هذه إحدى خرافات الشيعة في أئمتهم فقد ادعوا عصمتهم من كل الذنوب والخطايا، الصغائر والكبائر، لا خطأ ولا نسيانًا منذ طفولتهم إلى نهاية حياتهم وجوبًا لا شك فيه.
سبب ذلك:
وعند البحث عن سبب هذا الاعتقاد الذي جعلهم ينزلون أئمتهم هذه المنزلة المستحيلة، نجد أن الذي حملهم على ذلك هو أن العصمة عندهم شرط من شروط الإمامة (٢)، ثم رفعوا أئمتهم وغلوا فيهم غلوًا فاحشًا إلى أن اعتبروهم أفضل من الأنبياء، لأنهم نواب أفضل الأنبياء (٣) .
ثم زادوا فادعوا لهم أنهم يعلمون الغيب (٤)، وأن جزءًا إلهيًا حل فيهم وإذا كان الأمر كذلك فالعصمة أمر طبيعي أن توجد فيهم.
_________________
(١) انظر كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ص ٨٧، ومن ص٩٢ إلى ص ٩٤، وص ٢٢١، ومن ص ٨٤ إلى ص ٨٧.
(٢) كما نص على ذلك الطوسي في كتاب الغيبة ص ٣/٤.
(٣) مختصر التحفة الإثني عشرية ص ٢٨٤.
(٤) انظر كتاب الحجة من الكافي ونصه: «باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفي عليهم شيء صلوات الله عليهم جـ١ صـ٢٠٣ لترى الغلو في الأحاديث التي أوردها وسماها أحاديث أيضًا، وانظر أيضًا باب نادر فيه ذكر الغيب ص ٢٠٠ ج١ لترى النصوص علي أن الأئمة يعلمون الغيب.
[ ١ / ٣٧٢ ]
إضافة إلى ذلك قالوا: إن تنصيب الإمام إنما شرع من أجل جواز الخطأ على غير الأئمة، فلو جاز الخطأ على الإمام وهو الهادي إلى الحق لاحتجنا إلى هاد آخر، وهذا الهادي يمكن أن يلحقه الخطأ فيحتاج إلى هاد آخر، وهكذا فيلزم التسلسل فقطعًا للتسلسل ينبغي أن يكون كل إمام من أولئك معصومًا في وقته - حسب زعمهم- حتى يؤمن على حفظ الشريعة، وإلا احتجنا إلى حافظ آخر، إذ كيف يؤتمن على الشريعة شخص معرض للخطأ (١) .
كذلك من الأسباب أيضًا في استنادهم في القول بعصمتهم إلى ما يزعمونه من النصوص عن أئمتهم، فقد نقل الكليني -فيما يكذب الشيعة على آل البيت- أن جعفر الصادق قال: «نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله بطاعتنا ونهى عن معصيتنا.. نحن حجة الله البالغة على من دون السماء وفوق الأرض» .
وفي رواية أنه قال لرجل اسمه سدير حين سأله بقوله: جعلت فداك، ما أنتم؟ قال: نحن خزان علم الله، ونحن تراجمة وحي الله، ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض (٢) .
وادعاء الشيعة لأئمتهم علم الجفر هو غلو آخر منهم، وهو عبارة عن العلم الإجمالي بلوح القضاء والقدر والمحتوي على كل ما كان وما يكون كليًا وجزئيًا، وأنه علم يتوارثه أهل البيت ومن ينتمي إليهم، ويأخذ منهم المشائخ الكاملون، وكانوا يكتمونه كل الكتمان.
_________________
(١) انظر كتاب الغيبة ص ١٥.
(٢) الكافي، كتاب الحجة ج١ ص ١٤٩.
[ ١ / ٣٧٣ ]
ويذكر الجرجاني أن الجفر والجامعة كتابان ذكر فيهما على طريقة الحروف والحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم كما يدعي هؤلاء الغلاة.
وقيل: إن الجفر كتاب وضعه جعفر الصادق، وهو مكتوب على جلد الجفر لأخبار أهل البيت.
وقال ابن خلدون: إن كتاب الجفر كان أصله أن هارون بن سعيد العجلي كان له كتاب يرويه عن جعفر الصادق، وفيه علم ما سيقع لأهل البيت على العموم، وسماه الجفر باسم الجلد الذي كتب فيه، لأن الجفر في اللغة هو الصغير، وهذا لا شك من الكذب الذي اختلقه غلاة الشيعة في أئمتهم، فإنه لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، ولم يكتب الله لأحد علم المغيبات.
ولقد جاء الكليني بالغرائب عن أبي عبد الله تحت باب سماه هكذا: «باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة ﵍» (١) حيث عرَّف بالصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة في حديثه الآتي: «عدة من أصحابنا عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله فقلت له: جعلت فداك، إني أسألك عن مسألة، ههنا أحد حتى يسمع كلامي؟ قال: فرفع أبو عبد الله «ع» سترًا بينه وبين بيت آخر فاطلع فيه، ثم قال: يا أبا محمد، سل عما بدا لك، قال: قلت: جعلت فداك، إن شيعتك يتحدثون أن رسول الله ﷺ علّم عليًا بابًا يفتح له منه ألف باب؟ قال: فقال: يا أبا محمد علّم رسول الله ﷺ عليًا «ع» ألف باب، يفتح من كل باب ألف باب.
