اتفقت كلمة علماء الفرق -الأشعري فمن بعده- على عد الإباضية فرقة من فرق الخوارج، وليس المخالفون للإباضية فقط هم الذين اعتبروهم في عداد الخوارج، وإنما بعض علماء الإباضية المتقدمون أيضًا؛ إذ لا يوجد في كلامهم ما يدل على كراهيتهم لعد الإباضية فرقة من الخوارج.
ولكن بالرجوع إلى ما كتبه بعض العلماء الإباضية مثل أبي اسحاق أطفيش، وعلي يحيى معمر- نجد أنهم يتبرءون من تسمية الإباضية بالخوارج براءة الذئب من دم يوسف.
ولقد خاض علي يحيى معمر في كتبه الإباضية بين الفرق الإسلامية، والإباضية في موكب التاريخ، وغيرها -خاض غمار هذه القضية وتفانى في رد كل قول يجعل الإباضية من الخوارج وهاجم جميع علماء الفرق المتقدمين منهم والمتأخرين على حد سواء، واعتبر عدهم للإباضية من الخوارج ظلمًا وخطأ تاريخيًا كبيرًا، لأن تاريخ الخوارج عنده يبدأ من سنة ٦٤هـ بقيام نافع بن الأزرق فمن بعده، وسمى ما قام به المحكِّمة الأولى فتنًا داخلية. ونفى وجود أي صلة ما بين المحكِّمة الأولى والخوارج بقيادة نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وغيرهما من الخوارج كما تقدم (٢) .
_________________
(١) الملل والنحل: ١/ ١٣٤.
(٢) انظر: الأباضية بين الفرق الإسلامية ص ٣٧٧ و٣٨٣ «والأباضية في موكب التاريخ» ص ٦٢ كلاهما لعلي يحيي معمر.
[ ١ / ٢٤٧ ]
ولا شك أن هذا القول فيه مغالطة خاطئة، ذلك أن الأحداث متسلسلة ومرتبطة من المحكِّمة إلى ظهور نافع بن الأزرق، بحيث يظهر أن الأولين هم سلف الخوارج.
والحقيقة أن ظهور نافع بن الأزرق كان على طريقة من سبقه في الخروج إلا أنه ساعدته الظروف بحيث تغير وضع الخوارج من جماعات صغيرة تثور هنا وهناك إلى جماعات كبيرة هزت الدولة الأموية هزًا عنيفًا في فترات متقطعة.
وزعم علي بن يحيى معمر أن لفظة الخوارج كاصطلاح على جماعة، لم يكن معروفًا بين الصحابة، وهذا غير صحيح، لأن لفظة الخوارج وردت في الأحاديث وفي كلام الصحابة كثيرًا كعلي وعائشة وابن عباس وغيرهم من الصحابة.
وتعجب جدًا حينما تر تعليل أطفيش وتبعه علي يحيى معمر لمعركة النهروان بين علي والمحكِّمة الأولى.
فهو لا يرى أن السبب فيها خروج أولئك عن الطاعة وسفكهم الدماء وإرهاب المسلمين، بل إن السبب في حرب عليّ لهم كما يرى هو أن القيادة أو الخلافة أسندت إلى أزدي-ابن وهب- لا إلى قرشي، فحاربهم علي عصبية لقريش (١) .
_________________
(١) الأباضية بين الفرق الإسلامية ص ٤٧٠ وانظر «عمان تاريخ يتكلم» ص ١٠٥ - ١٠٦.
[ ١ / ٢٤٨ ]
فهل عليّ كان واثقًا من بقاء الخلافة لنفسه وهو في حالة حرب مع معاوية حتى يحارب لبقاء الخلافة في قريش.
ثم لو كان الأمر عصبية لقريش فلماذا لم يترك حرب معاوية ويسلمه الخلافة وهو قرشي! هذا أمر واضح لولا أن التعصب الذي يحمله بعض علماء الإباضية على عليّ ﵁ هو الذي أدى بهم إلى هذا الخلط في الفهم وتغيير وقلب الحقائق.
