كان من خبره أنه لما افترق هو والمنصور بغلافقة وخرج إلى اليمن أيضا وفيها جعفر بن إبراهيم المناخي وخرج إلى جعفر من أبين وفيها رجل من الأصابح يقال له محمد بن أبي العلاء، فخرج القرمطي إلى جيشان ثم خرج إلى سرويافع فتفرسهم
[ ٥٠ ]
فعلم أنهم أسرع الناس إلى إجابته فطلع رأس جبل وبنى فيه مسجدا وأخذ بالنسك والعبادة، فكان نهاره صائما وليله قائما، فأنسوا إليه وأحبوه وافتتنوا به، ثم إنهم قلدوه أمرهم وجعلوا حكمهم إليه فسألوه أن ينزل من ذلك الجبل ويسكن بينهم. فقال: لا أفعل هذا ولست أسكن بين قوم جهال ضلال إلا أن يعطوني العهود والمواثيق أن لا يشربوا الخمر. ففعلوا له ذلك وأنهم ينكرون المنكر وينكرون أهل المعاصي بأجمعهم. فلم يزل يخدعهم بعبادته حتى بلغ إرادته وأمرهم ببناء حصن في ناحية سرويافع فأطاعوه وسمعوا لأمره. ثم إنه أنهبهم أطراف بلدان ابن أبي العلاء وأراهم أن ذلك جهاد لأهل المعاصي حتى يدخلوا في دين الله طوعا أو كرها، وأمرهم أن يتخطفوا بلاد ابن أبي العلاء، فاشتد بأسهم فكانوا لا يلقون جمعا إلا هزموا وظفروا عليهم وذلك لما سبق من علم الله من فتنة المسلمين على يديه لعنه الله، فلما شاع ذكره وسمع به جعفر بن إبراهيم كاتبه وفرح به وذلك لشحناء بينه وبين ابن أبي العلاء لقرب القرمطي إليه، فكاتبه جعفر على مطابقته على حرب ابن أبي العلاء ووجه من عنده عسكرا إلى القرمطي وتعاقدا أن يكون جميع ما يفتح من بلدان ابن أبي العلاء بينهما نصفين،
[ ٥١ ]
فخرج القرمطي لحرب ابن أبي العلاء بقبائل يافع وعسكر جعفر فهزمهم ابن أبي العلاء وقتل منهم قتلا كثيرا، وانهزم القرمطي إلى سبأ صهيب. فلما كان الليل جمع أصحابه وقال لهم: إني أرى رأيا صائبا أن القوم قد أمنوا منا وقد علمتم ما فعلوه بنا وأرى أن نهجم عليهم فإنا نظفر بهم، فأجابوه إلى ذلك وهجم عليهم إلى حنفر فقتل ابن أبي علاء وعسكره واستباح ما كان له، وأخذ من خزائنه تسعين ملحما في كل واحد عشرة آلاف. فلما رجع إلى بلاد يافع عظم شأنه وشاع ذكره وأجابه قبائل مذحج بأسرها وزبيد وما لا يحصى عدده، فلما بلغ ذلك جعفرا أغتم غما شديدا وسفر إليه ينظر ما عنده فسأله أن يقسم ما أخذ من حنفر، فجمع القرمطي القبائل والعساكر ولقي السفير في أعظم زي من العدة والعدد، فلما عرفه السفير بما جاء به جمع العساكر وقال: إن جعفرا أرسل إلي لما بيني وبينه من العهد بقسمة ما غنمت وقد أحضرتكم شهودا على تسليمه إليه لأني لا رغبه لي في المال إنما قمت لنصرة الإسلام. فشكروه على ذلك، ثم أحضر المال فقسمه شطرين وسلم إلى السفير وقال:: انصرف إلى صاحبك ليلتك وقل له: يستعد لحربي. وكتب معه كتابا إليه يذكره فيه أنه بلغني ما أنت عليه من ظلم
[ ٥٢ ]
المسلمين وأخذ أموال الناس، وأنا قمت لأميت المظالم وأرد الحق إلى أهله، فإن أردت تمام ما بيني وبينك فرد الظلامات إلى أهلها وادفع لأهل دلال دية ما قطعت من أيديهم.
