الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْخَمْسِينَ: قَالَ ابْنُ جِنِّي: بَابٌ فِي الْمَجَازِ إِذَا كَثُرَ أُلْحِقَ بِالْحَقِيقَةِ:
اعْلَمْ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَةِ مَعَ تَأَمُّلِهِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَذَلِكَ عَامَّةُ الْأَفْعَالِ، نَحْوَ: قَامَ زَيْدٌ وَقَعَدَ
[ ٣٣٥ ]
عُمَرُ وَانْطَلَقَ بِشْرٌ وَجَاءَ الصَّيْفُ وَانْهَزَمَ الشِّتَاءُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفِعْلَ يُفَادُ مِنْهُ مَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ، فَقَوْلُكَ: قَامَ زَيْدٌ، أَيِ: الْجِنْسُ مِنَ الْفِعْلِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ جَمِيعُ الْقِيَامِ، وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَهُوَ جِنْسٌ، وَالْجِنْسُ يُطْبِقُ جَمِيعَ الْمَاضِي وَجَمِيعَ الْحَاضِرِ وَجَمِيعَ الْآتِي الْكَائِنَاتِ مِنْ كُلِّ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ الْقِيَامُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَا فِي مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ مُضَاعَفَةُ الْقِيَامِ كُلِّهِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْوَهْمِ، هَذَا مُحَالٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي لُبٍّ.
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ عَلِمْتَ أَنَّ قَامَ زَيْدٌ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَضْعِ الْكُلِّ مَوْضِعَ الْبَعْضِ لِلِاتِّبَاعِ وَالْمُبَالَغَةِ، وَنِسْبَةُ الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ، وَيَدُلُّ عَلَى انْتِظَامِ ذَلِكَ بِجَمِيعِ جِنْسِهِ أَنَّكَ تَعْلَمُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَتَقُولُ: قَوْمَةً وَقَوْمَتَيْنِ وَقِيَامًا حَسَنًا وَقِيَامًا قَبِيحًا، فَإِعْمَالُكَ إِيَّاهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ ; يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُمْ عَلَى صَلَاحِهِ لِتَنَاوُلِ جَمِيعِهَا، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْمَصَادِرِ فِيمَا فِيهِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، أَلَا تَرَاكَ لَا تَقُولُ قُمْتُ جُلُوسًا وَلَا ذَهَبْتُ مَجِيئًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ: لَعَمْرِي لَقَدْ أَحْبَبْتُكَ الْحُبَّ كُلَّهُ، فَانْتِظَامُهُ لِجَمِيعِهِ يَدُلُّ عَلَى وَضْعِهِ عَلَى اعْتِرَافِهِ وَاسْتِيعَابِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:
وَقَدْ يَجْمَعُ اللَّهُ الشَّتِيتَيْنِ بَعْدَمَا يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ أَنْ لَا تَلَاقِيَا
فَقَوْلُهُ كُلَّ الظَّنِّ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: قَوْلُنَا زَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا: خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ، تَعْرِيفُهُ هُنَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، كَقَوْلِكَ: الْأَسَدُ أَشَدُّ مِنَ الذِّئْبِ، وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ خَرَجْتُ وَجَمِيعُ الْأَسَدِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا الْوَهْمُ عَلَى الْبَابِ، هَذَا مُحَالٌ وَاعْتِقَادُهُ اخْتِلَالٌ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ خَرَجْتُ فَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ بِالْبَابِ، فَوَضَعْتَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ مَجَازًا لِمَا فِيهِ مِنَ الِاتِّسَاعِ وَالتَّوْكِيدِ.
أَمَّا الِاتِّسَاعُ فَبِأَنْ وَضَعْتَ اللَّفْظَ الْمُعْتَادَ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَأَمَّا التَّوْكِيدُ فَلِأَنَّكَ عَظَّمْتَ قَدْرَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِالْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِثْلُهُ فِي كَوْنِهِ أَسَدًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِثْلُهُ قَعَدَ جَعْفَرٌ وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ وَجَاءَ اللَّيْلُ وَانْصَرَمَ النَّهَارُ.
وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ سُبْحَانَهُ نَحْوَ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَمَا كَانَ مِثْلَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَزَّ اسْمُهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَلَقَ أَفْعَالَنَا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا حَقِيقِيَّةً لَا مَحَالَةَ لَكَانَ خَالِقَ الْكُفْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا، وَكَذَلِكَ عَلِمَ اللَّهُ قِيَامَ زَيْدٍ مَجَازٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَتِ الْحَالُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ عَلَيْهَا قِيَامَ زَيْدٍ هِيَ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ عَلَيْهَا قِيَامَ عُمَرَ، وَلَسْنَا
[ ٣٣٦ ]
نُثْبِتُ لَهُ سُبْحَانَهُ عِلْمًا لِأَنَّهُ عَالِمٌ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنَّا مَعَ ذَلِكَ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ حَالُ عِلْمِهِ بِقُعُودِ زَيْدٍ هِيَ حَالَ عِلْمِهِ بِجُلُوسِ عَمْرٍو، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ ضَرَبْتُ عَمْرًا مَجَازٌ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّجَوُّزِ فِي الْفِعْلِ وَأَنَّكَ إِنَّمَا فَعَلْتَ بَعْضَ الضَّرْبِ لَا جَمِيعَهُ، وَلَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّكَ إِنَّمَا فَعَلْتَ بَعْضَهُ لَا جَمِيعَهُ.
أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا ضَرَبْتَ يَدَهُ أَوْ إِصْبَعَهُ أَوْ نَاحِيَةً مِنْ نَوَاحِي جَسَدِهِ، وَلِهَذَا إِذَا احْتَاطَ الْإِنْسَانُ أَوِ اسْتَظْهَرَ جَاءَ بِبَدَلِ الْبَعْضِ فَقَالَ ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ أَوْ وَجْهَهُ، نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَجَوِّزٌ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ فَيُبَدِّلُ لِلِاحْتِيَاطِ، وَهُوَ إِنَّمَا ضَرَبَ نَاحِيَةً مِنْ نَوَاحِي رَأْسِهِ لَا رَأْسَهُ كُلَّهُ، وَلِهَذَا يَحْتَاطُ بَعْضُهُمْ فِي نَحْوِ هَذَا فَيَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا جَانِبَ وَجْهِهِ الْأَيْمَنِ، أَوْ ضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ.
وَإِذَا عَرَفْتَ التَّوْكِيدَ وَلِمَ وَقَعَ فِي الْكَلَامِ نَحْوَ نَفْسِهِ وَعَيْنِهِ وَأَجْمَعَ وَكُلِّهِ وَكُلِّهِمْ وَكِلَيْهِمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، عَرَفْتَ مِنْهُ حَالَ سَعَةِ الْمَجَازِ فِي هَذَا الْكَلَامِ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ قَطَعَ الْأَمِيرُ اللِّصَّ، وَيَكُونُ الْقَطْعُ بِأَمْرِهِ لَا بِيَدِهِ، فَإِذَا قُلْتَ قَطَعَ الْأَمِيرُ لِصًّا، رَفَعْتَ الْمَجَازَ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ، وَصِرْتَ إِلَى الْحَقِيقَةِ، لَكِنْ بَقِيَ عَلَيْكَ التَّجْوِيزُ فِي مَكَانٍ آخَرَ وَهُوَ قَطْعُ اللِّصِّ، وَإِنَّمَا فِعْلُهُ قَطْعُ يَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ، فَإِذَا احْتَطْتَ قُلْتَ: قَطَعَ الْأَمِيرُ يَدَ اللِّصِّ أَوْ رِجْلَهُ.
