هذه هي مشكلة الخوارج الكبرى منذ نشأوا وطوال عهد الدولة الأموية وزمن متقدم من عهد الدولة العباسية، شغلتهم قضية الإمامة عمليًا، فجردوا السيوف ضد الحكام المخالفين لهم ناقمين عليهم سياستهم في الرعية من عدم تمكينهم من اختيار أمامهم بأنفسهم ثم سياستهم الداخلية في الناس وشغلتهم فكريًا بتحديد شخصية الإمام وخصائصه ودوره في المجتمع، وكانوا يظهرون بمظهر الزاهد عن تولى الخلافة حينما يكون الأمر فيما بينهم وحربا لا هوادة فيها ضد المخالفين لهم.
حكم الإمامة عند الخوارج
الإمامة منصب خطير وضرورة اجتماعية إذ لا يمكن أن ينعم الناس بالأمن وتستقر الحياة إلا بحاكم يكون هو المرجع الأخير لحل الخلافات وحماية الأمة وقد أطبق على هذا جميع العقلاء.
أما بالنسبة للخوارج فقد انقسموا فيها إلى فريقين:.
١- الفرق الأول: وهم عامة الخوارج. وهؤلاء يوجبون نصب الإمام
_________________
(١) أخرجه مسلم: ١/ ٦٦.
[ ١ / ٢٨٥ ]
والانضواء تحت رايته والقتال نعه ما دام على الطريق الأمثل الذي ارتأوه له.
٢- الفريق الثاني: وهم المحكمة والنجدات والإباضية فيما قيل عنهم. وهؤلاء يرون أنه قد يستغنى عن الإمام إذا تناصف الناس فيما بينهم وإذا احتيج إليه فمن أي جنس كان ما دام كفئا لتولى الإمامة (١) .
ومن مبرارتهم:
١- استنادهم إلى المبدأ القائل لا حكم إلا لله، والمعنى الحرفي لهذا المبدأ يشير صراحة إلى أنه لا ضرورة لوجود الحكومة مطلقًا.
٢- أن الحكم ليس من اختصاص البشر بل تهيمن عليه قوة علوية.
٣- إن الضروري هو تطبيق أحكام الشريعة، فإذا تمكن الناس من تطبيقها بأنفسهم فلا حاجة إلى نصب خليفة.
٤- ربما ينحصر وجود الإمام في بطانة قليلة وينعزل عن الأعلبية فيكون بعيدًا عن تفهم مشاكل المسلمين فلا يبقى لوجود فائدة.
٥- أن النبي ﷺ لم يشر صراحة ولا وضع شروطًا لوجود الخلفاء من بعده.
٦- أن كتاب الله لم يبين حتمية وجود إمام وإنما أبان وأمرهم شوري بينهم (٢) .
هذه مبرراتهم بالنفي، فهل بقى القائلون بالاستغناء عن نصب الإمام على مبدأهم؟ والجواب بالنفي فإن المحكمة حينما انفصلوا ولو عليهم عبد الله
_________________
(١) مقالات الأشعري: ١/ ٢٠٥، مروج الذهب: ٣ / ٢٣٦.
(٢) آراء الخوارج للطالبي ص ١٢٥، عمان تاريخ ص ١٢٣.
[ ١ / ٢٨٦ ]
بن وهب الراسبي والنجدات حينما انفصلوا. تزعمهم نجدة بن عامر وأما ما قيل عن الإباضية من أنهم يقولون بالاستغناء عن نصب الإمام (١) فإن مصادرهم التي تيسرت لي قراءتها تذكر أن هذا القول إنما نسبه إليهم خصومهم بقصد الإشاعة الباطلة عنهم (٢) .
وأما تلك المبررات التي نسبت إلى من ذكرناهم فلا شك أنها مبررات واهية ولا تكفي للقول بالاستغناء عن نصب الخليفة. أما القول بعدم وجود الإنسان الكامل، فإنه لا يمنع من نصب الإمام حيث يختار أفضل الموجودين.
ومن التصور الساذج القول بتناصب الناس فيما بينهم. وأما انعزال الإمام فإن مدار الأمر على التزامه بواجباته الشرعية وعدم إيجاد الحجب بينه وبين رعيته، وذلك مناط الحكم بضرورة وجود الإمام شرعًا وعقلًا.
وقد ذهبت الخليفة من الخوارج الإباضية إلى أن كل إقليم أو حوزة يستقل بها أمامها فلا يجوز لإمام أن يجمع بين حوزتين (٣) ويكون لهذا المناطق أئمة بعدد تلك المناطق وهذا باطل ولا يتفق مع روح الإسلام وأهدافه لأن ذلك يؤدي إلى المشاحنات والعداوة وتفريق كلمة المسلمين وحينما قرروا أن كل إقليم ينبغي أن يكون مستقلا عن الآخر لا يخضع إقليم ولا منطقة لمنطقة أخرى تجاهلوا دعوة المسلمين إلى الاتحاد الذي يكمن فيه عزهم وقوتهم.