وذلك أن جعفرا قطع أيدي ثلاثمائة رجل من أهل دلال على حجر بالمذيخرة يقال إن أثر الدم على الحجر إلى اليوم، فلما كان العام المقبل خرج القرمطي بالجمع الكثير فدخل المعافر فأمر جعفرا بلزوم نقيل بردان عند التعكر وخرج في لقائه أكثر من ألف فارس فانهزم القرمطي موليا إلى بلاد يافع فجمع جموعا كثيرة ورجع لهزم جموع جعفر إلى المذيخرة فتتبعه جعفر بصاحب تهامة فأنجده بغسكر عظيم فطلع حتى صار في موضع يقال له الراهدة بناحية عبهة فلما سمع به القرمطي خرج إليه في جنح الليل فظفر به وقتل جعفرا في الحوالة بنحلة.
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى: وكان هذا جعفر بن إبراهيم ظلوما غشوما سفاكا للدماء وأنه قال في شعر له طويل قدر مائتي بيت في حرب كانت بينه وبين جعفر الحوالي في شيء من شعره:
إذا ما تجعظروا بطشنا بقدرة ونفعل ما شئنا وما نتجعظر
[ ٥٣ ]
فما قبلنا ولا بعد بعدنا لمفتخر فخرا إذا عد مفخر
سوى الطيبين الطاهرين الذين هم من الرجس والعاهات والسوء طهر
سلالة إسماعيل ذي الوعد والوفا ودعوة إبراهيم والبيت يعمر
محمد الهادي النبي وصنوه علي وسبطاه شبير وشبر
ونسلهم الهادين بالحق والتقى بطاعتهم رب السماوات يأمر
ومولاتي الزهراء التي عدل مريم وصهر الرسول مولاي حيدر
رويدك عني بالملامة أنني بها وبهم أزهو وأعلو وأفخر
ألا كل مجد ما خلا مجد أحمد وعترته من دون مجدي يقصر
وكل امرء والى سوى آل أحمد فذاك الذي الدنيا مع الدين يخسر
بهم زادني الرحمن عزا ومفخرا فأحمده حمدا كثيرا وأشكر
أنا ابن أبى إسحاق منصور حمير وفارسها والشعشعان المظفر
فلولاي لم يخلق سرير ممهد ولولاي لم ينصب على الأرض منبر
أنا قمر الدنيا وعمي سراجها وجدي الذي كانت الأرض تعمر
هم أنزلوني منزل العز حيث لا يراني إلا دوني الطرف يحسر
أصول ولا يعدي علي واعتدي وأخمد نيران الحروب وأسعر
وطعمي للأعداء مر وعلقم وطعمي لأهل السلم شرب معنبر
ألم تر أن البغي مهلك أهله وأن الذي يبغى عليه سينصر
رجع الحديث إلى علي بن فضل القرمطي لعنه الله أنه لما قتل جعفرا أظهر كفره وادعى النبوة وأحل البنات والأخوات.
