فَصْلٌ
فَلْنَرْجِعْ إِلَى تَمَامِ الْمَقْصُودِ فَنَقُولُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى الْأُمُورِ الْعَدَمِيَّةِ فَمُنْكِرُو الْحِكَمِ وَالتَّعْلِيلِ لَا ضَابِطَ لِلْعُقُوبَةِ عِنْدَهُمْ إِلَّا مَحْضُ الْمَشِيئَةِ، وَأَمَّا مُثْبِتُو الْحِكَمِ وَالتَّعْلِيلِ فَالْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ يَقُولُونَ لَا يُعَاقِبُ عَلَى عَدَمِ الْمَأْمُورِ لِأَنَّهُ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَإِنَّمَا يُعَاقِبُ عَلَى تَرْكِهِ، وَالتَّرْكُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، وَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو هَاشِمٍ وَغَيْرُهُ يَقُولُونَ: يُعَاقِبُ
[ ٢٤٤ ]
عَلَى الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ، فَيَكُونُ عِقَابُهُ بِالْآلَامِ، وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَوْلٌ وَسَطٌ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ، فَيُعَاقِبُ عَلَى هَذَا الْعَدَمِ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ لَا بِالْعُقُوبَةِ الْمُؤْلِمَةِ، ثُمَّ يُعَاقِبُ عَلَى فِعْلِ السَّيِّئَاتِ بِالْآلَامِ، وَلَا يُعَاقِبُ عَلَيْهَا حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ بِالرِّسَالَةِ، فَإِذَا عَصَى الرَّسُولَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ التَّامَّةَ، وَهُوَ أَوَّلًا إِنَّمَا عُوقِبَ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْجُوَ مِنْ شَرِّهِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، أَوِ التَّوْبَةُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ كَانَ الصَّبِيُّ الَّذِي يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَنْفَعُهُ، بَلْ بِمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ ضَرَرِهِ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ قَلَمُ الْإِثْمِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَ عُوقِبَ، ثُمَّ يَكُونُ مَا اعْتَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْقَبَائِحِ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَإِنْ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَيْهَا سَبَبٌ لِمَعْصِيَتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمَعَاصِي الْحَادِثَةُ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَلَمْ يُعَاقَبِ الْعُقُوبَةَ الْمُؤْلِمَةَ إِلَّا عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَأَمَّا الْعُقُوبَةُ الْأُولَى فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ عَلَى ذَنْبٍ بَلْ هِيَ جَارِيَةٌ مَجْرَى تَوَلُّدِ الْآلَامِ عَمَّا يَأْكُلُهُ وَيَشْرَبُهُ وَيَمْتَنِعُ بِهِ، فَتَوَلَّدَتْ تِلْكَ الذُّنُوبُ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَبْلَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْوَسَطُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى الْعَدَمِ، وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ عَلَى عَدَمِ الْإِيمَانِ بِتَقْلِيبِ أَفْئِدَتِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذِهِ عُقُوبَةٌ عَلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ، وَهُوَ تَرْكُهُمُ الْإِيمَانَ بَعْدَ إِرْسَالِ الرَّسُولِ وَدُعَائِهِ لَهُمْ، قُلْتُ: الْمُوجِبُ لِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْخَاصَّةِ هُوَ عَدَمُ الْإِيمَانِ، وَلَكِنَّ إِرْسَالَ الرَّسُولِ وَتَرْكَ طَاعَتِهِ شَرْطٌ فِي وُقُوعِ الْعَذَابِ، فَالْمُقْتَضَى قَائِمٌ وَهُوَ عَدَمُ الْإِيمَانِ، لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ وُقُوعُهُ بِشَرْطٍ وَهُوَ إِرْسَالُ الرَّسُولِ، فَفَرْقٌ بَيْنَ انْتِفَاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفَاءِ مُوجِبِهِ وَمُقْتَضِيهِ، وَانْتِفَائِهِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ بَعْدَ قِيَامِ الْمُقْتَضَى.