قُلْتُ: وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: وَذَلِكَ مَجَازٌ أَيْضًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْيَدَ رَسْمٌ لِلْعُضْوِ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَهُوَ لَمْ يَقْطَعْهَا كُلَّهَا إِنَّمَا قَطَعَ بَعْضَهَا، فَإِذَا احْتَاطَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ: قَطَعَ الْأَمِيرُ نَفْسَهُ مِنْ يَدِ اللِّصِّ مَا بَيْنَ الْكُوعِ وَالْأَصَابِعِ، وَذَلِكَ مَجَازٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ سَمَّاهُ لِصًّا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ وَجَدَ جَمِيعَ أَفْرَادِ اللُّصُوصِيَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ فَقَدْ أَوْقَعَ الْبَعْضَ مَوْقِعَ الْكُلِّ وَذَلِكَ مَجَازٌ، فَإِذَا احْتَاطَ قَالَ قَطْعَ الْأَمِيرُ نَفْسَهُ مِنْ يَدٍ وَمَنْ وَجَدَ مِنْهُ بَعْضَ اللُّصُوصِيَّةِ مَا بَيْنَ الْكُوعِ وَالْأَصَابِعِ، وَيَبْقَى عَلَيْهِ مَجَازٌ آخَرُ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ الْقَطْعَ عِنْدَهُ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَأَوْقَعَ الْقَطْعَ عَلَى فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْقَطْعِ لِمَنْ وَجَدَ مِنْهُ بَعْضَ أَفْرَادِ اللُّصُوصِيَّةِ أَوْقَعَهُ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ يَدِهِ.
فَيَا ضَحِكَةَ الْعُقَلَاءِ وَيَا شَمَاتَةَ الْأَعْدَاءِ بِهَذِهِ الْعُقُولِ السَّخِيفَةِ الَّتِي كَادَهَا عَدُوُّهَا وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ يُوَفِّقَ عَقْلَ مَنْ أَنْكَرَ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَيَكْذِبَ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أَنَّ غَالِبَ كَلَامِهِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ لِشُهُودِ هَذَا الَّذِي هُوَ بِأَقْبَحِ الْهَذَيَانِ أَشْبَهَ مِنْهُ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ.
[ ٣٣٧ ]
قَالَ وَكَذَلِكَ قَوْلُكَ جَاءَ الْجَيْشُ أَجْمَعُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا جَاءَ بَعْضُهُمْ إِنْ أَطْلَقْتَ الْمَجِيءَ عَلَى جَمِيعِهِمْ لَمَا كَانَ لِقَوْلِكَ أَجْمَعُ مَعْنًى، فَوُقُوعُ التَّوْكِيدِ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى شِيَاعِ الْمَجَازِ فِيهَا وَاشْتِمَالِهِ عَلَيْهَا حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ أَفْرَدُوا لِذَلِكَ بَابًا لِعِنَايَتِهِمْ بِهِ، وَكَوْنِهِ مِمَّا لَا يُضَاعُ وَلَا يُهْمَلُ مِثْلُهُ، كَمَا أَفْرَدُوا لِكُلِّ مَعْنًى أَهَمَّهُمْ بَابًا كَالصِّفَةِ وَالْعَطْفِ وَالْإِضَافَةِ وَالنِّدَاءِ وَالنُّدْبَةِ وَالْقَسَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ جِنِّي: وَكَذَلِكَ أَيْضًا حَذْفُ الْمُضَافِ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ وَقَدْ كَثُرَ حَتَّى إِنَّ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ بَلْ ثَلَاثُمِائَةِ مَوْضِعٍ، وَفِي الشَّعْرِ مِنْهُ مَا لَا أُحْصِيهِ، قَالَ: وَهَذَا يَدْفَعُ دَفْعَ أَبِي الْحَسَنِ الْقِيَاسَ عَنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَقِيقَةً، أَوْ لَا يَعْلَمُ أَبُو الْحَسَنِ كَثْرَةَ الْمَجَازِ عَلَيْهِ وَسِعَةَ اسْتِعْمَالِهِ وَانْتِشَارَ مَوَاقِعِهِ، كَقَامَ أَخُوكَ، وَجَاءَ الْجَيْشُ، وَضَرَبْتُ زَيْدًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَهُوَ عَلَى غَايَةِ الِانْقِيَادِ وَالِاطِّرَادِ فَكَذَلِكَ حَذْفُ الْمُضَافِ.
فَإِنْ قِيلَ: يَجِيءُ مِنْ هَذَا أَنْ تَقُولَ ضَرَبْتُ زَيْدًا وَإِنَّمَا ضَرَبْتُ غُلَامَهُ وَوَلَدَهُ، قِيلَ: هَذَا الَّذِي شَنَّعْتُ بِهِ بِعَيْنِهِ جَائِزٌ، أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ: إِنَّمَا ضَرَبْتُ زَيْدًا لِضَرْبِكَ لِغُلَامِهِ، وَأَهَنْتُهُ بِإِهَانَتِكَ وَلَدَهُ، وَهَذَا بَابُ إِنَّمَا يُصْلِحُهُ وَيُفْسِدُهُ الْمَعْرِفَةُ بِهِ، فَإِنْ فُهِمَ عَنْكَ فِي قَوْلِكَ ضَرَبْتُ زَيْدًا أَنَّكَ إِنَّمَا أَرَدْتَ بِذَلِكَ ضَرَبْتُ غُلَامَهُ أَوْ أَخَاهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ عَنْكَ لَمْ يَجُزْ، كَمَا أَنَّكَ إِنْ فُهِمَ بِقَوْلِكَ أَكَلْتُ الطَّعَامَ أَكَلْتُ بَعْضَهُ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْبَدَلِ.
وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ عَنْكَ وَأَرَدْتَ إِفْهَامَ الْمُخَاطَبِ إِيَّاهُ لَمْ تَجِدْ بُدًّا مِنَ الْبَيَانِ وَأَنْ تَقُولَ بَعْضَهُ أَوْ نِصْفَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاعِرَ لَمَّا فَهِمَ عَنْهُ مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ:
صَبَّحْنَ مِنْ كَاظِمَةِ الْحِصْنِ الْخَرِبِ يَحْمِلْنَ عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
وَإِنَّمَا أَرَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الثِّقَةِ يَفْهَمُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ الْبَيَانِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:
عَلِيمٌ بِمَا أَعْيَا النَّطَاسِيَّ حِذْيَمًا
إِنَّمَا أَرَادَ ابْنَ حِذْيَمٍ.
[ ٣٣٨ ]
قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَى إِلْحَاقِ الْمَجَازِ بِالْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ وَسُلُوكِهِ طَرِيقَتَهُمْ فِي نُفُوسِهِمْ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ وَكَّدَتْهُ كَمَا وَكَّدَتِ الْحَقِيقَةَ، وَذَلِكَ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ:
عَشِيَّةَ سَالَ الْمِرْبَدَانِ كِلَاهُمَا سَحَابَةَ مَوْتٍ بِالسُّيُوفِ الصَّوَارِمِ
وَإِنَّمَا هُوَ مُرِيدٌ وَاحِدٌ فَثَنَّاهُ مَجَازًا لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ مُجَاوِرِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَفَعَ ذَلِكَ وَوَكَّدَهُ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبَيْهِ مِرْبَدًا.