ونذكر فيما يلي بعض النصوص من كلام علماء الإباضية حول الخوارج:
قال مؤلف كتاب الأديان وهو إباضي: «الباب الخامس والأربعين في ذكر فرق الخوارج، وهم الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب لما حكَّم، ثم أخذ يذكر الخوارج بهذا الاسم في أكثر من موضع من هذا الكتاب على سبيل المدح قائلا: هم أول من أنكر المنكر على من عمل به، وأول من أبصر الفتنة وعابها على أهلها، لا يخافون في الله لومة لائم، قاتلوا أهل الفتنة حتى مضوا على الهدى» إلى أن يقول:
«وتتابعت الخوارج وافترقت إلى ستة عشر فرقة بفرقة أهل الاستقامة يعني الإباضية» (١) .
ويقول نور الدين السالمي عن الخوارج: «لما كثر بذل نفوسهم في رضى ربهم وكانوا يخرجون للجهاد طوائف سُموا خوارج، وهو جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج في سبيل الله. وكان اسم الخوارج في الزمان الأول
_________________
(١) قطعة من كتاب في الأديان لمؤلف أباضي مجهول الاسم ص: ٩٦.
[ ١ / ٢٤٩ ]
مدحًا لأنه جمع خارجة وهي الطائفة التي تخرج للغزو في سبيل الله» (١) .
ويقول صاحب كتاب وفاء الضمانة الإباضي: «وكان الصفرية -إحدى فرق الخوارج- مع أهل الحق منا في النهروان» (٢) .
ولا أدري معنى لهذا الحرص من بعض الإباضية على عدم دخولهم في دائرة الخوارج. فإذا كانت الإباضية -كما هو معروف- تتولى المحكِّمة ويعتبرونهم سلفًا صالحًا لهم وينفون عنهم اسم الخارجية فلماذا تذكر بعض كتبهم لفظة المحكمة وتفسرها بين قوسين «بالخوارج» كما فعل السالمي في كتابه عمان تاريخ يتكلم! والأغرب من هذا أنه يسمي الخوارج في العصر العباسي بالمحكِّمة كما نرى في نص كلامه حين يقول موازنًا بين قوة الخوارج في الدولتين الأموية والعباسية يقول:
«ولم تكن قوة المحكِّمة أو «الخوارج» في العصر العباسي كما كانت في العهد الأموي» .
ثم يمضي المؤلف المذكور ذاكرًا شواهد من مناوءة المحكِّمة أو الخوارج للعباسيين، ويمثل للخوارج بأئمة الإباضية المعتبرين عندهم مما يدل على أن لا فرق بين الخوارج والإباضية في التسمية والمبادئ (٣) .
ومن هنا يتبين لنا أن تسميتهم باسم الخوارج قديمة وجدت قبل ظهور الأزارقة، سواء كان ذلك من التنبأ بظهورهم على لسان النبي ﷺ أو في
_________________
(١) نقله عنه على يحيى معمر الأباضى كما تقدمت الإشارة إليه. انظر: ص ٣٨٤ من كتابه الأباضية بين الفرق الإسلامية.
(٢) وفاء الضمانة بأداء الأمانة للعيزابي: ٣/ ٢٢.
(٣) انظر عمان تاريخ يتكلم ص ١١٧، ١٢٠.
[ ١ / ٢٥٠ ]
ترديد هذا الاسم على لسان عليّ ﵁، أو على ألسنة غيره من الناس وعلى ألسنة بعض علماء الإباضية أيضًا، وعلى هذا فلا يخطئ من ألحق تسمية الإباضية بالخوارج، ويبقى ما امتاز به الإباضية من تسامح، أو تسامح أغلبيتهم تجاه مخالفيهم قائمًا وثابتًا لهم ورغم ما يظهر أحيانًا في بعض كتب الإباضية من الشدة والقسوة تجاه المخالفين لهم والحكم عليهم بالهلاك والخسران، كما يقرره الوار جلاني منهم في كتابه الدليل لأهل العقول.