[ ٥٤ ]
وفي ذلك يقول الشاعر على منبر الجامع في الجند:
خذي الدف يا هذه والعبي وغني هزاريك ثم أطربي
تولي نبي بني هاشم وهذا نبي بني يعرب
لكل نبي مضى شرعه وهذي شرائع هذا النبي
فقد حط عنا فروض الصلاة وحط صيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي وإن صوموا فكلي وأشربي
ولا تمنعي نفسك المعرسين من أقربي ومن أجنبي
فكيف تحلي لهذا الغريب وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربه وسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء حلال فقد ست من مذهب
والشعر طويل وكله تحليل محرمات الشريعة والاستهانة بها. ثم خرج يريد الحوالي وخرج قبل ذلك إلى بلاد يحصب
[ ٥٥ ]
فدخل منكث فأحرقها ثم خرج يريد الحوالي صاحب صنعاء فلما بلغ بلد عنس وكان للحوالي مأمور في هران فأرسل إليه القرمطي يدخل فيها هم عليه فأجابه إلى ذلك فنزل إليه ودخل في ملته وقرمطته وكان معه خمسمائة فارس رجع منهم إلى صنعاء إلى الحوالي مائة وخمسون k وخرج القرمطي يريد صنعاء فلما سمع به الحوالي وبالجموع التي معه وعلم أنه لا طاقة له به خرج من صنعاء هاربا إلى الجوف فدخل القرمطي صنعاء فأقام فيها الفحشاء وأمر الناس بحلق رؤوسهم. ثم التقى هو وصاحب مسور الحسن بن منصور ويقول إنما أنا سيف من أسيافك والمنصور يهابه ويخافه على نفسه لما يرى من شهامته وإقدامه فعزم على الخروج إلى مخالف البياض فنهاه المنصور وقال له قد ملكنا اليمن بأسره ولم يبقى إلا الأقل فعليك بالتأني والوقوف في صنعاء سنة وأنا في شبام فيصلح واحد ما استفتح ثم بعد ذلك يكون لنا نظرة فإنك إن خرجت من صنعاء خالف أهلها وفسد علينا ما ملكناه فلم يقبل منه وقال لا بد من الخروج وأستفتح تهامة فخرج إلى مخاليف البياض وهي بلاد وعرة فلما توسط بينهم ومعه قدر ثلاثين ألفا أحاطوا وقطعوا عليه الطرق ولم يقدر على التخلص فلما سمع المنصور خاف عليه
[ ٥٦ ]
وأغار إليه واستنقذه فرجع إلى شبام وعاد إلى صنعاء وخرج إلى جبال حضور ثم إلى حراز ثم إلى ملحان ونزل المهجم وقتل صاحبها هو إبراهيم بن علي رجل من عك واستفتح الكدرى ورجع إلى ملحان وسرى بالليل إلى الزبيد وفيها المظفر بن حاج ومعه ستمائة فارس وهجم عليهم في أربعين ألفا فاحاط بعسكره فقتل المظفر بن الحاج وكان المنصور مأمورا لصاحب بغداد وسبى القرمطي من زبيد أربعة آلاف عذراء ثم خرج منها إلى الملاحيط وأمر صائحه وعسكره يا جند الله يا جند الله فلما اجتمعوا إليه قال قد علمتم أنا مجاهدون وقد أخذتم من نساء الحصيب ما قد علمتم من نساء الحصيب تفتن الرجال فيشغلنكم عن الجهاد فليذبح كل رجل منكم ما في يده فسميت الملاحيط والمشاحيط لذلك. ثم رجع إلى المذيخرة دار مملكته وأمر بقطع الحج وقال: حجوا إلى الحرف واعتمروا إلى الثاني، موضعان معروفان هنالك.
فلما أصبحت اليمن بيده وقتل الأضداد مثل المناخي وجعفر بن الكرندي والرؤساء وطرد بني زياد وكانوا رؤساء مخلاف جعفر ولم يبق له ضد يناوئه عطل المنصور وخلع عبيد بن
[ ٥٧ ]
الميمون الذي كان يدعو إليه فيكتب إليه المنصور يعاتبه ويذكره ما كان من إحسان القداح وقيامه بأمرهما وما أخذ عليهما من العهد لابنه فلم يلتفت إلى قوله وكتب إليه إنما هذه الدنيا شأن من ظفر بها افترسها، ولي بأبي سعيد الجنابي أسوة لأنه خلع ميمونا وابنه ودعا إلى نفسه وأنا ادعو إلى نفسي فإما نزلت على حكمي ودخلت في طاعتي وإلا خرجت إليك. وقد كان سعيد الجنابي دخل مكة في ذي الحجة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وقتل فيها ثلاثة عشر ألفا وقطع الركن يوم النحر وهو القائل لعنه الله:
