فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ لَا يَثْبُتُ لَا بِالْجَوَابِ عَمَّا عَارَضَهُ مِنَ الْعَقْلِيَّاتِ، قَالُوا لِقَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: هَذَا كَذِبٌ وَبَهْتٌ، فَإِنَّ الْأُمُورَ الْحِسِّيَّةَ وَالْعَقْلِيَّةَ وَالْيَقِينِيَّةَ قَدْ وَقَعَ فِيهَا شُبَهَاتٌ كَثِيرَةٌ تُعَارِضِ مَا عُلِمَ بِالْحِسِّ وَالْعَقْلِ، فَلَوْ تَوَقَّفَ عِلْمُنَا بِذَلِكَ عَلَى الْجَوَابِ عَنْهَا وَحَلِّهَا لَمْ يَثْبُتْ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا نِهَايَةَ لِمَا تَقْذِفُ بِهِ النُّفُوسُ مِنَ الشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ جِنْسِ الْوَسَاوِسِ وَالْخَطَرَاتِ وَالْخَيَالَاتِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَحْدُثُ فِي النُّفُوسِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ إِذَا جَزَمْنَا بِثُبُوتِ الشَّيْءِ جَزَمْنَا بِبُطْلَانِ مَا يُنَاقِضُ ثُبُوتَهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَا يُقَدَّرُ مِنَ الشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ عَلَى نَقِيضِهِ مَانِعًا مِنْ جَزْمِنَا بِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الشُّبْهَةُ مَا كَانَتْ، فَمَا مِنْ مَوْجُودٍ يُدْرِكُهُ الْحِسُّ إِلَّا وَيُمْكِنُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُقِيمَ عَلَى عَدَمِهِ شُبُهًا كَثِيرَةً يَعْجِزُ السَّامِعُ عَنْ حَلِّهَا، وَلَوْ شِئْنَا لَذَكَرْنَا لَكَ طَرَفًا مِنْهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ أَقْوَى مِنْ شُبَهِ الْجَهْمِيَّةِ النُّفَاةِ لِعُلُوِّ الرَّبِّ عَلَى خَلْقِهِ وَكَلَامِهِ وَصِفَاتِهِ.
وَقَدْ رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ مَا أَقَامَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الشُّبَهِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ تَتَبَدَّلُ
[ ١٨٠ ]
نَفْسُهُ النَّاطِقَةُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ مَرَّةٍ، وَكُلُّ لَحْظَةٍ تَذْهَبُ رُوحُهُ وَتُفَارِقُهُ وَتَحْدُثُ لَهُ رُوحٌ أُخْرَى غَيْرُهَا أَبَدًا، وَمَا أَقَامُوا مِنَ الشُّبَهِ عَلَى أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْجِبَالَ وَالْبِحَارَ تَتَبَدَّلُ كُلَّ لَحْظَةٍ وَيَخْلُفُهَا غَيْرُهَا، وَمَا أَقَامُوا مِنَ الشُّبَهِ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ لَيْسَتْ فِيهِ وَلَا خَارِجَةً عَنْهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا أَصَحُّ الْمَذَاهِبِ فِي الرُّوحِ، وَمَا أَقَامُوا مِنَ الشُّبَهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لَمْ يَمُرَّ عَلَى تِلْكَ الْأَمْكِنَةِ الْأُخْرَى الَّتِي مِنْ مَبْدَأِ حَرَكَتِهَا وَنِهَايَتِهَا وَلَا قَطَعَهَا وَلَا حَاذَاهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ طَفْرَةِ النَّظَّامِ؟ وَأَضْعَافُ أَضْعَافِ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ طَائِفَةُ الْمَلَاحِدَةِ مِنَ الِاتِّحَادِيَّةِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ ذَاتَ الْخَالِقِ هِيَ عَيْنُ ذَاتِ الْمَخْلُوقِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا الْبَتَّةَ، دِهَانُ الِاثْنَيْنِ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الْحِسُّ وَالْوَهْمُ يَغْلَطُ فِي التَّعَدُّدِ وَيُقِيمُونَ عَلَى ذَلِكَ شُبُهًا كَثِيرَةً قَدْ نَظَمَهَا ابْنُ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ، وَذَكَرَهَا صَاحِبُ الْفُتُوحَاتِ فِي فُصُوصِهِ وَغَيْرِهَا، وَهَذِهِ الشُّبَهُ كُلُّهَا مِنْ وَادٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ خَزَنَةُ الْوَسَاوِسِ، وَلَوْ لَمْ نَجْزِمْ بِمَا عَلِمْنَاهُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِرَدِّ تِلْكَ الشُّبَهَاتِ لَمْ يَثْبُتْ لَنَا عِلْمٌ أَبَدًا، فَالْعَاقِلُ إِذَا عَلِمَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَادِقٌ عَلِمَ أَنَّ كُلَّ مَا عَارَضَهُ فَهُوَ كَذِبٌ، وَلَمْ يَحْتَجْ لِأَنْ يَعْرِفَ أَعْيَانَ الْأَخْبَارِ الْمُعَارِضَةِ لَهُ وَلَا وُجُوهَهَا، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: أَنَّ الطَّرِيقَ الَّتِي سَلَكَهَا نُفَاةُ الصِّفَاتِ وَالْعُلُوِّ وَالتَّكَلُّمِ مِنْ مُعَارَضَةِ النُّصُوصِ الْإِلَهِيَّةِ بِآرَائِهِمْ هِيَ بِعَيْنِهَا الطَّرِيقُ الَّتِي سَلَكَهَا إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ فِي مُعَارَضَةِ نُصُوصِ الْمَعَادِ بِآرَائِهِمْ وَعُقُولِهِمْ وَمُقَدِّمَاتِهَا، ثُمَّ نَقَلُوهَا بِعَيْنِهَا إِلَى مَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصِّيَامِ، فَجَعَلُوهَا لِلْعَامَّةِ دُونَ الْخَاصَّةِ، فَآلَ الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى أَنْ أَلْحَدُوا فِي الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا جَمِيعُ الْمَلَلِ وَجَاءَتْ بِهَا جَمِيعُ الرُّسُلِ، وَهِيَ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] .
فَهَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ يَحْتَجُّونَ عَلَى نُفَاةِ الصِّفَاتِ بِمَا وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ نُصُوصِ الْوَحْيِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ سِينَا فِي رِسَالَتِهِ الْأَضْحَوِيَّةِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا لَمَّا ذَكَرَ حُجَّةَ مَنْ أَثْبَتَ مَعَادَ الْبَدَنِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مَنْ بَعْثِ الْأَمْوَاتِ، فَقَالَ: وَأَمَّا أَمْرُ الشَّرْعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ فِيهِ قَانُونٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ
[ ١٨١ ]
الْمِلَّةَ الْآتِيَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُرَامُ بِهَا خِطَابُ الْجُمْهُورِ كَافَّةً، ثُمَّ مِنَ الْمَعْلُومِ الْوَاضِحِ أَنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ إِلَيْهِ فِي صِحَّةِ التَّوْحِيدِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالصَّانِعِ مُوَحَّدًا مُقَدَّسًا عَنِ الْكَمِّ وَالْكَيْفِ وَالْأَيْنِ وَمَتَى وَالْوَضْعِ وَالتَّغْيِيرِ، حَتَّى يَصِيرَ الِاعْتِقَادُ بِهِ أَنَّهُ ذَاتٌ وَاحِدَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهَا شَرِيكٌ فِي النَّوْعِ، أَوْ يَكُونَ جُزْءٌ وُجُودِيٌّ كَمِّيٌّ أَوْ مَعْنَوِيٌّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ خَارِجَةً عَنِ الْعَالِمِ وَلَا دَاخِلَةً فِيهِ، وَلَا حَيْثُ تَصِحُّ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا بِأَنَّهَا هُنَا أَوْ هُنَاكَ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ إِلْقَاؤُهُ إِلَى الْجُمْهُورِ، وَلَوْ أَلْقَى هَذَا عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ إِلَى الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ وَالْعِبْرَانِيِّينَ الْأَجْلَافِ لَسَارَعُوا إِلَى الْعِنَادِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْمَدْعُوَّ إِلَيْهِ إِيمَانٌ بِمَعْدُومٍ لَا وُجُودَ لَهُ أَصْلًا، وَلِهَذَا وَرَدَ مَا فِي التَّوْرَاةِ تَشْبِيهًا كُلَّهُ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْفُرْقَانِ مِنَ الْإِشَارَاتِ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ الْأَهَمِّ شَيْءٌ، وَلَا إِلَى تَصْرِيحِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّوْحِيدِ بَيَانٌ مُفَصَّلٌ، بَلْ أَتَى بَعْضُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ فِي الظَّاهِرِ، وَبَعْضُهُ جَاءَ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا عَامًّا جِدًّا لَا تَخْصِيصَ وَلَا تَفْسِيرَ لَهُ، وَأَمَّا الْآحَادُ التَّشْبِيهِيَّةُ فَأَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى وَلَكِنْ أَبَى الْقَوْمُ إِلَّا أَنْ يَقْبَلُوهَا.
فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي التَّوْحِيدِ هَذَا فَكَيْفَ بِمَا بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ؟ .
وَلِبَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ لِلْعَرَبِ تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ وَمَجَازًا، وَإِنَّ الْأَلْفَاظَ التَّشْبِيهِيَّةَ مِثْلَ الْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْإِتْيَانِ فِي ظِلِّ الْغَمَامِ، وَالْمَجِيءِ وَالذَّهَابِ وَالضَّحِكِ وَالْحَيَاءِ صَحِيحَةٌ، وَلَكِنْ مُسْتَعْمَلَةٌ اسْتِعَارَةً وَمَجَازًا، قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى اسْتِعْمَالِهَا غَيْرَ مَجَازِيَّةٍ وَلَا مُسْتَعَارَةٍ أَنَّ الْمَوَاضِعَ الَّتِي يُورِدُونَهَا حُجَّةً فِي أَنَّ الْعَرَبَ تَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ بِالِاسْتِعَارَاتِ وَالْمَجَازِ عَلَى غَيْرِ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ مَوَاضِعَ مِثْلَهَا يَصْلُحُ أَنْ تُسْتَعْمَلَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا يَقَعُ فِيهِ تَلْبِيسٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] عَلَى الْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَلَيْسَ تَذْهَبُ الْأَوْهَامُ فِيهِ الْبَتَّةَ إِلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ مُسْتَعَارَةٌ أَوْ مَجَازِيَّةٌ، فَإِنْ كَانَ أُرِيدَ فِيهَا ذَلِكَ إِضْمَارًا فَقَدْ رَضِيَ بِوُقُوعِ الْغَلَطِ وَالتَّشْبِيهِ وَالِاعْتِقَادِ الْمُعْوَجِّ بِالْإِيمَانِ بِظَاهِرِهِ تَصْرِيحًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، وَقَوْلُهُ: ﴿مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]
[ ١٨٢ ]
فَهُوَ مَوْضِعُ الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ مِنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ، وَلَا تَلْبِيسَ عَلَى ذِي مَعْرِفَةٍ فِي لُغَتِهِمْ، كَمَا تَلْتَبِسُ فِي تِلْكَ الْأَمْثِلَةِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْثِلَةَ لَا يَقَعُ شُبْهَةٌ أَنَّهَا مُسْتَعَارَةٌ مَجَازِيَّةٌ، كَذَلِكَ فِي تِلْكَ لَا يَقَعُ شُبْهَةٌ فِي أَنَّهَا لَيْسَتِ اسْتِعَارِيَّةً وَلَا مَجَازِيَّةً، وَلَا يُرَادُ فِيهَا شَيْءٌ غَيْرَ الظَّاهِرِ.
ثُمَّ هَبْ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ، فَأَيْنَ التَّوْكِيدُ وَالْعِبَارَةُ الْمُشِيرَةُ بِالتَّصْرِيحِ إِلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ حَقِيقَةُ هَذَا الدِّينِ الْمُعْتَرَفِ بِجَلَالَتِهِ عَلَى لِسَانِ حُكَمَاءِ الْعَالَمِ قَاطِبَةً؟ .
ثُمَّ قَالَ فِي ضِمْنِ كَلَامِهِ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ الْجَائِيَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا جَاءَتْ أَفْضَلَ مَا يُمْكِنُ أَنْ تَجِيءَ بِمِثْلِهِ الشَّرَائِعُ وَأَكْمَلَهُ، وَلِهَذَا صَلَحَتْ أَنْ تَكُونَ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ وَآخِرَ الْمِلَلِ، قَالَ: وَأَيْنَ الْإِشَارَةُ إِلَى الدَّقِيقِ مِنَ الْمَعَانِي الْمُيَسَّرَةِ إِلَى عِلْمِ التَّوْحِيدِ، مِثْلَ إِنَّهُ عَالِمٌ بِالذَّاتِ، أَوْ عَالِمٌ بِعِلْمٍ، قَادِرٌ بِالذَّاتِ، أَوْ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ، وَاحِدٌ بِالذَّاتِ عَلَى كَثْرَةِ الْأَوْصَافِ أَوْ قَابِلٌ لِلْكَثْرَةِ، تَعَالَى عَنْهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، مُتَحَيِّزُ الذَّاتِ أَوْ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِهَاتِ، فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَعَانِي وَاجِبًا تَحَقُّقُهَا، وَإِتْقَانُ الْمَذْهَبِ بِالْحَقِّ فِيهَا، أَوْ يَسَعُ الصُّدُوفُ عَنْهَا وَإِغْفَالُ الْبَحْثِ وَالرَّوِيَّةِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْبَحْثُ فِيهَا مَعْفُوًّا عَنْهُ وَغَلَطُ الِاعْتِقَادِ الْوَاقِعِ فِيهَا غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ، فَجُلُّ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ تَكَلُّفٌ وَعَنْهُ غُنْيَةٌ، وَإِنْ كَانَ فَرْضًا مُحْكَمًا فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ بِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ التَّصْرِيحُ الْمُعَمَّى أَوِ الْمُلَبَّسِ أَوِ الْمُقْتَصِرِ بِالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ، بَلِ التَّصْرِيحُ الْمُسْتَقْصَى فِيهِ وَالْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ وَالْمُوَفَّى حَقَّ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ وَالتَّعْرِيفِ عَلَى مَعَانِيهِ، فَإِنَّ الْمُبْرِزِينَ الْمُنْفِقِينَ أَيَّامَهُمْ وَلَيَالِيَهُمْ وَسَاعَاتِ عُمُرِهِمْ عَلَى تَمْرِينِ أَذْهَانِهِمْ وَتَذْكِيَةِ أَفْهَامِهِمْ وَتَرْشِيحِ نُفُوسِهِمْ لِسُرْعَةِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَعَانِي الْغَامِضَةِ يَحْتَاجُونَ فِي تَفَهُّمِ هَذِهِ الْمَعَانِي إِلَى فَضْلٍ وَشَرْحِ عِبَادَةٍ فَكَيْفَ وَغُتْمُ الْعِبْرَانِيِّينَ وَأَهْلِ الْوَبَرِ مِنَ الْعَرَبِ؟ لَعَمْرِي لَوْ كَلَّفَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أَنْ يُلْقِيَ حَقَائِقَ هَذِهِ الْأُمُورِ إِلَى الْجُمْهُورِ مِنَ الْعَامَّةِ الْغَلِيظَةِ طِبَاعُهُمْ، الْمُنْغَلِقَةِ بِالْمَحْسُوسَاتِ الصِّرْفَةِ أَوْهَامُهُمْ، ثُمَّ سَامَهُ أَنْ يَسْتَنْجِزَ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ وَالْإِجَابَةَ غَيْرَ مُتَمَهِّلٍ فِيهِ، وَسَامَهُ أَنْ يَتَوَلَّى رِيَاضَةَ نُفُوسِ النَّاسِ قَاطِبَةً حَتَّى تَسْتَعِدَّ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهَا، لِكَلَّفَهُ شَطَطًا، وَأَنْ يَفْعَلَ مَا لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَهُمْ حَالَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَقُوَّةٌ عُلْوِيَّةٌ، وَإِلْهَامٌ سَمَاوِيٌّ، فَتَكُونُ حِينَئِذٍ وَسَاطَةُ الرَّسُولِ مُسْتَغْنًى عَنْهَا وَتَبْلِيغُهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ.
[ ١٨٣ ]
وَهَبْ أَنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ جَاءَ عَلَى لُغَةِ الْعَرَبِ وَعَادَةِ لِسَانِهِمْ فِي الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ، فَمَا قَوْلُهُمْ فِي الْكِتَابِ الْعِبْرَانِيِّ، كُلُّهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ تَشْبِيهٌ صِرْفٌ؟ وَلَيْسَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْكِتَابُ مُحَرَّفٌ، وَأَنَّى يُحَرَّفُ كُلِّيَّةً كِتَابٌ مُنْتَشِرٌ فِي الْأُمَمِ لَا يُطَاقُ تَعْدَادُهُمْ؟ وَبِلَادُهُمْ مُتَبَايِنَةٌ وَأَوْهَامُهُمْ مُتَبَايِنَةٌ، مِنْهُمْ يَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ، وَهُمْ أُمَّتَانِ مُتَعَادِيَتَانِ، فَظَاهِرٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الشَّرَائِعَ وَارِدَةٌ بِخِطَابِ الْجُمْهُورِ بِمَا يَفْهَمُونَ، مَقَرِّبَةً مَا لَا يَفْهَمُونَ بِالتَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ لَمَا أَغْنَتِ الشَّرَائِعُ الْبَتَّةَ، قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ ظَاهِرُ الشَّرَائِعِ حُجَّةً فِي هَذَا الْبَابِ، يَعْنِي أَمْرَ الْمَعَادِ؟ وَلَوْ فَرَضْنَا الْأُمُورَ الْأُخْرَوِيَّةَ رُوحَانِيَّةً غَيْرَ مُجَسَّمَةٍ كَانَ بَعِيدًا عَنْ إِدْرَاكِ بَدَائِهِ الْأَذْهَانِ تَحْقِيقُهَا، وَلَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ لِلشَّرَائِعِ إِلَى الدَّعْوَةِ إِلَيْهَا وَالتَّحْذِيرِ عَنْهَا إِلَّا بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِوُجُوهٍ مِنَ التَّمْثِيلَاتِ الْمُقَرِّبَةِ إِلَى الْأَفْهَامِ فَكَيْفَ يَكُونُ وُجُودُ شَيْءٍ آخَرَ لَوْ لَمْ يَكُنِ الشَّيْءُ الْآخَرُ عَلَى الْحَالَةِ الْمَفْرُوضَةِ لَكَانَ الشَّيْءُ الْأَوَّلُ عَلَى حَالَتِهِ؟ فَهَذَا هُوَ الْكَلَامُ عَلَى تَعْرِيفِ مَنْ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا مِنَ النَّاسِ لَا عَامًّا أَنَّ ظَاهِرَ الشَّرَائِعِ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمُلْحِدَ، بَلْ رَأْيَ مَلَاحِدَةِ الْمِلَّةِ، وَدُخُولَهُ فِي الْإِلْحَادِ مِنْ بَابِ نَفْيِ الصِّفَاتِ، وَتَسَلُّطَهُ فِي إِلْحَادِهِ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ النُّفَاةِ بِمَا وَافَقُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّفْيِ وَإِلْزَامِهِ لَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ بِالْمَعَادِ جُمْهُورِيًّا أَوْ مَجَازًا أَوِ اسْتِعَارَةً، كَمَا قَالُوا فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ الَّتِي اشْتَرَكَ هُوَ وَهُمْ فِي تَسْمِيَتِهَا تَشْبِيهًا وَتَجْسِيمًا، مَعَ أَنَّهَا أَكْثَرُ تَنَوُّعًا وَأَظْهَرُ مَعْنًى وَأَبْيَنُ دَلَالَةً مِنْ نُصُوصِ الْمَعَادِ، فَإِذَا سَاغَ لَكُمْ أَنْ تَصْرِفُوهَا عَنْ ظَاهِرِهَا بِمَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ فَصَرْفُ هَذِهِ عَنْ ظَوَاهِرِهَا أَسْهَلُ.
