كيف صارت الكيسانية مختارية؟
حينما تقرأ بعض كلام علماء الفرق تجد أن فيه مشكلة خفية وخلطًا في التسمية، إذ يجعل بعضهم الكيسانية هي نفسها فرقة المختارية التي تزعمها
_________________
(١) مقالات القمي ص ٢٣. وانظر لمزيد الأخبار فرق الشيعة للنوبختي.
(٢) الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص ١٤٧.
(٣) انظر مقالات القمي ص٢١.
[ ١ / ٣٢٩ ]
المختار ابن أبي عبيد كما فعل القمي وغيره (١) .
وبعضهم يجعل الكيسانية فرقة مستقلة، تزعمها رجل يقال له كيسان كما فعل الشهرستاني وغيره.
والذي يتضح لي أن الكيسانية عندما نشأت كانت فرقة مستقلة، تزعمهم رجل يسمى كيسان الذي هو تلميذ لمحمد بن الحنفية أو مولى لعلي، وحينما جاء المختار بن أبي عبيد انضم إليه هؤلاء وكونوا بعد ذلك فرقة المختارية
ولقد كان لفرقة المختارية أحداث هامة في التاريخ بقيادة المختار. فمن هو المختار بن أبي عبيد الذي تلقفته الكيسانية للانقضاض به على قتله الحسين ابن علي ﵁؟
المختار بن أبي عبيد الثقفي:
هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، ولد في الطائف في السنة الأولى للهجرة، ووالده صحابي استشهد في معركة الجسر حينما كان قائدًا لجيش المسلمين في فتح العراق، وقام بكفالة المختار عمه سعيد بن مسعود الثقفي الذي كان واليًا على الكوفة لعلي ﵁.
وقد نشأ المختار على جانب من الذكاء والفطنة مراوغًا ماكرًا غير صادق في تشيعه، وإنما كان يريد من ورائه تحقيق طموحه السياسي بأي وجه، وله مواقف تشهد بصحة هذا القول عنه ذكرها أهل التاريخ والفرق (٢) .
وقد لقب بكيسان لأسباب هي:
_________________
(١) مقالات القمي ص٢١.
(٢) انظر ترجمة البداية جـ٨ صـ٢٨٩، وانظر والنحل ج ١ صـ١٤٧.
[ ١ / ٣٣٠ ]
١- منهم من يقول: إنه نسبة إلى الغدر (١)، لأن كيسان في اللغة العربية اسم للغدر، وكان المختار كذلك.
٢- أنه أطلق عليه هذا اللقب باسم مدير شرطته المسمى بكيسان (٢) والملقب بأبي عمرة الذي أفرط في قتل كل من شارك ولو بالإشارة في قتل الحسين، فكان يهدم البيت على من فيه، حتى قيل في المثل: «دخل أبو عمرة بيته» كناية عن الفقر والخراب.
أنه أطلق على المختار هذا اللقب باسم كيسان الذي هو مولى علي بن أبي طالب (٣) .
وذهب بعض الشيعة ومنهم النوبختي (٤) إلى أن هذا اللقب أطلقه عليه محمد بن الحنفية على سبيل المدح، أي لكيسه، ولما عرف عنه من مذهبه في آل البيت؛ لأن الكيسانية زعموا أن محمد بن الحنفية هو الذي كلف المختار بالثورة في العراق لأخذ الثأر للحسين، وهذا ليس بصحيح كما سيأتي.
وقد كان للمختار أدوار مع ابن الزبير، وخاض معارك في العراق خرج منها ظافرًا فأعجبته نفسه، وأخذ يسجع كسجع الكهان، ويلمح لأناس ويصرح لآخرين أنه يوحى إليه، فانفض عنه كثير من أصحابه، وقُتل في
_________________
(١) القاموس المحيط ج٢ ص ٢٧٥.
(٢) مقالات القمي ص ٢١، فرق النوبختي ص ٤٥.
(٣) مقالات القمي ص ٢٢، فرق النوبختي ص ٤٥.
(٤) فرق الشيعة ص٤٨.
[ ١ / ٣٣١ ]
حربه مع مصعب بن الزبير سنة ٦٧هـ، وتفرق أتباعه (١)، وصدق عليه الحديث الذي روته أسماء بنت أبي بكر وغيرها أنه كذاب ثقيف (٢) .