فلو كان هذا البيت لله ربنا لصب علينا النار من فوقنا صبا
لأنا حججنا حجة جاهلية مجللة لم تبق شرقا ولا غربا
وأنا تركنا بين زمزم والصفا كتائب لا تنبغي سوى ربها ربا
ولكن رب العرش ﷻ لم يتخذ بيتا ولم يتخذ حجبا
في شعر طويل. وقد كان الخليفة ببغداد كتب إليه يذكر له
[ ٥٨ ]
ما فعل ويتوعده على ما استحل فأجابه أبو سعيد القرمطي:
"بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، من أبي الحسن الجنابي الداعي إلى تقوى الله القائم بأمر الله والآخذ بآثار رسول الله - ﷺ - إلى قائد الأرجاس المسمى بولد العباس. أما بعد، عرفك الله مراشد الأمور وجنبك التمسك بحبل الغرور، فإنه وصل كتابك بوعيد وتهديدك وذكرك ما وضعته من نظم كلامك ونمت به من فخامة أعظامك من التعلق بالأباطيل والإصغاء إلى فحش الأقاويل من الذين يصدون عن السبيل فبشرهم بعذاب أليم على حين زوال دولتك ونفاذ منتهى طلبتك وتمكن أولياء الله من رقبتك وهجومهم على معاقل أوطانك صغرا وسبيهم حرمك قسرا وقتل مجموعتك صبرا أولئك حزب الله إلا أن حزب الله هم المفلحون وجند الله هم الغالبون، هذا قد خرج عليك الإمام المنتظر كالأسد الغضنفر في سرابيل الظفر متقلدا سيف الغضب مستغنيا عن نصر العرب لا يأخذه
[ ٥٩ ]
في الله لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم قد اكتنفه العز من حواليه وسارت الهيبة بين يديه وضربت الدولة عليه سرادقا وألقت عليه قناعها بوائقها وانقشعت طخاء الظلمة ودجنة الضلالة وغاضت بحار الجهالة ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
تالله غرتك نفسك، وأطمعتك فيما لست نائله، وسولت لك ما لست واصله، فكتبت لي بما أجمعت عليه أذهان كتابك، ذكرتني بالعيوب الشنيعة، وقذفتني بالمثالب السمجة، تالله (لتسألن عما كنتم تعملون).
فأما ما ذكرت من قتل الحجيج، وإخراب الأمصار، وإحراق المساجد " فواللة ما فعلت ذلك إلّا بعد وضوح الحجة كإيضاح الشمس، وادعاء طوائف منهم أنهم أبرار، ومعاينتي منهم أخلاق الفجار، فحكمت عليهم بحكم الله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).
خبرني أيها المحتج لهم، والمناظر عنهم، في أي آية من كتاب الله، أو أيما خبر عن رسول الله - ﷺ - إباحة شرب الخمور، وضرب
[ ٦٠ ]
الطنبور، وعزف القيان، ومعانقة الغلمان، وقد جمعوا الأموال من ظهور الأيتام، واحتووها من وجوه الحرام.
وأما ما ذكرت من إحراق مساجد الأبرار، فأي مساجد أحق بالخراب من مساجد إذا توسطتها، سمعت فيها الكذب على الله تعالى، وعلى رسوله - ﷺ - بأسانيد عن مشايخ فجرة، بما أجمعوا عليه من الضلالة، وابتدعوا من الجهالة.
وأما تخويفك لي بالله، وأمرك بمراقبته، فالعجب من بهتك، وصلابة حدقتك، أترى أني أجهل بالله منك، وصرفك أموال المسلمين للخصيان والضراطين، ومنعها عن مستحقيها، يدعى على النابر للصبيان ويخطب للخصيان: (ءالله أذن لكم أم على الله تفترون).
وأما ما ذكرت أني تسميت بسمة عدوان، فليس بأعظم من تسميك بالمقتدر بالله أمير المؤمنين، أي جيش صدمك، فاقتدرت عليه؟! أم أى عدو ساقك فابتدرت إليه؟! لأنت أمير الفاسقين أولى بك من أمير المؤمنين، وانك لتقلد بعض خدمك شيئًا من أمرك، فيكاتبه الشريف والرئيس بالسيد والمولى، فأي الأمرين أقرب للتقوى؟ أوما علمت أنه من انقاد له نفر من عشيرته، وعصابة من
بني عمه وأسرته فقد سادهم وعلا فيهم.
