحين من الناس، وهي فضيلة لا يليق بهم تجنبها باستحلال الكذب.
وأخيرًا فإنه يلزم الشيعة أن يصفوا الحسن بن علي ﵁ بأنه ليس له كرامة وفضل، لأنه لم يلتزم بالتقية مع معاوية، وأن المنافقين في عهد النبي ﷺ كانوا أفضل الناس لأنهم أتقاهم أي أكثرهم عملًا بالتقية حسب تفسير الشيعة الخاطئ (١) .
ولولا شدة التعصب وتزيين الشيطان لهم أعمالهم لرأوا أن هذه الخرافات التي جعلت أعداء الإسلام يسخرون منهم بسببها أنها من أهم ما ينبغي عليهم محاربتها، وأن عليهم أن يحرروا أفكارهم من هذه الشنائع التي هي إلى الوثنية أقرب- وكل ذلك من أهم ما ينبغي عليهم القضاء عليه إذا أرادوا تصحيح دينهم وتحرير عقولهم من هذه المبادئ البدائية:
يقول الدكتور الموسوي في رده على علماء الشيعة:
_________________
(١) انظر لمزيد التفاصيل مختصر التحفة الاثني عشرية الصفحات المشار إليها سابقا، حيث ذكر أشياء كثيرة يضيق المجال عن ذكرها.
[ ١ / ٣٩٤ ]
«إن على الشيعة أن تجعل نصب أعينها تلك القاعدة الأخلاقية التي فرضها الإسلام على المسلمين، وهي أن المسلم لا يخادع، ولا يداهن، ولا يعمل إلا الحق، ولا يقول إلا الحق ولو كان عليه، وأن العمل الحسن حسن في كل مكان، والعمل القبيح قبيح في كل مكان.
وليعلموا أيضًا أن ما نسبوه إلى الإمام الصادق من أنه قال التقيّة ديني ودين آبائي «إن هو إلا كذب وزور وبهتان على ذلك الإمام العظيم» (١) .