قال: قلت: هذا والله العلم.
_________________
(١) المصدر السابق صـ ١٨٤
[ ١ / ٣٧٤ ]
قال: فنكت ساعة في الأرض، ثم قال: إنه لعلم، وما هو بذلك.
قال: ثم قال: يا أبا محمد، وإن عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟
قال: قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟
قال: صحيفة طولها سبعون ذراعًا بذراع رسول الله، وإملائه من فلق فمه، وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام، وكل شيء يحتاج الناس إليه حتى الأرش في الخدش. وضرب بيده إلي وقال: أتأذن لي يا أبا محمد؟ قال: جعلت فداك، إنما أنا لك فاصنع ما شئت.
قال: فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا، كأنه مغضب.
قال: قلت: وهذا والله العلم.
قال: إنه لعلم وليس بذاك. ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن عندنا الجفر، وما يدريهم ما الجفر؟
قال: قلت: وما الجفر؟
قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين، وعلم العلماء الذين مضوا من بني اسرائيل.
قال: قلت: إن هذا هو العلم.
قال: إنه لعلم، وليس بذاك. ثم سكت ساعة. ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة (ع)، وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟
قال: قلت: وما مصحف فاطمة (ع)
قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم
[ ١ / ٣٧٥ ]
حرف واحد.
قال: قلت: هذا والله العلم.
قال: إنه لعلم، وما هو بذاك. ثم سكت ساعة، ثم قال: إن عندنا علم ما كان، وعلم ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
قال: قلت: جعلت فداك. هذا والله هو العلم.
قال: إنه لعلم، وليس بذاك.
قال: قلت: جعل فداك، فأي شيء العلم؟
قال: ما يحدث بالليل والنهار، الأمر بعد الأمر، والشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة (١) .
ثم أورد روايات أخرى كثيرة، ولا نملك إزاء هذه الخرافات إلا أن نقول: ﴿سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ (٢) .
ولا تستغرب أيها القارئ الكريم حين يتحدثون ويكذبون على أبي عبد الله، فقد كذبوا حتى على حمار رسول الله ﷺ عفير، حيث أورد الكليني في ذلك رواية طويلة قال في آخرها:
إن حمار رسول الله ﷺ عفير كلم رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي، إن أبي حدثني عن أبيه، عن جده، عن أبيه أنه كان مع نوح في السفينة، فقام إليه نوح فمسح على كفله، ثم قال يخرج من صلب هذا الحمار، حمار يركبه سيد النبيين وخاتمهم فالحمد لله الذي جعلني ذلك الحمار. الكافي ص ١٨٤.)
_________________
(١) الكافي ١/ ١٨٥.
(٢) سورة النور: ١٦.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وكانت نهاية هذا الحمار فيما يذكر الكليني أنه حين مات الرسول ﷺ قطع الحمار خطامه، ثم فر يركض حتى أتى بئر بني خطمة بقباء فرمى بنفسه فيها، فكانت قبره.
إنهم لا يتورعون عن الحديث حتى على الحيوانات فما بالك بأئمتهم؟
ومن كلام الخميني -وهو أحد أئمتهم في هذا العصر- قوله عن هذه الخرافة: «نحن نفخر بأن أئمتنا هم الأئمة المعصومون، بدءًا من علي بن أبي طالب وختمًا بمنقذ البشرية الإمام المهدي صاحب الزمان، عليه وعلى آبائه التحية والسلام، وهو بمشيئة الله القدير حي يراقب الأمور» (١) .
وقد أعان الله على الكاذب بالنسيان -كما يقال- إذ توجد لهم روايات في كتبهم يخبرون فيها عن بعض أهل البيت من الأئمة، وفيها اتهامات لهم وذم في مقابل ذلك الغلو فيهم فيصفونهم أحيانًا بقلة العلم، وأحيانًا أخرى بالغفلة والتناقص في أفكارهم أيضًا؛ بل ويصفونهم بصفات شنيعة مما يكذب هذه العلامات والشروط التي تصوروا وقوعها في كل إمام من أئمتهم.
قال الطوسي في ذم جعفر بن علي بعد سباب كثير له قال فيه: «وما روي فيه وله من الأقوال والأفعال الشنيعة أكثر من أن تحصى ننزه كتابنا عن ذلك» (٢) .
ثم انظر تفضيل الخميني لإيران في عصره على الحجاز في عصر
_________________
(١) الوصية الإلهية للخميني ص ٥
(٢) كتاب الغيبة ص ١٣٧.