وبعد: فما لك وللوعيد والِإبراق والتهديد، اعزم على ما أنت عليه عازم واقدم على ما أنت عليه قادم، والله من ورائي ظهير، وهو نعم
[ ٦١ ]
المولى ونعم النصير، والحمد لله وصلى الله على خير بريته وآله وعترته ".
قال محمد بن مالك الحمادي رحمه الله تعالى: يرجع الحديث إلى قصة صاحب مسور وعلي بن فضيل لعنهما الله تعالى. وذلك أن صاحب مسور لما علم أن على بن فضل غير تاركه لما ذكر في كتابه عمد إلى جبل مسور فحصنه وأعد فيه جميع ما يحتاج إليه للحصار وقال لأصحابه إني لأخاف هذا الطاغية ولقد تبين لي في وجهه الشر حيث واجهته في شبام. فلم يلبث علي بن فضل أن خرج لحرب المنصور واختار لحربة عشرة آلاف مقاتل من يافع ومذ حج وزبيد وعنس وقبائل العرب فدخل قرية شبام وخرج المنصور بلقائه ألف مقاتل إلى موضع يقال له المصانع من بلد حمير فضبطوا ذلك الجبل فزحف اليهم فاقتتلوا من أول النهار إلى الليل فخرج علي بن فضل على طريق العصد ودخل لاعة مصعدا إلى جبل الجميمة مقاتلا للمنصور فضرب فيها مضاربه ورجع إلى أصحاب حضور المصانع فلزموا بيت ريبته وضبطوا الجبل فأقسم ألا يبرح حتى يستنزل المنصور فحاصرة ثمانية اشهر وقيل إن المنصور حمل من سوق طمام خمسمائة حمل ملح قبل وصول علي بن فضل وعق له في الجبل عقا واسعا في موضع كثير التراب وأوقدوا فوقه الحطب أياما حتى استملح الجبل فصار ملحا كله ثم نقله إلى الخزائن. ثم إن علي بن فضل مل المقام فلما علم منه المنصور ذلك دس
[ ٦٢ ]
عليه أمر الصلح فقال لست أبرح وقد علم أهل اليمن قصدي لمحاصرته إلا أن يرسل إلي بعض ولده فيكون ذلك لي مخرجا عند الناس ويعلمون أنه قد دخل في طاعتي، فأرسل إليه ولده ودفعه بالتي هي أحسن، فرجع إلى مذيخرة فأقام عنده ولد المنصور سنة ثم ردة إلي أبيه وبره وطوقه بطوق من الذهب. ثم أقام بمذيخرة يحل الحرمات وير تكب الفواحش وأمر الناس باستحلال البنات والأخوات. وكان يجمع أهل مذهبه في دار واسعة يجمع فيها الرجال والنساء بالليل ويأمر بإطفاء السرج وأخذ كل واحد من وقعت يده عليه. وروي أن عجوزا محدوبة الظهر وقعت مع رجل منهم فلما تبين بها خلاها فتعلقت بثيابه وقالت: دوبد من ذى الحكم الأمير، فجرت مثلا.
ويقال إن أيامه لعنه الله كانت سبع عشر سنة. ومات مسموما سنة ثلاثة وثلاثمائة.
وكان سبب موته لعنه الله أن رجلا من أهل بغداد يقال إنه شريف وصل إلى الأمير أسعد بن أبي يعفر الحوالي وكان في ذلك الوقت هاربا من القرمطي في الجوف من بلد همدان مستجيرا ببني الدعام
[ ٦٣ ]
وأن ذلك البغدادي وهب نفسه لله وللإسلام وقال الأمير تعاهدني وأعاهدك أني إذا قتلت القرمطي كنت معك شريكا فيما يصل إليك، فعاهده على ذلك وكان طبيبا حاذقا فخرج فكان مع كبار أهل دولة القرمطي يفتح لهم العروق ويسقيهم الدواء ويعطيهم المعجونات حتى وصفوه للقرمطي بالحذق بالطب وفتح العروق وقالوا إن مثلك لا يستغني أن يكون في حضرة مثله. ثم إنه احتاج إلى إخراج الدم فأمره أن يفصده فعمد إلى السم فجعله على شعر رأسه فدخل على القرمطي فسلم عليه فأمره أن ينزع ثيابه ويلبس غيرها ثم أخرج المبضع ثم مصه وعلي بن فضل ينظر إليه ثم مسحه برأسه فتعلق به من السم حاجته ثم فصده وخرج من ساعته فركب دابته وخرج هاربا. فلما أحس عدو الله بالموت أمر بقتل الطبيب فلم يوجد فلحقوا به دون نقيل صيد بإزاء قينان فقتلوه هناك، رحمه الله تعالى.