وَقَالَ الْآخَرُ:
إِذَا الْبَيْضَةُ الصَّمَّاءُ عَضَّتْ صَفِيحَةً بِحَرْبَاتِهَا صَاحَتْ صِيَاحًا وَصَلَّتِ
فَأَكَّدَ صَاحَتْ وَهُوَ مَجَازٌ بِقَوْلِهِ (صِيَاحًا) وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: خَلَقَ اللَّهُ كَلَامًا فِي الشَّجَرَةِ فَكَلَّمَ بِهِ مُوسَى، وَإِذَا أَحْدَثَهُ كَانَ مُتَكَلِّمًا بِهِ، وَأَمَّا أَنْ يُحَدِّثَهُ فِي فَمٍ أَوْ شَجَرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَهُوَ شَيْءٌ آخَرُ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ وَاقِعٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مِنَّا إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الصِّفَةَ لِكَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا لَا غَيْرُ، لَا لِأَنَّهُ أَحْدَثَهُ مِنْ آلَةِ نُطْقِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَكُونُ مُتَكَلِّمًا حَتَّى يُحَرِّكَ بِهِ آلَةَ نُطْقِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا عَمِلَ لَهُ مُصَوِّتَةً وَحَرَّكَهَا وَاجْتَزَأَ بِأَصْوَاتِهَا عَنْ أَصْوَاتِ الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ الْمَسْمُوعَةِ فِي كَلَامِنَا، أَكُنْتَ تُسَمِّيهِ مُتَكَلِّمًا وَتُسَمِّي تِلْكَ الْأَصْوَاتِ كَلَامًا، وَذَلِكَ الْمُصَوِّتُ بِهِ مُتَكَلِّمًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُوَّةِ الْبَشَرِ أَنْ يُورِدُوا الْكَلَامَ بِالْآلَاتِ الَّتِي يَصْنَعُوهَا عَلَى سَمْتِ الْحُرُوفِ الْمَنْطُوقِ بِهَا وَصُورَتِهَا لِعَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَأْتُونَ بِأَصْوَاتٍ فِيهَا الشَّبَهُ الْيَسِيرُ مِنْ حُرُوفِهَا، فَلَا يَسْتَحِقُّ لِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ كَلَامًا، وَلَا يَكُونُ النَّاطِقُ بِهَا مُتَكَلِّمًا، كَمَا أَنَّ الَّذِي يُصَوِّرُ الْحَيَوَانَ تَجْسِيمًا وَتَزْوِيقًا لَا يُقَالُ خَالِقٌ لِلْحَيَوَانِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مُصَوِّرٌ وَحًا وَمُشَبِّهٌ، وَأَمَّا الْقَدِيمُ سُبْحَانَهُ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِحْدَاثِ الْكَلَامِ عَلَى صُورَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ وَأَصْوَاتِهِ الْحَيَوَانِيَّةِ فِي الشَّجَرَةِ وَالْهَوَاءِ وَمَا شَاءَ، وَهَذَا فَرْقٌ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ أَحَالَ سِيَبَوَبْهِ قَوْلَنَا اشْرَبْ مَاءَ الْبَحْرِ، وَهَذَا مِنْهُ حَظْرٌ لِلْمَجَازِ الَّذِي أَنْتَ مُدَّعٍ شِيَاعَهُ وَانْتِشَارَهُ.
قِيلَ: إِنَّمَا أَحَالَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ يُرِيدُ بِهِ الْحَقِيقَةَ، وَهَذَا مُسْتَقِيمٌ، إِذِ الْإِنْسَانُ
[ ٣٣٩ ]
الْوَاحِدُ لَا يَشْرَبُ مَاءَ الْبَحْرِ كُلَّهُ، فَأَمَّا إِنْ أَرَادَ بَعْضَهُ ثُمَّ أَطْلَقَ اللَّفْظَ وَلَا يُرِيدُ بِهِ جَمْعَهُ فَلَا مَحَالَةَ فِي جَوَازِهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ:
نَزَلُوا بِالْعِزَّةِ يَسِيلُ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْفُرَاتِ يَجِيءُ فِي أَطْوَادِ
إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ جَمِيعَهُ لِأَنَّهُ قَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ مَائِهِ مُخْتَلِجًا قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى أَرْضِهِ بِشُرْبٍ أَوْ سَقْيِ زَرْعٍ وَنَحْوِهِ، فَسِيبَوَيْهِ إِنَّمَا وَضَعَ اللَّفْظَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْلِ وَضْعِهِ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْعُمُومِ، وَاجْتَنَبَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيهِ مِنَ الْخُصُوصِ، وَمِثْلُ تَوْكِيدِهِ الْمَجَازَ فِيمَا مَضَى قَوْلُنَا قَامَ زَيْدٌ قِيَامًا وَجَلَسَ جُلُوسًا، فَقَدْ قَدَّمْنَا الدَّلِيلَ عَلَى أَنَّ قَامَ وَقَعَدَ مَجَازٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِالْمَصْدَرِ، وَكَذَلِكَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَجَازًا عَلَى مَا مَضَى.
وَمِنَ التَّوْكِيدِ فِي الْمَجَازِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وَلَمْ تُؤْتَ لِحْيَةَ رَجُلٍ وَلَا ذَكَرَهُ، قَالَ: وَوَجْهُ هَذَا عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا حُذِفَتْ صِفَتُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] تُؤْتَاهُ الْمَرْأَةُ الْمَلِكَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ أُوتِيَتْ لِحْيَةً وَذَكَرًا لَمْ تَكُنِ امْرَأَةً أَصْلًا، وَلَمَا قِيلَ فِيهَا (وَأُوتِيَتْ) وَقِيلَ فِيهَا (وَأُوتِيَ) وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَهُوَ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ مَا يَسْتَثْنِيهِ الْعَقْلُ بِبَدِيهَتِهِ وَلَا يُحْوَجُ إِلَى التَّشَاغُلِ بِاسْتِثْنَائِهِ، فَإِنَّ الشَّيْءَ كَائِنًا مَا كَانَ لَا يَخْلُقُ نَفْسَهُ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] فَحَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ عَالِمًا بِعِلْمٍ، فَهُوَ إِذًا الْعَلِيمُ الَّذِي فَوْقَ ذَوِي الْعُلُومِ أَجْمَعِينَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ وَفَوْقَ كُلِّ عَالِمٍ عَلِيمٌ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَالِمٌ وَلَا عَالِمَ فَوْقَهُ.
فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ قَوْلُهُ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] اللَّفْظُ الْمُعْتَادَ لِلتَّوْكِيدِ قِيلَ: هُوَ إِنْ لَمْ يَأْتِ نَابِعًا عَلَى سِمَةِ التَّوْكِيدِ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى التَّوْكِيدِ، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: عَمَمْتُ بِالضَّرْبِ جَمِيعَ الْقَوْمِ، فَفَائِدَتُهُ فَائِدَةُ قَوْلِكَ ضَرَبْتُ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَيَانِ وَاحِدًا كَانَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لَغْوًا غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ " هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ ".
وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَشَيْخَهُ أَبَا عَلِيٍّ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالِاعْتِزَالِ الْمُنْكِرِينَ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَكْلِيمِهِ، فَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا الْبَتَّةَ، وَلَا يُحَاسِبُ عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِنَفْسِهِ وَكَلَامِهِ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ وَالْكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ مَخْلُوقٌ مِنْ
[ ٣٤٠ ]
بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَيْسَ لَهُ صِفَةٌ تَقُومُ لَهُ، فَلَا عِلْمَ لَهُ عِنْدَهُمْ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ وَلَا إِرَادَةَ وَلَا سَمْعَ وَلَا بَصَرَ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مِنْهُمْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنَّهُ شَاءَ مِنْهُمْ خِلَافَهَا، وَشَاءُوا هُمْ خِلَافَ مَا شَاءَ، فَغَلَبَتْ مَشِيئَتُهُمْ، وَكَانَ مَا شَاءُوهُ هُمْ دُونَ مَا شَاءَ هُوَ، فَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ، وَيَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ، وَهُوَ خَالِقٌ عِنْدَ هَذَا الضَّالِّ الْمُضِلِّ وَعَالِمٌ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَالْمَجَازُ يَصِحُّ نَفْيُهُ، فَهُوَ إِذًا عِنْدَهُ لَا خَالِقٌ وَلَا عَالِمٌ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ.
فَمِنْ هَذَا خَطَؤُهُ وَضَلَالُهُ فِي أَصْلِ دِينِهِ وَمُعْتَقَدِهِ فِي رَبِّهِ وَإِلَهِهِ، فَمَا الظَّنُّ بِخَطَئِهِ وَضَلَالِهِ فِي أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ، فَحَقِيقٌ بِمَنْ هَذَا مَبْلَغُ عِلْمِهِ وَنِهَايَةُ فَهْمِهِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ أَكْثَرَ اللُّغَةِ مَجَازٌ وَيَأْتِي بِذَلِكَ الْهَذَيَانِ، وَلَكِنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جَارِيَةٌ أَنْ يَفْضَحَ مَنِ اسْتَهْزَأَ بِحِزْبِهِ وَجُنْدِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ وَشَيْخُهُ فِي زَمَنِ قُوَّةِ شَوْكَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَكَانَتِ الدَّوْلَةُ دَوْلَةَ رَفْضٍ وَاعْتِزَالٍ، وَكَانَ السُّلْطَانُ عَضُدُ الدَّوْلَةِ ابْنُ بُوَيْهِ، وَلَهُ صَنَّفَ أَبُو عَلِيٍّ (الْإِيضَاحَ)، وَكَانَ الْوَزِيرُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّادٍ مُعْتَزِلِيًّا، وَقَاضِي الْقُضَاةِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ أَحْمَدَ مُعْتَزِلِيًّا، (وَأَوَّلُ) مَنْ عُرِفَ مِنْهُ تَقْسِيمُ الْكَلَامِ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ.
