ولا بد للسني أن يقيم الحجة والبرهان على المخالف في إبطال التقية التي ينسبونها لعلي ﵁ وهو بريء منها. لأن نسبة التقية إليه يستلزم نسبة الذل والجبن له -حاشاه الله من ذلك- بل يستلزم نسبة ذلك لجميع بني هاشم حاشاهم من ذلك. فإن عليا ﵁ كان في قوة ومنعة بهم لو أراد الخلافة زمن الخلفاء الثلاثة قبله أو كان عنده نص أو رأى أنه أحق منهم بها لنازعهم فيها ولوجد من يقوم معه وينصره في ذلك، ولكنه عرف الحق في ذلك وانقاد له كما جاء التصريح عنه بذلك في أحاديث كثيرة بأسانيد صحيحة ولم يترك ذلك تقية كما يقولون، ولو كان عنده نص لأظهره ولم يكتمه. ولما انقضت خلافتهم وجاء الحق ونازعه من ليس مثله حاربه وقاتله ولم يترك ذلك تقية. فنسبة التقية إليه فيها تحقير واذلال له، أعاذه الله من ذلك.
ولو صحت نسبة التقية له لم يوثق بشيء من كلامه فإن كل شيء يقوله أو يفعله يحتمل حينئذ أن يكون تقية حاشاه الله من ذلك.
ثم إن الرافضة قبحهم الله تجرؤا على النبي - ﷺ - ونسبوا التقية أيضا إليه. فإنهم لما أقيمت عليهم الحجج الواضحة في حقية خلافة أبي بكر ﵁ التي منها حديث: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وكان معلوما علما ضروريا عند الصحابة ﵃ أن الأمير هو الذي يصلي بالناس ففهموا من ذلك أنه الخليفة بعده وكان ذلك الحديث مستفاضا متواترا
[ ٤٥ ]
لا يمكن إنكاره ومروي عن كثير من الصحابة منهم علي ﵁ من طرق كثيرة صحيحة؛ قالوا إنما قال النبي - ﷺ - ذلك تقية. قاتلهم الله أني يؤفكون. مع أن لأهل السنة أدلة كثيرة على تقديم أبي بكر ﵁ في الخلافة ولو فرض أنه لم يوجد دليل إلا حديث الأمر له بالصلاة بالناس لكان كافيا، كيف وقد انضم إلى ذلك إجماع الصحابة على صحة خلافته ولا تجتمع الأمة على ضلال كما جاء ذلك عن النبي - ﷺ - وصح عن علي ﵁ التصريح بأنهم دخلوا في بيعة أبي بكر ﵁ لم يتخلف منهم أحد. فالقول بعدم صحة خلافته يستلزم تخطئة جميع الصحابة ﵃ واجتماع الأمة على ضلال وحاشاهم من ذلك. ويستلزم أيضا تكذيب النبي - ﷺ - في أحاديث كثيرة وفي أن أمته لا تجتمع على ضلال. ويستلزم أيضا تكذيب القرآن في شهادته لهم بالصدق في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (١) وفي اخباره باستحقاقهم الجنة إلى غير ذلك من المحذورات التي لزمت هؤلاء الضالين. ويستلزم أيضا إبطال الشريعة لأنها إنما وصلت إلى الأمة بطريق الصحابة ﵃. بل يلزمهم أيضا التشكك في صحة القرآن لأنه إنما وصل إلينا من طريقهم ﵃.
والحاصل أن مذاهب المبتدعة كلها خيالات وضلال. قال ابن الأثير في تاريخه الكامل عند ذكره دولة العبيديين: إن المبتدعة إنما قصدوا بالطعن في الصحابة الطعن في الشريعة لأنها إنما وصلت إلينا من طريقهم. انتهى.
وأما مذهب أهل السنة والجماعة فهو المذهب الحق الذي كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه بلا إفراط فيها ولا تفريط ولا قدح في أحد الصحابة ولا تكذيب لشيء من القرآن والسنة، فهو بالنسبة لمذهب المبتدعة خرج
_________________
(١) الحشر ٨ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾
[ ٤٦ ]
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.