شروط الإمام
وضع الخوارج شروطًا قاسية لمن يتولى الإمام ومنها:
_________________
(١) كما يذكر لوريمر في كتابه دليل الخليج: ٦ / ٣٣٠٣.
(٢) الأباضية بين الفرق الإسلامية ص ٢٩٠.
(٣) نقلًا عن آراء الخوارج صـ ١٢٨. لكن عموم الأباضية لا تجيز هذا حسب ما جاء في مدارج الكمال ص ١٧٢.
[ ١ / ٢٨٧ ]
١- أن يكون شديد التمسك بالعقيدة الإسلامية مخلصًا في عبادته وتقواه حسب مفهومهم.
٢- أن يكون قويًا في نفسه ذا عزم نافذ وتفكير ناضج وشجاعة وحزم.
٣- أن لا يكون فيه ما يخل بإيمانه من حب المعاصي واللهو.
٤- ألا يكون قد حد في كبيرة حتى ولو تاب.
٥- أن يتم انتخابه برضى الجميع، لا يغنى بعضهم عن بعض.
ولا عبرة بالنسب أو الجنس، كما يقولونه ظاهرًا دعاية لمذهبهم وفي باطنهم يملأهم التعصب وكون الإمام ينتخب برضى أهل الحل والعقد، هذا مبدأ إسلامي لم يأت به الخوارج كما يقول بعض المستشرقين دعاية للخوارج.
ولم يلتفت الخوارج إلى ما صح من الأحاديث في اشتراك القرشية لتولي الخلافة وتقديم قريش فيها عند صلاحية أحدهم لها.
ولم يشترط الشرع في الإمام أن يكون ليله قائمًا ونهاره صائمًا، أو أنه لا يلم بأي معصية، أو يكون انتخابه برضي كل المسلمين من أقصاهم إلى أدناهم، لا يغنى بعضهم عن بعض في مبايعتهم له كما يزعمه الخوارج (١) .
محاسبة الإمام والخوارج عليه
يعيش الإمام عند الخوارج بين فكي الأسد - عكس الشيعة - فالخوارج ينظرون إلى الإمام على أنه المثل وجهه الأعلى وينبغي أن يتصف بذلك قولًا وفعلًا
_________________
(١) مدارج الكمال للسالمي ص ١٧١، تاريخ المذاهب الإسلامية ص ١/ ٧١ التفكير الفلسفي ١/١٩١ للدكتور عبد الحليم محمود، آراء الخوارج ص ١٢١، عمان تاريخ يتكلم ص ١٢٦.
[ ١ / ٢٨٨ ]
وبمجرد أقل خطأ ينبغي عليهن القيام في وجه ومحاسبته، فإما أن يعتدل وإما أن يعتزل.
ومن غرائبهم ما يروى عن فرقة البيهسية منهم والعوفية، فقد اعتبر هؤلاء كفر الإمام سببًا في كفر رعيته، فإذا تركه رعيته دون إنكار فإنهم يكفرون أيضًا (١)، ولا شك أن هذا جهل بالشريعة الإسلامية، وعلى هذا فما تراه من كثرة حروبهم وخروجهم على أئمتهم أو أئمة مخالفهم يعتبر أمرًا طبيعيًا إزاء هذه الأحكام الخاطئة.
وقد حث الإسلام على طاعة أولى الأمر والاجتماع تحت رايتهم إلا أن يظهروا كفر بواحا. فلا طاعة المخلوق في معصية الخالق، وينبغي معالجة ذلك بأخف الضرر، ولا يجوز الخروج عليهم ما داموا ملتزمين بالشريعة بأي حال.
إمام المفضول
اختلف الخوارج في صحة إمامة المفضول مع وجود الفاضل إلى فريقين:
١- ذهب فريق منهم إلى عدم الجواز وأن إمامة المفضول تكون غير صحيحة مع وجود الأفضل.
٢- وذهب الفريق الآخر منهم إلى صحة ذلك وأنه تنعقد الإمامة للمفضول مع وجود الأفضل، كما هو الصحيح (٢) .
_________________
(١) مقالات الأشعري: ١/ ١٩٤، الطرماح بن حكيم ص ٥٥ الملل والنحل: ١/ ١٢٦ الفرق بين الفرق ص ١٠٩ التنبيه والرد للملطي ص ١٦٩.
(٢) الفصل لابن حزم حزم ٤/ ١٦٣، الأباضة بين الفرق الإسلامية ص ٤٦٢ آراء الخوارج لعمار الطالبي: ١٢٨.
[ ١ / ٢٨٩ ]
إمامة المرأة
الإمامة مسؤلية عظمي وعبء ثقيل يتطلب سعة الفكر وقوة البصير ة ويتطلب مزايا عديدة جعل الله معظمها في الرجال دون النساء، ولا أدل على هذا من اختيار الله ﷿ لتبليغ رسالته من جنس الرجال، وقد أطبق جميع العقلاء على أن الخلافة لا يصلح لها النساء.
ولكنا نجد فرقة من فرق الخوارج وهي التشبيبة تذهب إلى جواز تولي المرأة الإمامة العظمى مستدلين بفعل شبيب حينما تولت غزالة - زوجته وقبل أمه - بعده (١) .