اعلموا يا إخواني في الإسلام أن لكل شيء من أسباب الخير والشر والنفع والضر والداء والدواء أصولا، وللأصول فروعا، وأصل هذه الدعوة الملعونة التي استهوى بها الشيطان أهل الكفر
[ ٣١ ]
والشقوة ظهور [عبيد الله] بن ميمون القداح في الكوفة، وما كان له من الأخبار المعروفة والمنكرات المشهورة الموصوفة، ودخوله في طرق الفلسفة واستعماله الكتب المزخرفة، وتمشيته إياها على الطغام ومكيدته لأهل الإسلام.
وكان ظهوره في سنة ست وسبعين ومائتين من التاريخ للهجرة النبوية، فنصب للمسلمين الحبائل وبغى لهم الغوائل ولبس الحق بالباطل ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾، وجعل لكل آية من كتاب الله تفسيرا ولكل حديث عن رسول الله - ﷺ - تأويلا، وزخرف الأقوال وضرب المثال، وجعل لآي القرآن شكلا يوازيه ومثلا يضاهيه. وكان الملعون عارفا بالنجوم معطلا لجميع العلوم ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾. فجعل أصل دعوته التي دعاها وأساس بِنْيَتِه التي بناها الدعاء إلى الله وإلى الرسول ويحتج بكتاب الله ومعرفة مثله وممثوله
[ ٣٢ ]
والاختصاص لعلي بن أبي طالب ﵁ بالتقديم والإمامة والطعن على جميع الصحابة بالسب والأذى، وقد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "لعن الله من سب أصحابي". وقال ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". وقال - ﷺ -: "من سب أصحابي فقد سبني ومن سبني فقد سب الله ومن سب الله كبه الله على وجهه في النار". فأفسد بتمويهه قلوب الجهال وزين لهم الكفر والضلال وله شرح يطول فيه الخطاب غير أني أختصر. وفيما أشرحه كفاية واعتبار لأولي الألباب والأبصار.
وكان هذا الملعون يعتقد اليهودية ويظهر الإسلام، وهو من اليهود من ولد الشلعلع من مدينة بالشام يقال لها سلمية،
[ ٣٣ ]
وكان من أحبار اليهود وأهل والفلسفة الذين عرفوا جميع المذاهب وكان صائغا يخدم شيعة إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁.
وكان حريصا على هدم الشريعة المحمدية لما ركّب الله في اليهود من عداوة الإسلام وأهله والبغضاء لرسول الله - ﷺ - فلم ير وجها يدخل به على الناس حتى يردهم عن الإسلام ألطف من دعوته إلى أهل بيت الرسول - ﷺ -. وكان قد خرج في أيام قرمط البقار، وكان اسمه أو لقبه لأنه كان يقرمط في سيره إذا مشى، ولذلك نسب أهل مذهبه ومذهب بن ميمون إلى قرمط لأنهما اجتمعا وعملا ناموسا يدعوان إليه.
[ ٣٤ ]
وكانا يعرفان النجوم وأحكام الزمان، فدلهما الوقت على تأسيس ما عملاه فخرج ميمون إلى الكوفة وأقام بها مدة وله أخبار يطول شرحها مما كان منه ومن علي بن فضل والمنصور صاحب مسور وأبي سعيد الجنابي. وأنا أشرح ذلك عند انتهائي إليه إن شاء الله تعالى. وأما قرمط البقار فإنه خرج إلى بغداد وقتل هناك لا ﵀.