فَصْلٌ
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» "، وَهُوَ مَا يَحْتَجُّ بِهِ
[ ٢٤٥ ]
الْجَبْرِيَّةُ، وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ الَّذِينَ قَابَلُوهُ بِالتَّصْدِيقِ وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ، وَعَلِمُوا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَقَدْرِ نِعَمِهِ عَلَى خَلْقِهِ عَدَمَ قِيَامِ الْخَلْقِ بِحُقُوقِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، إِمَّا عَجْزًا وَإِمَّا جَهْلًا وَإِمَّا تَفْرِيطًا وَإِمَّا إِضَاعَةً وَإِمَّا تَقْصِيرًا فِي الْمَقْدُورِ مِنَ الشُّكْرِ، وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ حَقَّهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَتَكُونَ قُوَّةُ الْقَلْبِ كُلِّهَا، وَقُوَّةُ الْإِنَابَةِ وَالتَّوَكُّلِ، وَالْخَشْيَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، جَمِيعِهَا مُتَوَجِّهَةٌ إِلَيْهِ وَمُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقَلْبُ عَاكِفًا عَلَى مَحَبَّتِهِ وَتَأَلُّهِهِ، بَلْ عَلَى إِفْرَادِهِ بِذَلِكَ اللِّسَانِ مَحْبُوسًا عَلَى ذِكْرِهِ، وَالْجَوَارِحِ وَقْفًا عَلَى طَاعَتِهِ، قَدِ اسْتَسْلَمَتْ لَهُ الْقُلُوبُ أَتَمَّ اسْتِسْلَامٍ، وَذَلَّتْ لَهُ أَكْمَلَ ذُلٍّ، وَخَضَعَتْ لَهُ أَعْظَمَ خُضُوعٍ، وَقَدْ فَنِيَتْ بِمُرَادِهِ وَمَحَابِّهِ عَنْ مُرَادِهَا وَمَحَابِّهَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مُرَادٌ مَحْبُوبٌ غَيْرُ مُرَادِهِ وَمَحْبُوبِهِ الْبَتَّةَ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مَقْدُورٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّ النُّفُوسَ تَشِحُّ بِهِ، وَهِيَ فِي الشُّحِّ عَلَى مَرَاتِبَ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَأَكْثَرُ الْمُطِيعِينَ يَشِحُّ بِهِ مَنْ وَجْهٍ كَانَ أَتَى بِهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَعَلَّ مَا لَا تَسْمَحُ بِهِ نَفْسُهُ أَكْثَرُ مِمَّا تَسْمَحُ بِهِ مَعَ فَضْلِ زُهْدِهِ وَعِبَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَوَرَعِهِ، فَأَيْنَ الَّذِي لَا يَقَعُ مِنْهُ إِرَادَةٌ تُزَاحِمُ إِرَادَةَ اللَّهِ وَمَا يُحِبُّهُ مِنْهُ، فَلَا يَعْثُرُ بِهِ غَفْلَةٌ وَاسْتِرْسَالٌ مَعَ حُكْمِ الطَّبِيعَةِ وَالْمِيلِ إِلَى دَاعِيهَا، وَتَقْصِيرٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مُعْرِفَةً وَمُرَاعَاةً وَقِيَامًا بِهِ؟ وَمَنِ الَّذِي يَنْظُرُ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ دَقِيقِهَا وَجَلِيلِهَا إِلَى أَنَّهَا مِنَّةُ رَبِّهِ وَفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَيَذْكُرُهُ بِهَا وَيُحِبُّهُ عَلَيْهَا، وَيَشْكُرُهُ عَلَيْهَا، وَيَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَتِهِ، وَيَعْتَرِفُ مَعَ ذَلِكَ بِقُصُورِهِ وَتَقْصِيرِهِ، وَأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِمَّا أَتَى بِهِ، وَمَنِ الَّذِي يُوَفِّي حَقًّا وَاحِدًا مِنَ الْحُقُوقِ وَعُبُودِيَّةً وَاحِدَةً حَقَّهَا مِنَ الْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ وَالنُّصْحِ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا، وَبَذْلِ الْجُهْدِ فِي وُقُوعِهَا عَلَى مَا يَنْبَغِي لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِمَّا يُدْخِلُهُ عَلَى قَدَرِهِ الْعَبْدُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؟ وَمَعَ هَذَا فَيَرَاهَا مَحْضَ مِنَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَفَضْلِهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ رَبَّهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهَا الْحَمْدَ، وَأَنَّهُ لَا وَسِيلَةَ تُوُسِّلَ بِهَا إِلَى رَبِّهِ حَتَّى نَالَهَا، وَأَنَّهُ يُقَابِلُهَا بِمَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تُقَابَلَ بِهِ مِنْ كَمَالِ الذُّلِّ وَالْخُضُوعِ، وَالْمَحَبَّةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، وَيَمْحُو نَفْسَهُ مِنَ الْبَيْنِ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهَا بِاللَّهِ لَا بِنَفْسِهِ وَلِلَّهِ لَا لِنَفْسِهِ؟ وَمَنِ الَّذِي لَمْ يَصْدُرُ مِنْهُ خِلَافُ مَا خُلِقَ لَهُ، وَلَوْ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ، مِنْ حَرَكَةِ نَفْسِهِ وَجَوَارِحِهِ، أَوْ يَتْرُكُ بَعْضَ مَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ يُؤْثِرُ بَعْضَ حُظُوظِهِ وَمُرَادِهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ وَيُزَاحِمُهُ بِهِ؟
[ ٢٤٦ ]
وَمِنَ الْمَعْلُومِ عَقْلًا وَشَرْعًا وَفِطْرَةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَحِقُّ عَلَى عَبْدِهِ غَايَةَ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْعُبُودِيَّةِ الَّتِي تَصِلُ إِلَيْهَا قُدْرَتُهُ، وَكُلُّ مَا يُنَافِي التَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا يُنَاسِبُهُ، وَالشِّرْكُ وَالْمَعْصِيَةُ وَالْغَفْلَةُ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَتَرْكُ بَذْلِ الْجُهْدِ وَالنَّصِيحَةِ فِي الْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَتَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْتِفَاتُهُ إِلَى مَا سِوَاهُ، وَمُنَازَعَةُ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ وَالْمُشَارَكَةُ فِي الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَرُؤْيَةُ الْمِلَّةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَلَا يَنْسَلِخُ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، كُلُّ ذَلِكَ يُنَافِي التَّعْظِيمَ وَالْإِجْلَالَ، فَلَوْ وَضَعَ سُبْحَانَهُ الْعَدْلَ عَلَى الْعِبَادِ لَعَذَّبَهُمْ بِعَدْلِهِ فِيهِمْ وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، وَغَايَةُ مَا يُقَدَّرُ تَوْبَةُ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتِرَافُهُ بِهِ، وَقَبُولُ التَّوْبَةِ مَحْضُ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ عَذَّبَ عَبْدَهُ عَلَى جِنَايَتِهِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا وَلَوْ قَدَّرَ أَنَّهُ تَابَ مِنْهَا، لَكِنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِمُقْتَضَى فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبِهِ وَاعْتَرَفَ بِهِ رَحْمَةً وَإِحْسَانًا، وَقَدْ كَتَبَ سُبْحَانَهُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، فَلَا يَسَعُ الْخَالِقُ إِلَّا رَحْمَتَهُ وَعَفْوَهُ، وَلَا يَبْلُغُ عَمَلُ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَنْجُوَ بِهِ مِنَ النَّارِ أَوْ يَدْخُلَ بِهِ الْجَنَّةَ، كَمَا قَالَ أَطْوَعُ الْخَلْقِ لِرَبِّهِ، وَأَفْضَلُهُمْ عَمَلًا وَأَشَدُّهُمْ تَعْظِيمًا لَهُ: " «لَنْ يُنَجَيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» ".
وَكَانَ ﷺ أَكْمَلُ الْخَلْقِ اسْتِغْفَارًا، وَكَانُوا يَعُدُّونَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ: " «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» "، وَكَانَ يَقُولُ: " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ»، وَكَانَ «إِذَا سَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا»، وَكَانَ «يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي» "، وَكَانَ «يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرَافِي فِي أَمْرِي وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جَدِّي وَهَزْلِي،
[ ٢٤٧ ]
وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» ".