محمد بن الحنفية:
أما ابن الحنفية الذي جعله المختار واجهة له فهو محمد بن علي بن أبي طالب، وأمه خولة، قيل: بنت جعفر، وقيل: بنت أياس الحنفية، وهي من سبي اليمامة في حروب الردة، صارت إلى علي. وقيل: إنها سندية وكانت أمة لبني حنيفة فنسبت إليهم.
ولد ابن الحنفية سنة ١٦هـ في عهد عمر بن الخطاب، ونشأ شجاعًا فاضلًا عالمًا، دفع إليه أبواه الراية يوم الجمل وعمره ٢١سنة، وقد تنقل بعد وفاة والده فرجع إلى المدينة ثم انتقل إلى مكة ثم منى في عهد ابن الزبير ثم إلى الطائف، ثم قصد عبد الملك بن مروان بالشام وتوفي سنة ٨١هـ قبل بالطائف، وقيل بأيلة من فلسطين، وقيل لم يمت بل حبسه الله في جبل رضوى القريب من ينبع، وهذا من تحريف الشيعة.
وبعد وفاته اختلف الشيعة فيما بينهم:
فذهب بعضهم إلى أنه مات وسيرجع. وذهب آخرون إلى أنه لا زال حيًا بجبل رضوى قرب المدينة عنده عينان نضاختان، إحداهما تفيض عسلًا، والأخرى تفيض ماءً، عن يمينه أسد يحرسه، وعن يساره نمرٌ يحرسه، والملائكة تراجعه الكلام، وأنه المهدي المنتظر، وأن الله حبسه هناك إلى أن يؤذن له في الخروج، فيخرج ويملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا.
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٦ ص ٦٥.
(٢) سنن الترمذي ج ٤ ص ٤٩٩.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وفي هذه الخرافات يقول السيد الحميري أو كثير عزة على رواية في قصيدة له:
ألا حي المقيم بشعب رضوى *** واهد له بمنزله السلاما
وقل ياابن الوصي فدتك نفسي *** أطلتَ بذلك الجبل المقاما
وما ذاق ابن خولة طعم موت *** ولا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بجانب شعب رضوى *** تراجعه الملائكة الكلاما
وإن له لرزقًا كل يوم *** وأشربه يعل بها الطعاما
أضر بمعشر وآلوك منا *** وسموك الخليفة والإماما
وعادوا فيك أهل الأرض طرا *** مقامك عنهم سبعين عاما (١)
وقد اختلف الكيسانية في سبب حبس ابن الحنفية بجبل رضوى:
١- ذهب بعضهم -وأراد أن يقطع التساؤل- إلى القول بأن سبب حبسه سر الله، لا يعلمه أحد غيره، وهو تخلص من هذه الكذبة التي زعموها في حبسه.
٢- وبعضهم قال: إنه عقاب من الله له بسبب خروجه بعد قتل الحسين إلى يزيد بن معاوية، وطلبه الأمان له، وأخذه عطاءه.
٣- بعضهم قال: إنه بسبب خروجه من مكة قاصدًا عبد الملك بن مروان هاربًا من ابن الزبير ولم يقاتله (٢) .
_________________
(١) أوردها القمي في مقالاته ص٢١ - ٣٢، والنوبختي في فرقه ص ٥١ باختصار.
(٢) وانظر أخباره في مروج الذهب ج ٤ ص ٨٥ -١٢٣. وفي الفرق بين الفرق ص٣٩-٥٣ وفي مقالات القمي ص ٣٠-٣١.
[ ١ / ٣٣٣ ]
والحقيقة أنك لا تدري كيف تبلدت عقول هؤلاء إلى حد أن يعتقدوا هذا الاعتقاد الغريب في أن الله غضب على ابن الحنفية من مجرد زيارته لهؤلاء الحكام من المسلمين، والذين لهم يد مشكورة في انتشار رقعة الإسلام، فأوصل الله -بزعمهم- عقابه إلى هذا الحد من السنين الطويلة التي شكى منها الحميري سبعين عامًا، وقد بقي الكثير جدًا والتي ستمتد إلى أن يغير هؤلاء الحمقى عقيدتهم هذه.