[ ١ / ٣٧٧ ]
رسول الله ﷺ، وعلى الكوفة والعراق في عهد علي ﵁، حيث قال: «إنني أقولها بجرأة: إن شعب إيران بجماهيره المليونية في العصر الحاضر هو أفضل من شعب الحجاز، في عهد رسول الله ﷺ، وشعب الكوفة والعراق على عهد أمير المؤمنين والحسين بن علي» (١) .
إبطال ما ادعته الشيعة من عصمة أئمتهم:
أما اعتقادهم خوف وقوع الخطأ من الإمام لو لم يكن معصومًا، فإنه من المعلوم عند الناس أن المقصود من تنصيب الإمام هو تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد، وحفظ الأمن والنظر في مصالح العامة وغير ذلك، وليس من شرط بقائه في الحكم أن يكون معصومًا. ولم يطالبه الشرع بإصابة عين الحق حتما في كل قضية، وإنما المطلوب منه أن يتحرى العدل بقدر الإمكان، ولا مانع بعد ذلك أن يخطئ ويصيب كبقية الناس.
وادعاؤهم أنه لا يجوز عليه الخطأ يكذبه العقل والواقع.
وكذلك زعمهم أنه لا بد من إمام معصوم للناس، فإنه لا يكفي إمام واحد فإن البلدان متباعدة، ووجود إمام واحد في كل عصر لا يكفي للجميع، فوجب إذًا أن يكون في كل بلد إمام معصوم يباشر الحكم بنفسه وإلا هلك الناس، ولا يجوز له أن ينيب أحدًا مكانه لجواز الخطأ عليه، وفي هذا من العنت ما لا خفاء فيه.
ولو طلب من هؤلاء الشيعة الذين يدّعون عصمة أئمتهم أن يأتوا بدليل واحد من القرآن أو السنة النبوية أو عن الصحابة، أو عن إجماع الأمة لما
_________________
(١) الوصية الإلهية ص ١٦.
[ ١ / ٣٧٨ ]
استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، إذ القرآن الكريم لم يصرح بعصمة أحد، بل أثبت أن المعصية من شأن الإنسان، فإنه قد صدرت من آدم الذي هو أبو البشر، وأخبر عن موسى بأنه قتل، وعن يونس أنه ذهب مغاضبًا.
وفيه عتاب من الله تعالى لبعض أنبيائه ورسله بسبب تصرفات صدرت منهم.
وورد في السنة النبوية ما يشير إلى ذلك في وقائع صدرت من الرسول الكريم ﷺ كما قال تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (١)، وما ورد في عتابه عن أخذهم الفداء من أسارى معركة بدر، وغير ذلك مما هو معروف في الكتاب والسنة وأقوال علماء الإسلام.
ومن العجيب أنه قد صدح كل الأئمة بعدم عصمتهم في كثير من المناسبات، ثم يروي الشيعة بعض ذلك في كتبهم، ثم لا يأخذون بها.
روى الكليني في باب التسليم على النساء، عن علي ﵁ أنه كان يكره التسليم على الشابة منهن ويقول: «أتخوف أن يعجبني صوتها، فيدخل علي أكثر مما أطلب من الأجر» (٢) .
وكان يقول لأصحابه: «لا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل فإني لست آمن أن أخطئ» (٣) .
ورووا كذلك أن الحسين بن عليّ بن أبي طالب كان يبدي الكراهية من صلح أخيه الحسن مع معاوية، ويقول: «لو جز أنفي كان أحب إلي مما فعله أخي» (٤) .
_________________
(١) سورة التوبة: ٤٣.
(٢) الكافي ج٢ ص ٤٧٣ ولو كان علي يدعي العصمة لنفسه كما يزعم جهال الشيعة لما خاف الإثم
(٣) انظر مختصر التحفة الإثني عشرية ص١٢١
(٤) المصدر السابق، نفشس الجزء والصفحة.
[ ١ / ٣٧٩ ]
ومن المعلوم أنه إذا خطأ أحد المعصومين الآخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة، فأين العصمة بعد ذلك؟
ثم أن دعوى عصمة أحد من الناس -إلا ما ورد فيه الخلاف في عصمة الأنبياء- دعوى تعارض الطبيعة البشرية المركبة من الشهوات، كما أنه لا يمدح الإنسان لأنه معصوم، بل يمدح لأنه يجاهد نفسه على فعل الخير كما أخبر الله بذلك في أكثر من موضع من كتابه الكريم.
ولهذا رتب الله الجزاء على حسب قيام الشخص بما كلفه الله به، وأعطاه القدرة والإرادة ليكون بعد ذلك طائعًا أو عاصيًا، فاعلًا أو تاركًا، ولو عصم الله من المعاصي أحدًا -غير الأنبياء- لما كان للتكليف معنى، بل حتى الأنبياء كلفهم الله تعالى ولم يرفع الله عن أحد التكليف وامتثال أمره ونهيه، ما دام الشخص في كامل عقله وصحته، ولو لم يكن الإنسان محلًا للطاعة والعصيان لما كان للتكليف معنى.