وَكَانَ يَسْتَغْفِرُ فِي اسْتِفْتَاحِ الصَّلَاةِ وَفِي خَاتِمَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَّمَ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ فِي صَلَاتِهِ وَيَعْتَرِفَ عَلَى نَفْسِهِ بِظُلْمٍ كَثِيرٍ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وَقَالَ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فَأَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مُحْتَاجُونَ إِلَى مَغْفِرَتِهِ كَمَا هُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى رَحْمَتِهِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَغْنِي عَنْ مَغْفِرَةِ اللَّهِ فَهُوَ كَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ رَحْمَتِهِ فَلَا يَسْتَغْنِي أَحَدٌ عَنْ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، كَمَا لَا يَسْتَغْنِي عَنْ نِعْمَتِهِ وَمِنَّتِهِ، فَلَوْ أَمْسَكَ عَنْهُمْ فَضْلَهُ وَمِنَّتَهُ وَرَحْمَتَهُ لَهَلَكُوا وَعُذِّبُوا، وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، وَحِينَئِذٍ فَتُصِيبُهُمُ النَّقَمَاتُ بِإِمْسَاكِ فَضْلِهِ، وَكُلُّ نِقْمَةٌ مِنْهُ عَدْلٌ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الظُّلْمَ يُقَدَّسُ عَنْهُ، أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوا وَيَمْنَعْهُمْ ثَوَابَ مَا يَسْتَحِقُّونَ ثَوَابَهُ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا بِسَبَبٍ كَمَا إِذَا أَرَادَ تَعْذِيبَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينَ وَمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ حُجَّتُهُ فِي الدُّنْيَا امْتَحَنَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَعَذَّبَ مَنْ عَصَاهُ مِنْهُمْ بِأَسْبَابٍ أَظْهَرُهَا بِالِامْتِحَانِ كَمَا أَظْهَرُ امْتِحَانِ إِبْلِيسَ سَبَبُ عُقُوبَتِهِ، فَلَوْ أَرَادَ تَعْذِيبَ أَهْلِ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ كُلِّهِمْ لَامْتَحَنَهُمُ امْتِحَانًا يُظْهِرُ أَسْبَابَ تَعْذِيبِهِمْ فَيَكُونُ عَدْلًا مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ مِنَ الْعَبْدِ مَا لَا يَعْلَمُهُ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ.
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَقَدْ دَخَلُوا النَّارَ وَإِنَّ حَمْدَهُ لَفِي قُلُوبِهِمْ، مَا وَجَدُوا عَلَيْهِ سَبِيلًا، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَقَدْ طَلَبُوا كُلُّهُمْ مِنْهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ، فَقَالَ أَوَّلُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَبُو الْبَشَرِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] فَهُوَ ﷺ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا انْتَفَعَ فِي الْمِحْنَةِ بِاعْتِرَافِهِ وَإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالظُّلْمِ وَسُؤَالِهِ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَهَذَا نُوحٌ
[ ٢٤٨ ]
أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ يَسْأَلُهُ الْمَغْفِرَةَ وَيَقُولُ: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وَهَذَا يُونُسُ يَقُولُ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وَإِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] الْآيَةَ، وَكَلِيمُ الرَّحْمَنِ مُوسَى يَقُولُ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وَيَقُولُ: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وَمُحَمَّدٌ ﷺ، أَفْضَلُهُمْ وَأَكْمَلُهُمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا كَانَ يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ، وَسَأَلَهُ الصِّدِّيقُ أَنْ يُعَلِّمَهُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: " «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» "، وَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ الصِّدِّيقِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَفْضَلُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهُوَ يُخْبِرُ بِمَا هُوَ صَادِقٌ فِيهِ مَنْ ظُلْمِ نَفْسِهِ ظُلْمًا كَثِيرًا، فَمَا الظَّنُّ بِسِوَاهُ؟ بَلْ إِنَّمَا صَارَ صِدِّيقًا بِتَوْفِيَتِهِ هَذَا الْمَقَامَ حَقَّهُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ رَبِّهِ وَحَقِّهِ وَعَظْمَتِهِ وَجَلَالِهِ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ وَمَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَعْرِفَةِ تَقْصِيرِهِ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ كَمَا يَنْبَغِي، فَأَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ إِقْرَارًا هُوَ صَادِقٌ فِيهِ أَنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظُلْمًا كَثِيرًا وَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ.
