١ - كان اتهمني بأن قولي في التخريج «صحيح أخرجه مسلم» أو «صحيح متفق عليه» إنما جاءت الصحة من حكمي له بالصحة وليس من حكم الإمام مسلم أو الشيخين، وما قلت فيه «رواه مسلم» أو «متفق عليه» ولم أصدره بقولي «صحيح» فمعنى ذلك عنده أنني متوقف فيه تحت المراجعة! وقال: فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون والمتأخرون، فقلت له:
[ ١٩ ]
هذا تخرص واختلاق وفصلت القول في ذلك في أربع صفحات من المقدمة «١٧ - ٢٠» وبينت أنني كنت صرحت في مقدمة الطبعة الثالثة عن هدفي من هذا الاصطلاح، وأني مسبوق إلى هذا الاستعمال من الحافظ البغوي في «شرح السنة»، فأثبت بذلك تخرصه وجهله فبماذا أجاب عنه؟ إنه بدل أن يعترف بجهله واتهامه لأخيه المسلم بما ليس فيه -وهو على علم به- أصر على ذلك ولم يتراجع، بل لجأ إلى التعالي والتمسكن في رده بأنه بريء مظلوم أمام القراء الذين لا يعلم أكثرهم ما اجترحته يداه. فهل هذا هو صفة من يقول في أول رسالته: «وبعد فإن الله تعالى شرع لنا هذا الدين الحنيف ليكون حاجزًا للمؤمن به عن كل شر وسوء، وداعيًا إلى القيام بكل خير وفضيلة، وليتحقق المنتسب إليه بالخلق القويم والسلوك المستقيم فلا يقول إلا حقًّا » إلخ كلامه الذي يذكر آخره بالمثل السائر «رمتني بدائها وانسلت» لأنه يتهمنا فيه بالأكاذيب والاختلاقات وهو مصدرها ومنبعها وهذا هو المثال الأول أمامك.
فهل هذا الإصرار على الاتهام والتجاهل هو من الخلق القويم عند أبي غدة وهو يعلم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ • كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
٢ - كما انتقدني على قولي في أثر ابن مسعود: «هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر»: «لا أعرفه» فقال عقبه ما نصه بالحرف الواحد: «فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر (!) أو لا يعرف كلام عبد الله بن مسعود».
[ ٢٠ ]
فرددت عليه في خمس صفحات (٢١ - ٢٦) وبينت اصطلاح العلماء في هذه الكلمة «لا أعرفه» مما نقله أبو غدة في مقدمة له على بعض مطبوعاته، فنسبته من أجل ذلك إلى التجاهل، وإلى الجهل أيضًا وأنه لا علاقة لقوله المذكور بهذا الاصطلاح الذي تبعت فيه المحدثين، وأنه إنما قال ذلك ليروي غيظ قلبه، ويظهر للناس كمين حقده، وعظيم حسده بسوء لفظه حتى لا يدري ما يخرج من فمه نسأل الله العافية.
فلم يرد أبو غدة أيضًا على هذا بشيء مطلقًا سوى زعمه أنني رميته (وهو يقول تلبيسًا على القراء رموني!) بالجهل والتجاهل! إن كنت يا أبا غدة صادقًا في هذا القول فهلا بينت علاقة قولك «فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر» بقولي: «لا أعرفه» وأثبت بذلك أنك غير جاهل ولا متجاهل وأنت القائل في كلماتك «وسلوكي مكشوف وخلقي معروف، والحمد لله»؟ ! نعم سلوكك مكشوف وخلقك معروف، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
٣ - و٤ - كان سجل علي وهمين صرح بأحدهما وهو في ذلك مصيب، ولكنه دلس في صدد بيانه تدليسًا خبيثًا مع قلبه لبعض الحقائق كما بينته (ص ٢٩ - ٣٠)، فلزمه ما أدنته من التدليس وقلب الحقائق، لأنه لم يأت ولو بكلمة واحدة يبين براءته منه، سوى قوله فيه وفي أمثاله: افتراء صريح! !