ثُمَّ زَادَ هَذَا الْمُلْحِدُ عَلَيْهِمْ بِاعْتِرَافِهِ بِأَنَّ نُصُوصَ الصِّفَاتِ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا كُلُّهَا عَلَى الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ، وَأَنْ يُقَالَ: إِنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَأَنَّ لِذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ مَوَاضِعَ، تَلِيقُ بِهِ حَيْثُ يَكُونُ دَعْوَى ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا غَلَطًا مَحْضًا، كَمَا فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَمَعَ هَذَا التَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ يَمْتَنِعُ الْمَجَازُ، فَإِنَّمَا أُرِيدَ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ ظَاهِرًا، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَاعَدْتُمْ عَلَى امْتِنَاعِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَيْهِ، فَهَكَذَا نَفْعَلُ نَحْنُ فِي نُصُوصِ الْمَعَادِ سَوَاءً، فَهَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَإِلْزَامِهِ وَدُخُولِهِ إِلَى الْإِلْحَادِ مِنْ بَابِ نَفْيِ الصِّفَاتِ وَالتَّجَهُّمِ.
وَطَرِيقُ الرَّدِّ الْمُسْتَقِيمِ فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِ وَقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ جَمِيعًا أَنْ يُقَالَ: لَا يَخْلُو إِمَّا
[ ١٨٤ ]
يَكُونُ الرَّسُولُ يَعْرِفُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ بِزَعْمِكُمْ مِنْ إِنْكَارِ عُلُوِّ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَتَكْلِيمِهِ لِرُسُلِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، أَوْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ: لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ، كَانَتِ الْجَهْمِيَّةُ الْمُعَطِّلَةُ وَالْمَلَاحِدَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْقَرَامِطَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ وَالنُّصَيْرِيَّةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَأَمْثَالُهُمْ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْ رُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُهُ امْتَنَعَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِهِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ مَعَ أَحَدٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَأَهْلِ سِرِّهِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَكَلَّمْ مَعَ أَحَدٍ بِمَا يُنَاقِضُ مَا أَظْهَرَ لِلنَّاسِ، وَلَا كَانَ خَوَاصُّ أَصْحَابِهِ يَعْتَقِدُونَ فِيهِ نَقِيضَ مَا أَظْهَرَ لِلنَّاسِ، بَلْ كُلُّ مَنْ كَانَ بِهِ أَخَصُّ وَبِحَالِهِ أَعْرَفُ كَانَ أَعْظَمَ مُوَافَقَةً لَهُ وَتَصْدِيقًا لَهُ عَلَى مَا أَظْهَرَهُ وَبَيَّنَهُ وَأَخْبَرَ بِهِ، فَلَوْ كَانَ الْحَقُّ فِي الْبَاطِنِ خِلَافَ مَا أَظْهَرَهُ لَزِمَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِهِ، أَوْ كَاتِمًا لَهُ عَنِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ وَمُظْهِرًا خِلَافَهُ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأُمُورِ امْتِنَاعًا، وَمُدَّعِيهِ فِي غَايَةِ الْوَقَاحَةِ وَالْبَهْتِ، وَلِهَذَا لَمَّا عَلِمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ كِتْمَانُ ذَلِكَ عَنْ خَوَاصِّهِ وَضَعُوا أَحَادِيثَ بَيَّنُوا فِيهَا أَنَّهُ كَانَ لَهُ خِطَابٌ مَعَ خَاصَّتِهِ غَيْرَ الْخِطَابِ الْعَامِّيِّ، مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمُخْتَلَقِ الْمُفْتَرَى «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَكُنْتُ كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَهُمَا» وَمِثْلَ مَا يَدَّعِيهِ الرَّافِضَةُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عَلِيٍّ عِلْمٌ خَاصٌّ يُخَالِفُ هَذَا الظَّاهِرَ.
وَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ ذَلِكَ يُدْعَى فِي عَلِيٍّ وَفْقَ مَنْ سَأَلَهُ: «هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ خَصَّكُمْ بِهِ دُونَ النَّاسِ؟ فَقَالَ لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا أَسَرَّ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيْنَا شَيْئًا كَتَمَهُ عَنْ غَيْرِنَا إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَكَانَ فِيهَا الْعُقُولُ وَالدِّيَاتُ وَفِكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ» .
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى تَوْحِيدِهِ شَيْءٌ، فَكَلَامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ بَاطِلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَأَنَّ مَنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ، وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا الصِّفَاتُ مَا لَا يَحْتَمِلُ اللَّفْظُ فِيهِ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]
[ ١٨٥ ]
فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ نَفَى حَقِيقَةَ ذَلِكَ وَمَدْلُولَهُ مِنَ الْمُعَطِّلَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَمُوَافَقَتُهُمْ لَهُ عَلَى التَّعْطِيلِ لَا تَنْفَعُهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ جَدَلِيَّةٌ لَا عِلْمِيَّةٌ، إِذْ تَسْلِيمُهُمْ لَهُ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ عَلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ بِالْعَقْلِ الصَّرِيحِ مَا يُوَافِقُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِ وَقَوْلِهِمْ جَمِيعًا.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: هَبْ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مَوْجُودَةٌ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ فَأَيْنَ التَّوْحِيدُ، وَالدَّلَالَةُ، وَالتَّصْرِيحُ عَلَى التَّوْحِيدِ الْمَحْضِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ حَقِيقَةُ هَذَا الدِّينِ الْقَيِّمِ الْمُعْتَرَفِ بِجَلَالَتِهِ عَلَى لِسَانِ حُكَمَاءِ الْعَالَمِ قَاطِبَةً؟ كَلَامٌ صَحِيحٌ لَوْ كَانَ مَا قَالَهُ النُّفَاةُ حَقًّا، فَإِنَّهُ عَلَى قَوْلِهِمْ لَا يَكُونُ هَذَا الدِّينُ الْقَيِّمُ قَدْ بَيَّنَ التَّوْحِيدَ الْحَقَّ أَصْلًا، وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: إِنَّ التَّوْحِيدَ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَةُ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْكُفْرِ وَتَعْطِيلِ الْعَالَمِ عَنْ صَانِعِهِ، وَتَعْطِيلِ الصَّانِعِ الَّذِي أَثْبَتُوهُ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَشِرْكُ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ خَيْرٌ مِنْ تَوْحِيدِ هَؤُلَاءِ بِكَثِيرٍ، فَإِنَّهُ شِرْكٌ فِي الْإِلَهِيَّةِ مَعَ إِثْبَاتِ صَانِعِ الْعَالَمِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَعِلْمِهِ بِالْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ، وَتَوْحِيدُ هَؤُلَاءِ تَعْطِيلٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِهِ، وَهَذَا التَّوْحِيدُ مُلَازِمٌ لِأَعْظَمِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وَلِهَذَا كُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ تَعْطِيلًا كَانَ أَعْظَمَ شِرْكًا.