سُحْقًا وَبُعْدًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمَخْلُوقَ يَسْتَغْنِي عَنْ مَغْفِرَةِ رَبِّهِ وَلَا يَكُونُ بِهِ حَاجَةٌ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ وَرَاءَ هَذَا الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَعَظْمَتِهِ وَحَقِّهِ غَايَةٌ.
فَصْلٌ
فَإِنْ كَثَفَ عَلَمُكَ عَنْ هَذَا وَلَمْ يَتَّسِعْ لَهُ عَقْلُكَ، فَاذْكُرِ النِّعَمَ وَمَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُقُوقِ وَوَازِنْ بَيْنَ شُكْرِهَا وَكُفْرِهَا، فَحِينَئِذٍ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: يُنْشَرُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةُ دَوَاوِينَ: دِيوَانٌ فِيهِ ذُنُوبُهُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ النِّعَمُ، وَدِيوَانٌ فِيهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، فَيَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى أَصْغَرَ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ فَتَقُومُ تَسْتَوْعِبُ عَمَلَهُ فِيهِ، ثُمَّ تَقُولُ: أَيْ رَبِّي، وَعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ مَا اسْتَوْعَبَتْ
[ ٢٤٩ ]
ثُمُنِي، وَقَدْ بَقِيَتَ الذُّنُوبُ وَالنِّعَمُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ خَيْرًا قَالَ: ابْنَ آدَمَ، ضَعَّفْتَ حَسَنَاتِكَ وَتَجَاوَزْتُ عَنْ سَيِّئَاتِكَ، وَوَهَبْتُ لَكَ نِعْمَتِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ الْأَمْرَ أَنَّ مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ أَنْ يَرْضَى بِهِ رَبَّهُ وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَهَذَا الرِّضَى يَقْتَضِي رِضَاهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهُ فِي كُلِّ مَا يَقْضِيهِ وَيُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ فِي عَطَائِهِ لَهُ وَمَنْعِهِ، وَفِي قَبْضِهِ وَبَسْطِهِ، وَرِضَاهُ بِالْإِسْلَامِ دِينًا يُوجِبُ عَلَيْهِ رِضَاهُ بِهِ وَعَنْهُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ، وَيُحِبُّهُ مِنْهُ وَيَكْرَهُهُ لَهُ، فَلَا يَكُونُ فِي صَدْرِهِ مِنْ ذَلِكَ حَرَجٌ بِوَجْهٍ مَا، وَرِضَاهُ بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يُوجِبُ أَنْ يَرْضَى بِحُكْمِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ لِذَلِكَ وَيَنْقَادَ لَهُ وَلَا يُقَدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حُبُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَبُغْضُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَعَطَاؤُهُ لِلَّهِ وَمَنْعُهُ لِلَّهِ، وَفِعْلُهُ لِلَّهِ وَتَرْكُهُ لِلَّهِ، وَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ كَانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ عَمِلَهُ، بَلْ فِعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، حَيْثُ وَفَّقَهُ لَهُ وَيَسَّرَهُ لَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَحَضَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا آخَرًا عَلَيْهِ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْقِيَامِ فِيمَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ أَبَدًا، فَنِعَمُ اللَّهِ تُطَالِبُهُ بِالشُّكْرِ، وَأَعْمَالُهُ لَا يَقْبَلُهَا وَذُنُوبُهُ وَغَفْلَتُهُ وَتَقْصِيرُهُ قَدْ يَسْتَنْفِدُ عَمَلَهُ، فَدِيوَانُ النِّعَمَ وَدِيوَانُ الذُّنُوبِ يَسْتَنْفِدَانِ طَاعَاتِهِ كُلَّهَا، هَذَا، وَأَعْمَالُ الْعَبْدِ مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ بِمُقْتَضِ كَوْنِهِ عَبْدًا مَمْلُوكًا مُسْتَعْمَلًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ سَيِّدُهُ، فَنَفْسُهُ مَمْلُوكَةٌ وَأَعْمَالُهُ مُسْتَحَقَّهٌ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ الْعُبُودِيَّةِ فَلَا يَسْتَحِقُّ ثَوَابًا وَلَا جَزَاءً، فَلَوْ أَمْسَكَ الثَّوَابَ وَالْجَزَاءَ الَّذِي يَتَنَعَّمُ بِهِ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَعَلَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِحَقِّ كَوْنِهِ عَبْدًا، وَمَنْ لَمْ يُحْكِمْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَإِنَّهُ عِنْدَ الذُّنُوبِ وَعُقُوبَاتِهَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنَ الْأَقْوَالِ مَا يَكُونُ فِيهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا خَصْمًا لِلَّهِ مُتَظَلِّمًا مِنْهُ شَاكِيًا لَهُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَوْ حُرِّكَتِ النُّفُوسُ لَرَأَيْتَ الْعَجَبَ.
وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَادِلٌ، لَوْ عَمَّ أَهَّلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِالْعَذَابِ لَكَانَ عَادِلًا، فَهُوَ إِنَّمَا يُنْزِلُ الْعَذَابَ بِسَبَبِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُمْ ثُمَّ يَعُمُّ الْعَذَابَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ،
[ ٢٥٠ ]
كَمَا أَهْلَكَ سُبْحَانَهُ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبِينَ بِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ، وَأَصَابَ الْعَذَابُ الْأَطْفَالَ وَالْبَهَائِمَ وَمَنْ لَمْ يُذْنِبْ، وَكَذَلِكَ إِذَا عَصَاهُ أَهْلُ الْأَرْضِ أَمْسَكَ عَنْهُمْ قُطْرَ السَّمَاءِ، فَيُصِيبُ ذَلِكَ الْعَذَابُ الْبَهَائِمَ وَالْوُحُوشَ فِي الْفَلَوَاتِ، فَتَمُوتُ الْحَبَارَى فِي وُكُورِهَا هَزْلًا بِخَطَايَا بَنِي آدَمَ، وَيَمُوتُ الضَّبُّ فِي جُحْرِهِ جُوعًا، وَقَدْ أَغْرَقَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَرْضِ كُلَّهُمْ بِخَطَايَا قَوْمِ نُوحٍ، وَفِيهِمُ الْأَطْفَالُ وَالْبَهَائِمُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ سُبْحَانَهُ، فَالْعُقُوبَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي اشْتَرَكَ النَّاسُ فِي أَسْبَابِهَا تَأْتِي عَامَّةً، وَقَدْ كُسِرَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَوْمَ أُحُدٍ بِذُنُوبِ أُولَئِكَ الَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَخْلَوْا مَرْكَزَهُمْ، وَانْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ لِمَا حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ مِنَ الْإِعْجَابِ بِكَثْرَتِهِمْ، فَعَمَّتِ عُقُوبَةُ ذَلِكَ الْإِعْجَابَ، وَهَذَا عَيْنُ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
وَغَايَةُ مَا يُقَالُ: فَهَلَّا خَصَّتِ الْعُقُوبَةُ صَاحِبَ الْجَرِيمَةِ؟ فَيُقَالُ: الْعُقُوبَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي تَبْقَى آيَةً وَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً، لَوْ وَقَعَتْ خَاصَّةً لَارْتَفَعَتِ الْحِكْمَةُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا، وَفَاتَتِ الْعِبْرَةُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِلنَّاسِ أَنَّهَا بِذَلِكَ السَّبِيلِ، بَلْ لَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: قَدَرًا اتَّفَقَ، وَإِذَا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَمَنْ يُثَابُ فِي الْآخِرَةِ مُعَجَّلٌ لَهُ الرَّاحَةُ فِي الدُّنْيَا بِالْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ، وَيَتَدَاخَلُ الثَّوَابُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ لَا يُثَابُ كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مَوْتِهَا فَإِنَّهَا لَا تَتَعَجَّلُ الرَّاحَةَ وَمَا يُصِيبُهَا مَنْ أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ، فَهُوَ مِنْ لِوَازِمِ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ مِثْلَ الَّذِي يُصِيبُهَا مِنْ أَلَمِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْحَبْسِ فِي بُيُوتِهَا الَّتِي مَصْلَحَتُهَا أَرْجَحُ مِنْ مَفْسَدَةِ مَا يَنَالُهَا، وَهَكَذَا مُصْلَحَةُ هَذِهِ الْعُقُوبَةُ الْعَامَّةِ وَجَعْلُهَا عِبْرَةً لِلْأُمَمِ أَرْجَحُ مِنْ مَفْسَدَةٍ تَأَلُّمِ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ.