لابد وأن يكون في حكم العقل تمييز بين معاملة الصغير الذي لم يبلغ سن التكليف وبين الكبير المكلف. والخوارج لم يتفقوا على حكم واحد في الأطفال سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة ونوجز أهم آرائهم في هذه القضية فيما يلي:.
١- منهم من اعتبرهم في حكم آبائهم المخالفين فاستباح قتلهم باعتبار أنهم مشركون لاعصمة لدماء آبائهم.
٢- ومنهم من جعلهم من أهل الجنة ولم يجوز قتلهم.
٣- واعتبرهم بعضهم خدما لأهل الجنة.
٤- ومنهم من توقف فيهم إلى أن يبلغوا سن التكليف ويتبين حالهم.
٥- والإباضية تولوا أطفال المسلمين وتوقفوا في أطفال المشركين، ومنهم من يلحق أطفال المشركين بأطفال المؤمنين.
أما القول الأول: فهو للأزارقة واستدلوا بقوله الله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (١) . وتبعهم في هذا بعض فرق الخوارج كالعجاردة والحمزية والخلفية.
_________________
(١) سورة نوح:٢٧
[ ١ / ٢٩٢ ]
وأما القول الثاني: فهو للنجدات والصفرية والميمونية واستدلوا بقول الرسول ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (١) والذين توقفوا في الحكم عليهم قالوا لم نجد في الأطفال ما يوجب ولا يتهم ولا عداوتهم إلى أن يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا به أو ينكرونه.
هذه خلاصة أهم آراء الخوارج في هذه القضية والواقع أن هذه المسألة من المسائل الخلافية بين العلماء.
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين إذا ماتوا على الإيمان فإن الله تعالى يدخلهم الجنة مع آباءهم وإن نقصت أعمالهم عنهم لتقر أعين أبائهم بهم فيكونون مع أبائهم في الجنة تفضلا من الله تعالى على ضوء قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) .
ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد أنه قال بأنهم في الجنة دون خلاف.
وبعضهم ذهب إلى أنهم تحت المشيئة.
وجدير بالذكر أن أطفال المؤمنين الذين نتحدث عنهم هنا هم الذين يعتبرهم الخوارج أطفال مشركين.
وأما أطفال المشركين الذين هم عبدة الأوثان ومن في حكمهم فإن العلماء اختلفوا فيهم اختلافًا كثيرًا.
١- فذهب بعضهم إلى التوقف في أمرهم فلا يحكم لهم بجنة ولا نار
_________________
(١) انظر كتاب الأديان ١٠٤.
(٢) الطور: ٢١ وانظر تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٢٤١.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وأمرهم إلى الله.
٢- أنهم في النار.
٣- أنهم في الجنة.
٤- أنهم في منزلة بين المنزلتين أي الجنة والنار.
٥- أن حكمهم حكم آبائهم في الدنيا ولآخرة تبعًا لآبائهم حتى ولو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لإفراطهما بالنار.
٦- أنهم يمتحنون في عرصات القيامة بطاعة رسول الله ﷺ إليهم فمن أطاعه منهم دخل الجنة ومن عصاه دخل النار.
وقد استعرض ابن القيم أدلة القائلين بهذه الآراء وانتهي إلى نصرة الرأي الأخير ثم قال «وبهذا يتألف شمل كلها وتتوافق الأحاديث ويكون معلوم الله الذي أحال عليه النبي ﷺ حيث قال «الله أعلم بما كانوا عاملين» .
وأيد ابن حزم القول بأن أطفال المشركين في الجنة وكذا النووي وقد توقف شيخ الإسلام في الحكم عليهم.
وأما استباحة قتل النساء كما - يرى الخوارج - فقد أخطأوا حين جوزوا ذلك سواء كانوا من المسلمين أو من المشركين فقد صحت الأحاديث بالمنع من قتلهم إلا أن يكون ذلك في بيات لا يتميز فيه الأطفال والنساء فلا بأس من قتلهم إذا وقع دون عمد. (١)
*******************************
_________________
(١) انظر: التفسير القيم ص ٤٥١، فتح القدير٥/ ٩٨ جامع البيان: ٢٧/٢٥ طريق الهجرتين: ٣٨٧، الفصل لابن حزم: ٤/ ٧٤.
[ ١ / ٢٩٤ ]