ومن كان من أهل العلم والمعرفة ونظر في أدلة أهل السنة وأدلة غيرهم عرف حقيقة ذلك إن نور الله قلبه وأزال انطماس بصيرته. ومن نظر في كتب الحديث وتأمل في سيرته - ﷺ - من حين بعثه الله تعالى إلى أن توفاه علم مترلة الشيخين عنده وأنهما كانا عنده في أعظم المنازل لأنه كان يقربهما ويدنيهما ويستشيرهما وكانا يقضيان ويفتيان بحضرته ويراجعانه في بعض الأمور وربما أنه أراد أن يفعل بعض الأشياء أو يأمر بها فيريان أو أحدهما خلاف ذلك فيراجعان النبي - ﷺ - وقد يكرران عليه المراجعة فيرجع إلى قولهما أو قول أحدهما ولو كان ذلك غير حق لما رجع إليه ووافق عليه وإلا كان فاعلا خطأ أو مقرا عليه وهو معصوم من ذلك.
والرافضة قبحهم الله إذا أقيمت عليهم الحجة يمثل ذلك يقولون إنما كان يوافقهما أو يوافق أحدهما تقية قاتلهم الله أنى يؤفكون. فإن القول بالتقية يستلزم أن لا يوثق بشيء من أقواله أو أفعاله - ﷺ - إذ أن ذاك كله على قولهم يحتمل التقية فيلزمهم إبطال الشريعة والأحكام. ولا يقال إن مراجعة الشيخين أو أحدهما للنبي - ﷺ - في بعض الأشياء سوء أدب أو مخالفة لأمره لأنهما علما رضاه بذلك وسروره به ورغبته فيه، وما ذلك إلا لعظم مترلتهما عنده. ونزل كثير من آيات القرآن موافقا لرأي عمر ﵁ وعاتب الله نبيه - ﷺ - في مخالفته رأي عمر في قصة أسرى بدر كما هو مبسوط في كتب الأئمة.
ولما بعث الله نبيه - ﷺ - كان أعظم قائم بنصرته أبو بكر ﵁ فكان يعينه على تبليغ رسالة ربه ويدعو الناس إلى الدخول في دينه ويدفع عنه من يتعرض له.
[ ٤٧ ]
وناله من قريش أذى كثير كما هو مبين في كتب السير. وكذلك عمر ﵁ كان من أعظم القائمين بنصرته بعد إسلامه في السنة السادسة من البعثة، فكان من أعظم الناس شدة على كفار قريش، وإن كان قبل إسلامه شديدا على المسلمين لكنه بعد أن أسلم كان من أشد الناس على الكفار حتى أنزل الله عند إسلامه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي يكفيك من حصل إسلامهم فلا تبال بتأخر غيرهم وكون نزولها عند إسلامه دليل على مزيد فضله حتى كأنه هو المقصود من الآية وحده. وكان ابن مسعود ﵁ يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر. وكان علي ﵁ عند النبي - ﷺ - صغيرا في أول بعثة النبي - ﷺ -، وإن كان ﵁ بعد أن كبر كانت منه النصرة المأثورة والمواقف المشهورة، لكنهما كانا مميزان عنه بالنصرة الحاصلة في بدء الإسلام حين اشتدت وطأة قريش على المسلمين. وكذا بقية العشرة السابقين للإسلام. ولو كان ملك من ملوك الدنيا أعانه بعض الناس على تأسيس ملكه ونصرته على أعدائه حتى ظهر أمره وتم مراده لكان يحبه ويفضله على كثير من أقاربه. فما بالك بهؤلاء السابقين بالإسلام الذين قاموا بنصرة النبي - ﷺ - حتى أظهر الله دينه على الدين كله.
والرافضة قبحهم الله نظروا إلى القرابة وغفلوا عن هذه الاشياء وأهملوا قول علي ﵁: لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر في قلب مؤمن. وأهملوا الآيات والأحاديث التي جاءت في فضل الشيخين وغيرهم من الصحابة فأداهم الأمر إلى إبطال الشريعة التي وصلت إلينا من طريقهم.