والوهم الآخر كان أشار إليه، ولم يصرّح به وهو أنني كنت وهّمت الشارح ﵀ في عزوه حديثًا لـ «الصحيح» وليس فيه، فحكى أبو غدة كلامي في ذلك ولم يزد وغرضه من ذلك إيهام القراء أنني واهم في توهيمي
[ ٢١ ]
للشارح، والواقع أن لا وهم، وكان يرمي من وراء التسجيل المذكور إسقاط ثقة القراء من أهل العلم والفضل بتخريج الألباني! ! ليتخذ ذلك ذريعة لصرف الناس عن الكتاب نفسه «شرح العقيدة» فرددت عليه في عدة صفحات بما خلاصته: أنه لا يلزم من خطأ الثقة في حديث واحد أو أكثر أن ترفع الثقة عنه مطلقًا، ودعمت ذلك بما كان المتعصب الجائر نفسه نقله في بعض تعليقاته. وألزمته أن يسقط هو الثقة عن شارح الطحاوية. لأخطاء حقيقية غير قليلة، بينتها في تخريجي عليه ثم لخّصتها في «المقدمة» فألزمته بذلك أحد أمرين: الأول أن خطأ الألباني في حديث أو أكثر لا يسقط الثقة عنه. والآخر: أن ذلك إن كان يسقط الثقة عنه، فأخطاء الشارح أكثر، فهو بإسقاط الثقة عنه أولى عند أبي غدة وأظهر.
فسكت عن ذلك أيضًا فلزمه ما ألزمته به كما هو ظاهر لا سيما وقد كنت رجوته أن يبين لي إذا كنت مخطئًا في ذلك عنده، فلم يفعل، فمن يقول بعد هذا إنه «لا يلعب على الحبلين»؟ !
٥ - كان غمزني في قولي في حديث رواه البخاري: «وفي سنده ضعف، ولكن له طرق لعله يتقوَّى بها » فرددت عليه من وجهين: خلاصة الأول منهما أنني مسبوق إلى تضعيف إسناده من قبل كبار الأئمة كالذهبي وابن رجب الحنبلي والحافظ العسقلاني، وأنني تحفظت في تضعيف متنه، بل رجوت أن يتقوّى بكثرة طرقه. ثم تأكدت من ذلك كما بيّنته في «الصحيحة» (١٦٤٠).
وخلاصة الوجه الآخر أنني ألزمته بأن الغمز والطعن بشيخه الكوثري أولى لأنه نقل الطعن في حديث البخاري
[ ٢٢ ]
المذكور آنفًا وأقره، دون أن يتحفظ تحفظي المذكور! ثم أتبعته بذكر أربعة عشر حديثًا صحيحًا مما أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما ضعّفها كلها شيخه الكوثري «العلامة المحقق الحجة الإمام ..» كما يزعم تلميذه أبو غدة وبحديث آخر مما رواه مسلم ضعفه المتعصب الجائر نفسه! (انظر (ص ٣٠ - ٣٤) من المقدمة)، وبسكوته على قول الشيخ التهانوي في كتابه «مقدمة إعلاء السنن» تحت عنوان «ذكر بعض المغامز في الصحيحين وتكلف الجواب عنها»: «وما يقوله الناس إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة هذا من التجوّه (أي التكلف) ولا يقوى».
سكت على هذا أبو غدة في تعليقه على الكتاب (٤٦٣). وعلى ما سبق من الأمثلة مما كتبه هو نفسه أو قرأه لشيخه، ويطعن فيّ لحديث واحد للبخاري ضعّفت إسناده دون متنه، ثم هو يتغافل عن ذلك كله ليقول شاكيًا في «كلماته» أننا رميناه بـ « واللعب على الحبلين» وفاته أن يذكر أننا قلنا في مثل صنيعه هذا أنه من باب الوزن بميزانين، والكيل بكيلين، أو من قبيل الجمع بين الصيف والشتاء على سطح واحد! فمن الذي ينكر انطباق هذه الأوصاف كلها على أبي غدة بعد اطلاعه على هذه الحقائق. لو أن المتعصب الجائر كان صادقًا في شكواه تلك لأجاب جوابًا علميًّا عن كل هذه الإلزامات التي ألزمناه بها. ولم يكتف بالرد على ذلك كله بقوله: «افتراء صريح» ونحو ذلك من الأقوال التي لا يعجز عنها أجهل الناس وأشدهم إيغالًا في الباطل والمكابرة على حد قولهم: عنزة ولو طارت.