اختلفت الروايات عن موقف علي ﵁ من ابن سبأ حينما ادعى ألوهيته:
١- بعض الروايات تذكر أن عليًا استتابه ثلاثة أيام فلم يرجع فأحرقه في جملة سبعين رجلًا (٣) .
٢- وبعض الروايات تذكر أن ابن سبأ لم يظهر القول بألوهية علي إلا بعد وفاته، وهذا يؤيد الرواية التي تذكر أنه نفاه إلى المدائن حينما علم ببعض أقواله، وغلوه فيه (٤) .
_________________
(١) انظر تفسير القرآن العظيم ج ٣ ص ٤٠٢-٤٠٣.
(٢) انظر مقالات القمي ص ٢٠.
(٣) منهج المقال ص ٢٠٣ للاسترابادي. وكذا قال الشيعي الحسن بن علي في كتابه «الرجالي» ص ٤٦٩ نقلًا عن الشيعة والتشيع ص٥٦-٥٧.
(٤) شرح نهج البلاغة ج٢ص٣٠٩، وانظر الملل والنحل للشهرستاني. ج ص١٥٧.
[ ١ / ٣٢٤ ]
٣- وبعض الروايات تذكر أن عليًا علم بمقالة ابن سبأ في دعوى ألوهيته، ولكنه اكتفى بنفيه خوف الفتنة واختلاف أصحابه عليه، وخوفًا كذلك من شماتة أهل الشام.
وكان هذا بمشورة ابن عباس ﵄، أو الرافضة كما قيل في هذه الرواية (١) .
والواقع أن الروايات التي تذكر أن عليًا ترك ابن سبأ فلم يحرقه واكتفى بنفيه مع عظم دعواه وشناعة رأيه فيه -أمر فيه نظر، بل غير وارد كما أتصور، إذ يستعبد- حسبما يظهر لي- أن يتركه علي يعيث في الأرض فسادًا، ويدعوا إلى ألوهيته أو نبوته أو وصايته أو التبرأ من أصحاب الرسول ﷺ ثم يكتفي بنفيه فقط إلى المدائن، وهو يعلم أنه باق على غلوه، وأنه سيفسد كل مكان يصل إليه.
ويمكن أن يقال -وهو أقل اعتذار: إنه تركه لعدم ثبوت تلك الأقوال عنده؛ لأن ابن سبأ كان يرمي بها من خلف ستار.
أو لأن دعوى الألوهية لم توجد إلا بعد وفاة علي ﵁ كما يرى بعضهم، وأنه حينما نفاه إلى المدائن كانت دعواه لم تصل إلى حد تأليهه لعلي ﵁.
وقد جرأت هذه الدعوى الكثير بعد ذلك على دعوى الألوهية لأشخاص من آل البيت بل ومن غيرهم.
ومما يجدر التنبيه إليه وقوع أخطاء حول هذه الشخصية تناقلها بعض
_________________
(١) انظر الفرق بين الفرق ص ٢٣٥.
[ ١ / ٣٢٥ ]
العلماء نبيِّنها فيما يلي:
١- أن بعض علماء الشيعة، ومن المستشرقين أيضًا من يحاول إنكار وجود ابن سبأ ويزعم أن شخصيته أسطورية منتحلة (١) .
وهؤلاء لا يوجد لهم مستند إلا شبهات واهية، وأصبح إنكارهم له أشبه ما يكون بإنكار ضوء الشمس في وسط النهار، إضافة إلى أن هذا الإنكار دعوى خطيرة، إذ لو صح التشكيك في وجوده لسهل التشكيك أيضًا في وجود غيره ممن امتلأت بهم مصادر المسلمين، ولعلها خطة يبيتها هؤلاء للوصول إلى هذا الهدف البعيد ليفقد المسلم بعد ذلك ثقته بتاريخه وفيما كتبه علماؤه، فيكذبهم أو يبقى في حيرة وشك.
٢- وقع لبعض العلماء التباس بين عبد الله بن سبأ، وعبد الله بن وهب الراسبي (٢)، ورأى أنهما شخصية واحدة، وهذا خطأ ظاهر.
فإن الراسبي هو زعيم المحكمة الأولى -كما سبق-، وابن سبأ هو زعيم الحركة السبئية.
٣- وجد من كلام بعض العلماء ما يشير إلى التفرقة بين ابن السوداء، وبين ابن سبأ (٣) . والواقع الصحيح غير ذلك فإن ابن سبأ هو نفسه ابن السوداء كما يسميه بعضهم. ومن فرق بينهما فلاشتباه الأمر عليه.
وأما بالنسبة للرد على المسألة الأخيرة «دعوى ألوهية علي» فهي واضحة
_________________
(١) انظر ابن سبأ حقيقة لاخيال ص ٧ - ٢٤.
(٢) انظر عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام ص ٣٩- ٤٢.
(٣) المصدر السابق ص ٤٢.
[ ١ / ٣٢٦ ]
البطلان، فإن ادعاء الألوهية لأي شخص كلام ساقط يدل على نية خبيثة ومعتقد رديء أو جنون صاحبه.
ومثله الزعم بأن عليًا لم يقتل، وأنه لا يجوز عليه الموت. وقد رد البغدادي في كتابه «الفرق بين الفرق» (١)، وكذا ابن حزم أيضًا (٢) وغيرهما على مزاعم ابن سبأ بعدم موت عليّ بأدلة عقلية منها:
١- إن كان مقتول عبد الرحمن بن ملجم شيطانًا وليس بعليّ، فلم لعنتم ابن ملجم وقد قتل شيطانًا؟
٢- قولكم إن الرعد صوت علي، والبرق تبسمه أو سوطه يبطله أن البرق والرعد كانا موجودين ومعروفين منذ القدم، واختلف الفلاسفة قبل الإسلام في علتهما لا في وجودهما.
٣- موسى وهارون ويوشع أعظم رتبة في نفس ابن سبأ واليهود من علي فلم صدقوا بموتهم ونفوا حلول الموت بعلي؟
٤- دعواهم أن الأئمة ينبع لهم العسل والسمن من الأرض (٣) - يكذبه أن الحسين وأصحابه بكربلاء قتلوا عطاشًا، ولم ينبع لهم الماء فضلًا عن السمن والعسل (٤) .
_________________
(١) الفرق بين الفرق ص ٢٣٦.
(٢) الفصل لابن حزم ج ٤ ص١٨٠.
(٣) يشير هنا قول ابن سبأ حينما بلغه قتل علي «والله لينبغي لعلي في مسجد الكوفة عينان تفبض إحداهما عسلا والأخرى سمنا ويغترف منهما شيعته» .
(٤) انظر الفرق بين الفرق ص ٢٣٦.
[ ١ / ٣٢٧ ]
زعمهم أن عليًا في السحاب على حد ما قال إسحاق بن سويد (١) .
برئت من الخوارج لست منهم من الغزّال منهم وابن باب
ومن قوم إذا ذكروا عليًا يردون السلام على السحاب
هذا الزعم يبطله أن السحاب متفرق فوق الأرض، يبدأ وينتهي في حركات متواصلة ومتقطعة..ففي أي سحاب يكون؟ وعلى أي أرض يستقر؟
ورغم تفاهة هذه الدعوى في علي ﵁ إلا أنها وجدت مؤيدين ومناصرين، وقد صدق الله تعالى حين قال في وصف البشر حين يضلون الصراط المستقيم: ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ .
ورغم تفاهة دعوى ابن سبأ في علي ﵁ فقد ذكر علماء الفرق من الردود عليها والإلزامات الواردة عليها ما لا تستحق من الاهتمام.