وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نُنَزِّهُهُ عَنِ الْجِهَةِ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جِهَةٍ وُجُودِيةٍ تُحِيطُ بِهِ وَتَحْوِيهِ وَتَحْصُرُهُ إِحَاطَةَ الظُّرُوفِ بِالْمَظْرُوفِ فَنَعَمْ، هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ وَأَعْلَى، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ هَذَا الْمَعْنَى، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِهَةِ أَمْرًا يُوجِبُ مُبَايَنَةَ الْخَالِقِ لِلْمَخْلُوقِ وَعُلُوَّهُ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ فَنَفْيُكُمْ لِهَذَا الْمَعْنَى بَاطِلٌ، وَتَسْمِيَتُهُ جِهَةً اصْطِلَاحٌ مِنْكُمْ تَوَسَّلْتُمْ بِهِ إِلَى نَفْيِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالْفِطْرَةُ، وَسَمَّيْتُمْ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ جِهَةً وَقُلْتُمْ: مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِهَاتِ، وَسَمَّيْتُمُ الْعَرْشَ حَيِّزًا وَقُلْتُمْ: لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ.
[ ١٤٢ ]
وَسَمَّيْتُمُ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا وَقُلْتُمْ: الرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ قِيَامِ الْأَعْرَاضِ بِهِ، وَسَمَّيْتُمْ حِكْمَتَهُ غَرَضًا وَقُلْتُمْ: مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَغْرَاضِ، وَسَمَّيْتُمْ كَلَامَهُ بِمَشِيئَتِهِ، وَنُزُولَهُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَمَجِيئَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَمَشِيئَتَهُ وَإِرَادَتَهُ الْمُقَارَنَةَ لِمُرَادِهَا وَإِدْرَاكَهُ الْمُقَارَنَةَ لِوُجُودِ الْمُدْرَكِ، وَغَضَبَهُ إِذَا عُصِيَ، وَرِضَاهُ إِذَا أُطِيعَ، وَفَرَحَهُ إِذَا تَابَ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، وَنِدَاهُ لِمُوسَى حِينَ أَتَى الشَّجَرَةَ، وَنِدَاهُ لِلْأَبَوَيْنِ حِينَ أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ، وَنِدَاهُ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَحَبَّتَهُ لِمَنْ كَانَ يَبْغَضُهُ حَالَ كُفْرِهِ ثُمَّ صَارَ يُحِبُّهُ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَرُبُوبِيَّتَهُ الَّتِي هُوَ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ حَوَادِثَ، وَقُلْتُمْ: هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، وَحَقِيقَةُ هَذَا التَّنْزِيهِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْوُجُودِ وَعَنِ الرُّبُوبِيَّةِ وَعَنِ الْمُلْكِ وَعَنْ كَوْنِهِ فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، بَلْ عَنِ الْحَيَاةِ وَالْقَيُّومَيَّةِ.
فَانْظُرْ مَاذَا تَحْتَ تَنْزِيهِ الْمُعَطِّلَةِ النُّفَاةِ بِقَوْلِهِمْ: لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا مُرَكَّبٍ، وَلَا تَقُومُ بِهِ الْأَعْرَاضُ، وَلَا يُوَصَفُ بِالْأَبْعَاضِ، وَلَا يَفْعَلُ بِالْأَغْرَاضِ وَلَا تَحُلُّهُ الْحَوَادِثُ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْجِهَاتُ، وَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ: أَيْنَ، وَلَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ، كَيْفَ كَسَوْا حَقَائِقَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَاسْتِوَائِهِ عَلَى عَرْشِهِ وَتَكْلِيمِهِ لِخَلْقِهِ وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُ بِالْأَبْصَارِ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، ثُمَّ تَوَسَّلُوا إِلَى نَفْيِهَا بِوَاسِطَتِهَا، وَكَفَّرُوا وَضَلَّلُوا مَنْ أَثْبَتَهَا، وَاسْتَحَلُّوا مِنْهُ مَا لَمْ يَسْتَحِلُّوهُ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِلَى اللَّهِ الْمَوْعِدُ وَإِلَيْهِ الْمُلْتَجَأُ، وَإِلَيْهِ التَّحَاكُمُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ التَّخَاصُمُ.
نَحْنُ وَإِيَّاهُمْ نَمُوتُ وَلَا أَفْلَحَ يَوْمَ الْحِسَابِ مَنْ نَدِمَا