وَهَذَا الْوَجْهُ مُقَدِّمَةٌ بَيْنَ يَدَيْ رَدِّ مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ بَاطِلٍ، فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ مَا ادَّعَى فِيهِ أَنَّهُ مَجَازٌ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفِهِ عَلَى قَرِينَةٍ، وَهَذَا حَدُّ الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ، فَإِنَّ الْمَعْنَى يَسْبِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِهِ، وَلَا يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَرِينَةٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَجَازًا، فَإِنْ قَالَ: بَلْ تَرْكِيبُهُ مَعَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَاتِّصَالِهِ بِالْمَفْعُولِ وَالْحَالِ وَالتَّمْيِيزِ وَالتَّوَابِعِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْقَرَائِنِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى، قِيلَ لَهُ: فَلَا يَخْلُو كَلَامٌ مُفِيدٌ مِنْ هَذَا التَّرْكِيبِ الْبَتَّةَ، أَفَنُقُولُ إِنَّ الْجَمِيعَ مَجَازٌ، أَوِ النِّصْفَ مَجَازٌ وَالنِّصْفَ حَقِيقَةٌ، فَإِنْ قُلْتَ فِي الْجَمِيعِ مَجَازٌ، كُنْتَ مُبْطِلًا، رَافِعًا لِلْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمُدَّعٍ عَلَى خِطَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخِطَابِ الْأُمَمِ أَنَّهُ كُلُّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَيَكْفِيكَ هَذَا جَهْلًا وَكَذِبًا، وَإِنْ قُلْتَ: بَلِ الْبَعْضُ حَقِيقَةٌ وَالْبَعْضِ مَجَازٌ قِيلَ لَكَ: فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ؟ وَلَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَأْتِيَ بِضَابِطٍ أَبَدًا، وَقَدْ أَغْلَقْتَ عَلَى نَفْسِكَ بَابَ الْحَقِيقَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ كُلَّ لَفْظٍ تُقِرُّ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ يَلْزَمُكَ فِيهِ نَظِيرُ مَا ادَّعَيْتَ أَنَّهُ مَجَازٌ، وَلَا شَيْءَ أَبْلَغُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِلْمِ اللَّهِ، وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَدِ ادَّعَيْتَ أَنَّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَلَا شَيْءَ أَظْهَرُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الْخَلَائِقِ عِيَانًا جَهْرَةً، فَإِذَا
[ ٣٤١ ]
رَآهَا النَّاسُ وَقَالُوا: طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ هَذَا عِنْدَكَ مَجَازًا عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهَا جَمِيعُ أَفْرَادِ طُلُوعِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْآتِي فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ عِنْدَكَ هُوَ الْحَقِيقَةُ، فَإِذَا كَانَ هَذَا كُلُّهُ مَجَازًا عِنْدَكَ فَمَا الظَّنُّ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْفِعْلَ لَا عُمُومَ لَهُ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وَحْدَةٍ وَلَا كَثْرَةٍ وَلَا عُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ، بَلْ هُوَ دَالٌّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ مُطْلَقُ الْحَقِيقَةِ، فَإِذَا أَرَادُوا تَقْيِيدَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَتَوْا بِمَا يَدُلُّ عَلَى مُرَادِهِمْ.
فَيَأْتُونَ فِي الْمَرْأَةِ بِتَاءِ التَّأْنِيثِ نَحْوَ ضَرَبَتْ، وَفِي الْمَرْأَتَيْنِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ، وَفِي الْجَمْعِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْجَمْعُ حَقِيقَةٌ، فَدَعَوَاكَ إِنَّ ضَرَبَتْ مَوْضُوعٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الضَّرْبِ الْمَوْهُومَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْحَصْرِ كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعِ الْفِعْلَ كَذَلِكَ الْبَتَّةَ وَلَا أَفَادَتْهُ بِهِ وَلَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَضَعَتِ الْفِعْلَ بِالْإِخْبَارِ عَنْ فِعْلٍ صَدَرَ عَنِ الْفَاعِلِ وَيَصْدُرُ مِنْهُ أَوْ يَطْلُبُهُ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ دَلَالَةَ الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْأَمْرِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَاحِدَةٌ، فَلَوْ كَانَ (ضَرَبَتْ) مَوْضُوعًا لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الضَّرْبِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا لَكَانَ الضَّرْبُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مَوْضُوعَةُ لَفْظَةِ اضْرِبْ أَوْقَعَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ كُلِّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا الْمَوْهُومَةِ فِي جَمِيعِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَأَيُّ قَرِينَةٍ عَلَى اللُّغَةِ وَأَوْضَاعِهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ وَهَذَا أَمْرٌ يَقْطَعُ الْعَاقِلُ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ الْمُتَكَلِّمِ وَلَا السَّامِعِ، وَلَا قَصَدَهَ الْوَاضِعُ أَصْلًا، وَمَنْ نَسَبَ الْأَمْرَ بِهِ إِلَى ذَلِكَ فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى أَعْظَمِ الْجَهْلِ وَالَى الْعَجْزِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الْمَجَازِ وَالتَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ الْبَتَّةَ، فَإِنَّ غَايَةَ مَا يَقْدِرُ أَنْ يُقَالَ: أَوْقَعَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ عَلَى جُزْءٍ مِنَ الْمَضْرُوبِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَخْلُصْ عِنْدَهُ لِأَنَّ أَوْقَعَ فِعْلٌ وَهُوَ دَالٌّ عِنْدَهُ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْإِيقَاعِ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْأَمْرِ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّ هَذَا يَسْتَلْزِمُ تَعْجِيزَ الْخَالِقِ عَنِ التَّكَلُّمِ بِالْحَقِيقَةِ أَمْرًا أَوْ خَبَرًا، فَإِنَّ أَوَامِرَهُ سُبْحَانَهُ كُلَّهَا بِالْأَفْعَالِ وَإِخْبَارَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَخَلْقِهِ عَامَّةٌ بِالْأَفْعَالِ، وَقَدْ صَرَّحَ هَذَا بِأَنَّهَا مَجَازٌ، وَقَدْ عَجَزَ اللَّهُ بِأَنْ يَأْمُرَ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ أَوْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ بِلَفْظِ حَقِيقَةٍ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وَ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] وَ﴿آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] وَ﴿وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ٩٣] وَ﴿وَجَاهَدُوا﴾ [البقرة: ٢١٨] وَ﴿اصْبِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] وَ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَ﴿فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]
[ ٣٤٢ ]
وَ﴿وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣] وَ﴿ادْعُونِي﴾ [غافر: ٦٠] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَجَازٌ فَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْمُرَ بِلَفْظِ الْحَقِيقَةِ أَوْ يُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ فِعْلِهِ أَوْ عَنْ فِعْلِ خَلْقِهِ بِهَا، مَاذَا يَقُولُ سُبْحَانَهُ حَتَّى يَكُونَ مُتَكَلِّمًا بِالْحَقِيقَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] وَأَضْعَافُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَجَازٌ، وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْخَبَرِ نَحْوَهُ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠] وَ﴿قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: ٤٢] وَ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] وَقَوْلُهُ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: ٣٤] وَأَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ فِعْلٍ وَمِائَةِ أَلْفِ خَبَرٍ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مَجَازًا عِنْدَكَ فَكَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ أَرَادَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْحَقِيقَةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: قَوْلُهُ: وَيَدُلُّ عَلَى انْتِظَامِهِ لِجَمِيعِ جِنْسِ الْمَصْدَرِ أَنَّكَ تَعْلَمُهُ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْفِعْلِ نَحْوَ قُمْتُ قَوْمَةً وَقَوْمَتَيْنِ وَمِائَةَ قَوْمَةٍ، وَقِيَامًا حَسَنًا وَقَبِيحًا.
وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُبْطِلُ قَوْلَهُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ وَضَعَتْهُ مُطْلَقًا غَيْرَ عَامٍّ بَلْ صَالِحًا لِلْعَمَلِ فِي الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَالْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، وَهُوَ فِي كُلِّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَوْضُوعِهِ وَيُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ، وَالْعَجَبُ أَنَّكَ صَرَّحْتَ فِي آخِرِ كَلَامِكَ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِصَلَاحِيَتِهِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ لِلْعُمُومِ، فَبَطَلَ قَوْلُكَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِجَمِيعِ الْجِنْسِ، بِقَوْلِكَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ لِأَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ وَهُوَ يَنْفِي الْمَجَازَ وَيُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَهَذَا الَّذِي يَعْقِلُهُ بَنُو آدَمَ.
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكَ عَلَى ذَلِكَ بِأَعْمَالِ الْفِعْلِ فِيهِ فَمِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ وَالْمَرَّتَيْنِ وَالْمَرَّاتِ وَالْمُطْلَقِ وَالْعَامِّ، فَإِنْ كَانَ إِعْمَالُهُ فِي الْعَامِّ، نَحْوُ: يَظُنَّانِ كُلَّ الظَّنِّ، وَبَابُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَهَلْ كَانَ إِعْمَالُهُ فِي الْخَاصِّ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، فَمَا خَرَجَ عَنْ مَوْضُوعِهِ حَيْثُ أُعْمِلَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ.
الْوَجْهُ السَّابِعُ: قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ: إِنْ قَامَ زَيْدٌ، بِمَنْزِلَةِ: خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ، تَعْرِيفُهُ هُنَا تَعْرِيفُ جِنْسٍ، كَقَوْلِكَ الْأَسَدُ أَشَدُّ مِنَ الذِّئْبِ، وَأَنَّكَ لَا تُرِيدُ خَرَجْتُ وَجَمِيعُ الْأَسَدِ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا الْوَهْمُ عَلَى الْبَابِ، وَإِنَّمَا تُرِيدُ فَإِذَا وَاحِدٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِالْبَابِ، فَوَضَعْتَ لَفْظَ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ مَجَازًا خَطَأً مِنْهُ وَوَهْمٌ ظَاهِرٌ يَنْقُضُ آخِرُ كَلَامِهِ فِيهِ أَوَّلَهُ، فَإِنَّهُ صَرَّحَ أَوَّلًا بِأَنَّ التَّعْرِيفَ الْمَذْكُورَ هُنَا تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَهَذَا حَقٌّ.
فَإِنَّ التَّعْرِيفَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ تَعْرِيفُ الشَّخْصِ، وَتَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَتَعْرِيفُ الْعُمُومِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَعْرِيفَ الشَّخْصِ وَلَا تَعْرِيفَ الْعَامِّ قَطْعًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ حَقِيقَةٌ فِيمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ، وَلَيْسَ
[ ٣٤٣ ]
لَفْظُ الْأَسَدِ فِي قَوْلِكَ خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ لَفْظُ جَمَاعَةٍ وُضِعَ عَلَى الْوَاحِدِ حَتَّى يَكُونَ مَجَازًا فَإِنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ لَمْ يُوضَعْ لِلْجَمَاعَةِ حَتَّى يَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْوَاحِدِ الْمُطْلَقِ مَجَازًا، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ الْمُطْلَقِ مَجَازًا لَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ الشَّخْصِيِّ أَوْلَى بِالْمَجَازِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْعُمُومِ مِنْ تَعْرِيفِ الْجِنْسِ، فَيَكُونُ كُلُّ اسْمٍ مُعَرَّفٍ بِاللَّامِ الَّتِي لِلْعَهْدِ وَلِلْجِنْسِ مَجَازًا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ يَدْرِي مَا يَقُولُ يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الثَّامِنُ: أَنَّ هَذَا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ أَنْ تُفِيدَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ، فَالْعَهْدُ بِهَا أَوْلَى مِنَ الْجِنْسِ لِكَمَالِ التَّعْرِيفِ بِهِ، وَالْجِنْسُ أَوْلَى بِهَا مِنَ الْعُمُومِ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمَاهِيَّةَ الذِّهْنِيَّةَ.
فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، فَإِنَّهُ نَوْعَانِ: شَخْصِيٌّ وَجِنْسِيٌّ، فَالْقَائِلُ: اشْتَرِ اللَّحْمَ وَاسْتَقِ الْمَاءَ، يُرِيدُ بِاللَّامِ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ الْمَعْهُودِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ، كَمَا أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ، وَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، يُرِيدُ تَعْرِيفَ الشَّخْصِ الْمَعْهُودِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُخَاطَبِ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُمْ نَقَلُوا هَذَا اللَّفْظَ مِنَ الْجَمْعِ إِلَى الْوَاحِدِ فَهُوَ مُخْطِئٌ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ التَّاسِعُ: وَهُوَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَرَوْنَ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ بِحَالٍ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُونَ الْعُمُومَ لِلْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ قِلَّةٍ نَحْوِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، أَوْ جَمْعَ كَثْرَةٍ نَحْوِ الرِّجَالِ وَالْعِبَادِ، فَالْأَسَدُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ، وَإِذَا كَانَ لَيْسَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَلَمْ يُوضَعْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَا اسْتُعْمِلَ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِ، وَمَنْ يَجْعَلُهُ لِلْعُمُومِ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَالْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إِنَّمَا يَكُونُ لِلْعُمُومِ حَيْثُ يَصْلُحُ أَنْ تَخْلُفَ اللَّامُ فِيهِ كُلٌّ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] وَنَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُونُ عَهْدُ الْقَرِينَةِ وَالسِّيَاقِ دَالًّا عَلَى إِرَادَةِ جَمِيعِ أَفْرَادِ الْجِنْسِ.
وَهَذَا مُنْتَفٍ فِي قَوْلِهِ (خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ) فَهُوَ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِقَرِينَةٍ، كَمَا يَدُلُّ عَلَى الْعَهْدِ بِقَرِينَةٍ، فَدَعْوَى الْمَجَازِ فِي بَعْضِ مَوَارِدِهِ دُونَ بَعْضٍ، تَحَكُّمٌ بَارِدٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَدَعْوَى الْمَجَازِ فِي جَمِيعِهَا بَاطِلٌ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: قَوْلُهُ: (خَرَجْتُ فَإِذَا الْأَسَدُ) اتِّسَاعٌ وَتَوْكِيدٌ وَتَشْبِيهٌ، أَمَّا الِاتِّسَاعُ فَإِنَّهُ وَضْعُ اللَّفْظَةِ الْمُعْتَادَةِ لِلْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَأَمَّا التَّوْكِيدُ فَلِأَنَّهُ عَظَّمَ قَدْرَ ذَلِكَ الْوَاحِدِ بِأَنْ جَاءَ بِاللَّفْظَةِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُعْتَادِ لِلْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا التَّشْبِيهُ فَلِأَنَّهُ شَبَّهَ الْوَاحِدَ بِالْجَمَاعَةِ.
[ ٣٤٤ ]
ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمِثْلُهُ قَعَدَ جَعْفَرٌ وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ، وَجَاءَ اللَّيْلُ وَانْصَرَمَ النَّهَارُ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَسَدَ دَلَّ عَلَى الْجَمْعِ، وَأَنَّهُ تَجَوَّزَ فَاسْتَعْمَلَهُ فِي الْوَاحِدِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ، الثَّانِي: أَنَّهُ لَوْ صَحَّ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَعَدَ جَعْفَرٌ، وَانْطَلَقَ مُحَمَّدٌ، وَجَاءَ اللَّيْلُ مِثْلَهُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَا تَدُلُّ عَلَى قُعُودٍ وَانْطِلَاقٍ وَمَجِيءٍ عَامٍّ لِكُلِّ فَرْدٍ الْبَتَّةَ، بِحَيْثُ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهَا فِيمَنْ وَجَدَ مِنْهُ بَعْضَ ذَلِكَ الْجِنْسِ مَجَازًا، فَلَيْسَ ثَمَّ دَلَالَتَانِ عَامَّةٌ وَخَاصَّةٌ بِخِلَافِ الْأَسَدِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيرُ دَلَالَتِهِ عَامَّةً وَخَاصَّةً لَهُ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي أَحَدِهِمَا يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ لَهُ فِي غَيْرِ مَدْلُولِهِ الْآخَرِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَفْعَالِ؟ فَهَلْ يَعْقِلُ ذُو تَحْصِيلٍ لِقَامَ وَقَعَدَ وَانْطَلَقَ دَلَالَتَيْنِ قَطُّ عَامَّةً وَخَاصَّةً، وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْ تَسْوِيدِ الْوَرَقِ بِهَذَا الْهَذَيَانِ، وَإِنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ أَذْهَانٍ تَقْبَلُهُ وَتَسْتَحْسِنُهُ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْقَدِيمِ نَحْوَ: خَلْقِ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ.