ومات القرمطي لا ﵀. وولي الأمر من بعده ولده الفأفاء، وشاع موته في الناس ووصل إلى الحوالي جماعة من رؤساء الناس بنو المحابي والأتبوع وغيرهم
[ ٦٤ ]
فزحف بالعسكر الغليظ لحرب القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة فدخل الدعكر ثم تقدم إلى جبل التومار فحاصر القرامطة وسلط الله ﷾ عليهم سيف النقمة لا يخرج لهم جمع إلا هزموا أو قتلوا وأيد الله المسلمين بنصره.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. فأقام يحاصر القرامطة سنة. ويقال إن من شدة عزمه وحزمه وتقصيه أنه ما حل عدته ولا سلاحه بل يصلي وعليه عدته وسلاحه حتى فتح الله عليه وقتل القرامطة وأحيا الإسلام. ليس كولاة الأمر من أهل زماننا الذين غرقوا في الملذات واتبعوا الشهوات ولم يرغبوا في المكارم والنجدات، وعظوا فلم يتعظوا وناموا فلم يستيقظوا ونظروا ما حل بغيرهم فلم يعتبروا. وقد قيل في المثل السائر:
وإذا رأيت أخوك يحلق رأسه أوشكت بعد أخيك تصبح أصلعا
ومن عجز عن رعاية رعيته وجار علبيها في حكمه وقضيته، ودل على زوال مملكته وتعجيل منيته، وقد قال الأول:
ومن رعى غنما في أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد
وإذا فرط الراعي في أمر رعيته وطاوع نفسه الدنيه، وذهب عنه الآنفة والحمية فقد عظمت عليه البلية. وقال الأفواه الأودي:
[ ٦٥ ]
لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
تهدي الأمور بأهل الرأي ما ضحلت فإن تولت فبالأشرار ينقادوا
رجع الحديث إلى محاصرة الأمير الحوالي فروي أنه نصب المنجنيقات فهدم الذخيرة بعد سنة ودخل على القرامطة فقتلهم وأخذ من الغنائم مالا يحصى وسبى بنات القرمطي وكن ثلاثا فصار اثنتين في رعين وواحدة وهبها الأمير لابن أخيه قحطان أباد الله القرامطة على يد الأمير الحوالي بمنة وسعادته، وجعل لا يسمع بأحد منهم إلا قتله، ورجع إلى صنعاء وقد أطفأ جمرة الشك وملك جميع البلاد وزالت الفتنة وأراح الله من القرامطة وطهر منهم البلاد وأمن منهم العباد، وسار الأمير في الناس بأحسن سيرة وعدل في الرعية ورد بني المحابي إلى مخلاف جعفر، وجرت المكاتبة بين الأمير الحوالي والأمير إبراهيم بن زياد والناصر أحمد بن يحي الإمام الهادي صاحب صعده وتعاقدوا على المعاضدة والمناصرة وقتل القرامطة حيث ما وجدوا. وذكروا أنه كان يوجد عنوان كنتم بركة في بركه ونعمة مشتركة والأرض فيما بيننا قد حصلت في شبكة
[ ٦٦ ]
وكان الخارج إذا خرج من بلد أحدكم لذنب أذنبة كاتب فيه وسأل الصفح عنه. وصفت لهم المعيشة واستقامت لهم الدولة ولزم كل واحد منهم بلده ولم يطمع واحد على صاحبه. ألف الله بين قلوب المسلمين ولم يبق من القرامطه إلا شرذمة قليلة من أولاد المنصور في ناحية مسور وأبادهم الله تعالى على يد الدعام بن إبراهيم والناصر بن يحيى وأنا أذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.