فَيُقَالُ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُهُ الْجَاحِدُونَ لِخَلْقِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَبَّحَ اللَّهُ قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ خَالِقًا مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَأَنْ يَكُونَ خَلْقُ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَمِنْ هُنَا قَالَ السَّلَفُ الَّذِينَ بَلَغَتْهُمْ مَقَالَةُ هَؤُلَاءِ إِنَّهُمْ شَرٌّ قَوْلًا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالُوا: إِنَّا لَنَحْكِي كَلَامَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ هَؤُلَاءِ، وَقَالُوا: إِنَّهُمْ مَلِيشُونَ مُعَطِّلُونَ نَافُونَ لِلْمَعْبُودِ ﷿ " مَلِيشُونَ " أَيْ: يَصِفُونَهُ بِصِفَةِ لَا شَيْءَ.
الْوَجْهُ الثَّانِيَ عَشَرَ: أَنَّ الْمَجَازَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ فِي الْحَقِيقَةِ أَوْ وَضْعٌ سَابِقٌ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ، فَيَكُونُ لِلَّفْظِ جِهَتَانِ: جِهَةٌ حَقِيقَةٌ، وَجِهَةٌ مَجَازٌ، كَالْأَسَدِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، يُتَجَوَّزُ بِهِ مِنْ حَقِيقَتِهِ الَّتِي وُضِعَ لَهَا أَوَّلًا إِلَى مَجَازِهِ الَّذِي اسْتُعْمِلَ فِيهِ ثَانِيًا لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَيْنَ سَبَقَ لِقَوْلِنَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَعَلِمَ اللَّهُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَفْهُومِ لِيَكُونَ إِطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ خَلَقَ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ وَلَا اسْمُ اللَّهِ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِ، وَلَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا فِي مَوْضُوعِهِمَا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَائِلُ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ كَمَا يَخْتَارُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، أَوْ لَيْسَ مِمَّنْ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَرَ فِي النِّسْبَةِ مَجَازًا، فَالْمُفْرَدَاتُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَوْضُوعَاتِهَا، وَلَا مَجَازَ فِي النِّسْبَةِ فَكَيْفَ
[ ٣٤٥ ]
يَكُونُ خَلْقُ اللَّهِ مَجَازًا، أَوْ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَجَازَ فِي النِّسْبَةِ، كَأَنْبَتَ الْمَاءُ الْبَقْلَ، فَأَضَافَ الْإِنْبَاتَ إِلَى الْمَاءِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَهَذِهِ النِّسْبَةُ فِي قَوْلِنَا خَلَقَ اللَّهُ أَصْدَقَ النِّسَبِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي إِنْ كَانَتْ مَجَازًا لَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ نِسْبَةُ حَقِيقَةٍ الْبَتَّةَ، لَا فِي الْقَدِيمِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالِ.
الْوَجْهُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَعْلُومَاتِ أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِ اللَّهِ خَالِقًا، وَلِهَذَا أَقَرَّتْ بِهِ جَمِيعُ الْأُمَمِ، مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ، وَلِظُهُورِ ذَلِكَ، وَكَوْنِ الْعِلْمِ بِهِ بَدِيهِيًّا فِطْرِيًّا، احْتَجَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ فِي عِبَادَتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٦١] فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ، فَعَلِمَ أَنَّ كَوْنَهُ سُبْحَانَهُ خَالِقًا مِنْ أَظْهَرِ شَيْءٍ عِنْدَ الْعُقُولِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْخَبَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ مَجَازًا، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ حَقِيقَةٍ، فَجَمِيعُ الْحَقَائِقِ تَنْتَهِي إِلَى خَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَ وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ - خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ - اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ - الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ - عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] فَجَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ انْتَهَتْ إِلَى خَلْقِهِ وَتَعْلِيمِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَوْنُهُ خَالِقًا عَالِمًا مَجَازًا؟ وَإِذَا كَانَ كَوْنُهُ خَالِقًا عَالِمًا مَجَازًا لَمْ يَبْقَ لَهُ فِعْلٌ حَقِيقَةً وَلَا اسْمٌ حَقِيقَةً، فَصَارَتْ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَجَازَاتٍ، وَأَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى كُلُّهَا مَجَازَاتٍ.
الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بِذَلِكَ خَلْقُ أَفْعَالِنَا، وَلَوْ كَانَ خَالِقًا حَقِيقَةً لَا مَحَالَةَ لَكَانَ خَالِقًا لِلْكُفْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْعَالِنَا.
كَلَامٌ بَاطِلٌ عَلَى أَصْلِ أَصْحَابِهِ الْقَدَرِيَّةِ وَعَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ عَلَى أُصُولِ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، فَإِنَّ جَمِيعَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ الْخَالِقُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، بَلْ وَعُبَّادُ الْأَصْنَامِ وَجَمِيعُ الْمِلَلِ.
وَأَمَّا إِخْوَانُهُ الْقَدَرِيَّةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ غَيْرُ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَقُولُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِنَّهُ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مَجَازًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَالِقٍ لِأَفْعَالِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] بَلْ لَمْ تَدْخُلْ عِنْدَهُمْ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] وَإِنْ دَخَلَتْ تَحْتَ هَذَا اللَّفْظِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِالْعَقْلِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فَإِنِ ادَّعَوُا الْمَجَازَ فَهُمْ يَدَّعُونَهُ فِي مِثْلِ هَذَا
[ ٣٤٦ ]
لِكَوْنِهِ عَالِمًا مَخْصُوصًا، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٤] فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطُّ إِنَّهُ مَجَازٌ قَبْلَ ابْنِ جِنِّي بِنَاءً عَلَى مَا أَصْلُهُ مِنَ الْأَصْلِ الْفَاسِدِ: أَنَّ الْفِعْلَ مَوْضُوعٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْمَصْدَرِ، فَإِذَا اسْتُعْمِلَ فِي بَعْضِهَا كَانَ مَجَازًا.
الْوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنَّهُ أَثْبَتَ الْمَجَازَ بِإِنْكَارِ عُمُومِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ لِلْكَائِنَاتِ، وَإِثْبَاتِ عِدَّةِ خَالِقِينَ مَعَهُ فَكَانَ دَلِيلُهُ أَخْبَثَ مِنَ الْحُكْمِ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِ، وَقَدِ اتَّفَقَتِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَجَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُدْرَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَأَنَّهُ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ، وَأَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَمَا عَصَاهُ أَحَدٌ، وَلَوْ شَاءَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ، وَأَنَّهُ أَعَانَ أَهْلَ طَاعَتِهِ بِمَا لَمْ يُعِنْ بِهِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، وَوَفَّقَ أَهْلَ الْإِيمَانِ لِمَا لَمْ يُوَفِّقْ لَهُ أَهْلَ الْكُفْرِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمُسْلِمَ مُسْلِمًا، وَأَنَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَخْرُجُ حَادِثٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَالِ عَنْ قُدْرَتِهِ وَخَلْقِهِ كَمَا لَا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ، هَذَا دِينُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ، فَاسْتَدَلَّ هَذَا الْقَائِلُ عَلَى أَنَّ خَلْقَ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مَجَازٌ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ وَدَفْعِهِ وَإِخْرَاجِ أَشْرَفِ مَا فِي مِلْكِهِ عَنْ قُدْرَتِهِ وَهُوَ طَاعَاتُ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَمَلَائِكَتِهِ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ قَادِرًا عَلَيْهَا وَلَا خَالِقًا لَهَا، وَكَانَ سَلَفُهُ الْأَوَّلُونَ يَقُولُونَ لَا يَعْلَمُهَا قَبْلَ كَوْنِهَا، فَانْظُرْ إِلَى إِثْبَاتِ الْمَجَازِ مَاذَا جَنَى عَلَى أَهْلِهِ وَالَى أَيْنَ سَاقَهُمْ وَمَاذَا قَدَّمَ مِنْ مَعَاقِلِ الْإِيمَانِ، وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْحُكْمُ وَدَلِيلُهُ.
الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ عَلِمَ اللَّهُ قِيَامَ زَيْدٍ مَجَازٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَتِ الْحَالُ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ عَلَيْهَا قِيَامَ زَيْدٍ هِيَ الْحَالَةَ الَّتِي عَلِمَ عَلَيْهَا قُعُودَ عُمَرَ.
يُرِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عِلْمٌ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَسْنَا نُثْبِتُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عِلْمًا لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِنَفْسِهِ، وَهَذِهِ مَسْأَلَةُ إِنْكَارِ صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَأَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا سَمْعَ وَلَا بَصَرَ وَلَا حَيَاةَ وَلَا إِرَادَةَ فَلَا يَقُولُونَ: عَالِمٌ بِعِلْمٍ وَلَا قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ وَلَا سَمِيعٌ بِسَمْعٍ، وَيَقُولُونَ: يَعْلَمُ وَيَسْمَعُ وَيَقْدِرُ بِلَا عِلْمٍ وَلَا قُدْرَةٍ وَلَا سَمْعٍ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَانَ قَوْلُنَا عَلِمَ اللَّهُ قِيَامَ زَيْدٍ مَجَازًا عِنْدَهُمْ، إِذْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَعِلْمُهُ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالصِّفَةِ وَلَيْسَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُمْ لِلَّهِ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ فَجَاءَ الْمَجَازُ وَانْتَفَتِ الْحَقِيقَةُ.
فَيُقَالُ لَهُمْ: قَوْلُكُمْ إِنَّ الْحَالَ الَّتِي عَلِمَ اللَّهُ عَلَيْهَا قِيَامَ زَيْدٍ لَيْسَتْ هِيَ الْحَالَ الَّتِي
[ ٣٤٧ ]
عَلِمَ عَلَيْهَا قِيَامَ عُمَرَ، هَذِهِ الْحَالُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ أَمْ عَدَمِيٌّ؟ فَإِنْ كَانَتْ عَدَمِيَّةً فَهِيَ لَا شَيْءَ، كَاسْمِهَا، وَإِنْ كَانَتْ وُجُودِيَّةً فَإِمَّا أَنْ تَقُومَ بِالْعِلْمِ أَوْ بِالْمَعْلُومِ أَوْ بِنَفْسِهَا، وَقِيَامُهَا بِنَفْسِهَا مُحَالٌ لِأَنَّهَا مَعْنًى، وَقِيَامُهَا أَيْضًا بِالْمَعْلُومِ مُحَالٌ، لِأَنَّهَا لَوْ قَامَتْ مِنْهُ لَكَانَ هُوَ الْعَالِمَ الْمُدْرِكَ، فَتَعَيَّنَ قِيَامُهَا بِالْعَالِمِ، وَهَذِهِ هِيَ صِفَةُ الْعِلْمِ الَّتِي أَنْكَرْتُمُوهَا، وَهَذَا مِمَّا لَا سَبِيلَ لَكُمْ إِلَى دَفْعِهِ.
وَلِهَذَا لَمَّا أَقَرَّ بِهِ ابْنُ سِينَا أَلْزَمَهُ ابْنُ الْخَطِيبِ بِثُبُوتِ الصِّفَاتِ إِلْزَامًا لَا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ، فَجَاءَ ثَوْرُ طُوسَ، وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، فَفَرَّ إِلَى مَا أَضْحَكَ مِنْهُ الْعُقَلَاءَ، وَقَالَ: أَقُولُ: إِنَّ الْعِلْمَ هُوَ نَفْسُ الْمَعْلُومِ، أَعْجَبُ مِنْ ضَلَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَفَسَادِ عُقُولِهِمْ أَيَكُونُ الضَّارِبُ هُوَ نَفْسَ الْمَضْرُوبِ، وَالشَّاتِمُ نَفْسَ الْمَشْتُومِ، وَالذَّابِحُ هُوَ نَفْسَ الْمُذْبَحِ، وَالنَّاكِحُ هُوَ نَفْسَ الْمَنْكُوحِ؟
هَذَا أَشَدُّ مُنَاقَضَةً لِلْعُقُولِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْخَلْقُ نَفْسُ الْمَخْلُوقِ، فَهَؤُلَاءِ جَعَلُوا الْفِعْلَ هُوَ عَيْنَ الْمَفْعُولِ، وَلَمْ يُثْبِتُوا لِلْفَاعِلِ فِعْلًا يَقُومُ بِهِ، وَهَذَا جَعَلَ الْعِلْمَ نَفْسَ الْمَعْلُومِ، لَمْ يَجْعَلْ لِلْعَالِمِ عِلْمًا يَقُومُ بِهِ.
الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: قَوْلُكَ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا ضَرَبْتُ عُمَرَ مَجَازٌ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ التَّجَوُّزِ فِي الْفِعْلِ وَأَنَّكَ إِنَّمَا فَعَلْتَ بَعْضَ الضَّرْبِ لَا جَمِيعَهُ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّكَ إِنَّمَا ضَرَبْتَ بَعْضَهُ لَا جَمِيعَهُ.
فَيُقَالُ: الْأَمْرُ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ لَفْظَةَ ضَرَبْتُ زَيْدًا لِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ نَقَلَتْهُ إِلَى غَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ مَجَازًا فِيهِ، بَلْ لَمْ تَضَعْهُ وَلَمْ تَسْتَعْمِلْهُ قَطُّ إِلَّا فِيمَا يَفْهَمُ مِنْهُ كُلُّ أَحَدٍ، فَدَعْوَى أَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ كَذِبٌ ظَاهِرٌ عَلَى اللُّغَةِ، فَلَوْ أَنَّهُمْ وَضَعُوا ضَرَبْتُ زَيْدًا لِوُقُوعِ الضَّرْبِ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، ثُمَّ نَقَلُوهُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي إِيقَاعِهِ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ بَدَنِهِ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِيهِ، بَلِ اسْتِعْمَالُهُ فِي هَذَا الْمَفْهُومِ لَا يَخْتَصُّ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، بَلْ جَمِيعُ الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ لُغَاتِهَا لَا يُرِيدُونَ غَيْرَ هَذَا الْمَفْهُومِ، فَدَعْوَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ الَّتِي وُضِعَ لَهَا اللَّفْظُ تُخَالِفُ ذَلِكَ دَعْوَى كَاذِبَةٌ، بَلْ حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ الَّتِي وُضِعَ وَاسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ لِسَانٍ هِيَ إِمْسَاسُ بَعْضِ الْمَضْرُوبِ بِآلَةِ الضَّرْبِ، لَا يُعْرَفُ لَهُ حَقِيقَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ الْبَتَّةَ.
الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنَّ الْأَفْعَالَ تَخْتَلِفُ مَحَالُّهَا وَمُتَعَلِّقَاتُهَا، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ الْفِعْلُ فِيهِ شَامِلًا لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَفْعُولِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ كَقَوْلِكَ خَلَقَ اللَّهُ زَيْدًا وَأَوْجَدَهُ وَكَوَّنَهُ وَأَحْدَثَهُ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ الْفِعْلُ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَحَلِّ دُونَ بَاطِنِهِ كَقَوْلِكَ اغْتَسَلَ زَيْدٌ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ عَلَى بَاطِنِهِ دُونَ ظَاهِرِهِ نَحْوَ فَرِحَ زَيْدٌ وَرَضِيَ وَغَضِبَ وَأَحَبَّ وَأَبْغَضَ،
[ ٣٤٨ ]
وَمِنْهَا مَا يَقَعُ عَلَى بَعْضِ جَوَارِحِهِ نَحْوَ قَامَ وَتَكَلَّمَ وَأَحْدَثَ وَأَبْصَرَ وَجَامَعَ وَقَبَّلَ وَخَالَطَ وَكَتَبَ، فَيُنْسَبُ الْفِعْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى جُمْلَتِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِبَعْضِ أَعْضَائِهِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَجَازٌ جَاهَرَ بِالْبَهْتِ وَالْكَذِبِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَمْ تَضَعْ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ قَطُّ لِغَيْرِ مَعَانِيهَا الْمَفْهُومَةِ مِنْهَا وَلَمْ تَنْقُلْهَا عَنْ مَوْضِعِهَا إِلَى غَيْرِهِ.
وَنَظِيرُ هَذَا أَنَّ الصِّفَاتِ تَجْرِي عَلَى مَوْصُوفَاتِهَا حَقِيقَةً، فَمِنْهَا مَا يَكُونُ لِبَاطِنِهِ دُونَ ظَاهِرِهِ كَعَالِمٍ وَعَاقِلٍ وَمُحِبٍّ وَمُبْغِضٍ وَحَسُودٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ صِفَةً لِلظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ كَأَسْوَدَ وَأَبْيَضَ وَأَحْمَرَ وَطَوِيلٍ وَقَصِيرٍ، وَمِنْهَا مَا يَعُمُّ الظَّاهِرَ كُلَّهُ لِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَهُ كَأَعْرَجَ وَأَحْدَبَ وَأَشْهَلَ وَأَقْرَعَ وَأَخْرَسَ وَأَعْمَى وَأَصَمَّ، وَكَذَلِكَ أَسْمَاءُ الْفَاعِلِينَ، مِنْهَا مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الذَّاتِ، كَالْمُسَافِرِ وَمُنْتَقِلٍ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَ الذَّاتِ كَكَاتِبٍ وَصَانِعٍ، وَالْفِعْلُ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاسْمُ الْفِعْلِ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَحَدٌ مِنَ النِّسْبَةِ حَقِيقَةَ أَنْ يَصْدُرَ الْفِعْلُ عَنِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْفَاعِلِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْمَفْعُولِ أَنْ يَعُمَّ الْفِعْلُ أَجْزَاءَهُ جَمِيعًا، بَلْ مِنَ الْأَفْعَالِ مَا يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَفْعُولِ نَحْوَ أَكَلْتُ الرَّغِيفَ، وَمِنْهَا مَا يُخْتَصُّ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ نَحْوَ قَطَعْتُ الْخَشَبَ وَالْعِمَامَةَ، إِذَا أَوْقَعْتَ الْقَطْعَ فِي وَسَطِهَا أَوْ جُزْءٍ مِنْهَا، وَلَوْ حَاوَلَ إِنْسَانٌ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مَجَازًا وَقَالَ: مَا قَطَعَ الْخَشَبَةَ وَلَا الْعِمَامَةَ لَعُدَّ كَاذِبًا.
وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] لَمْ يَفْهَمْ مُوسَى أَنَّ حَقِيقَةَ ذَلِكَ ضَرْبُ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَحْرِ بِعَصَاهُ، بَلِ الَّذِي امْتَثَلَهُ هُوَ حَقِيقَةُ الضَّرْبِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا مَجَازٌ مِنْ جِهَةِ الضَّرْبِ وَمِنْ جِهَةِ الْعَصَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَضْرُوبِ، وَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ إِلَى الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا أَنْ يَأْتِيَ بِكَلَامٍ فِي غَايَةِ الْغَيِّ وَالِاسْتِكْرَاهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَيَقُولُ: أَوْقَعَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الضَّرْبِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَصَاكَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْبَحْرِ، فَهَذِهِ السَّمَاجَةُ وَالْغَثَاثَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْحَقِيقَةُ وَتِلْكَ الْفَصَاحَةُ وَالْبَلَاغَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الْمَجَازُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَحَذْلِقِينَ أَنَّ قَوْلَكَ: جَاءَ زَيْدٌ، وَكَلَّمْتُ زَيْدًا، وَنَحْوَهُ مَجَازٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ زَيْدًا اسْمٌ لِهَذَا الْمَوْجُودِ، وَهُوَ مِنْ وَقْتِ الْوِلَادَةِ إِلَى الْآنَ قَدْ ذَهَبَتْ أَجْزَاؤُهُ وَاسْتَخْلَفَ غَيْرَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ فِي تَحَلُّلٍ وَاسْتِخْلَافٍ فَلَيْسَ زَيْدٌ الْآنَ هُوَ الْمَوْجُودَ وَقْتَ التَّسْمِيَةِ، فَقَدْ أُطْلِقَ الِاسْمُ عَلَى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ أَوَّلًا، وَأَثْبَتَ هَذَا
[ ٣٤٩ ]
الْمُتَحَذْلِقُ الْمَجَازَ فِي الْإِعْلَامِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَيَكُونُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَجَازًا أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَكُونُ اسْمٌ لِمُسَمًّى مِنْ بَنِي آدَمَ مَجَازًا وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً الْبَتَّةَ، وَكَفَى بِهَذَا الْقَوْلِ سَخْفًا وَحُمْقًا.
وَتَكَايَسَ بَعْضُهُمْ وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: زَيْدٌ اسْمٌ لِلنَّفْسِ النَّاطِقَةِ وَهِيَ لَا تَتَحَلَّلُ وَلَا تَتَغَيَّرُ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ مِنْ حِينِ الْوِلَادَةِ إِلَى حِينِ الْمَوْتِ، فَلَزِمَهُ مَا هُوَ أَطْعَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأَيْتُ زَيْدًا وَضَرَبْتُ زَيْدًا، أَوْ مَرِضَ زَيْدٌ وَأَكَلَ وَشَرِبَ وَرَكِبَ وَقَامَ وَقَعَدَ كُلُّهُ مَجَازٌ، فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَى الْبَدَنِ لَا عَلَى النَّفْسِ وَكَذَلِكَ الضَّرْبُ وَبَقِيَّةُ الْأَفْعَالِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ جَعْلَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَجَازًا خَبْطٌ مَحْضٌ فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلَّفْظِ سِوَى ذَلِكَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ حَقِيقَةٌ خَرَجَ عَنْهَا إِلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ حَتَّى تَصِحَّ دَعْوَى الْمَجَازِ فِيهِ، بَلْ هَكَذَا وُضِعَ، وَهَكَذَا اسْتَعْمَلَتْهُ الْعَرَبُ، وَجَمِيعُ الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ لُغَاتِهَا، وَلَيْسَ لَهَا عِنْدَهُمْ مَفْهُومٌ حَقِيقِيٌّ وَمَفْهُومٌ مَجَازِيٌّ، وَأَمَّا كَوْنُ الْبَدَنِ فِي التَّحَلُّلِ وَالِاسْتِخْلَافِ فَذَاكَ أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَإِنَّمَا فَسَدَتِ الْعُلُومُ لَمَّا دَخَلَ فِيهَا مِثْلُ هَذِهِ الْهَذَيَانَاتِ.
الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: إِذَا عَرَفْتَ التَّوْكِيدَ وَلِمَ وَقَعَ فِي الْكَلَامِ نَحْوَ نَفْسِهِ وَعَيْنِهِ وَأَجْمَعَ وَكُلِّهِ وَكِلَيْهِمَا عَرَفْتَ مِنْهُ حَالَ سِعَةِ الْمَجَازِ فِي الْكَلَامِ.
فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْمَجَازِ، كَمَا أَنَّ التَّوْلِيدَ الَّذِي يَلْحَقُ الْكَلَامُ مَنْ أَوَّلِهِ بِأَنْ وَبِالْقَسَمِ بِلَامٍ، وَالِابْتِدَاءِ لَيْسَ لِرَفْعِ الْمَجَازِ نَحْوَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النحل: ٦٣] وَإِنَّمَا هُوَ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَتَقْوِيَتُهُ فِي قَلْبِ السَّامِعِ، وَتَثْبِيتُ مَضْمُونِهِ، وَكَذَلِكَ مَا يَلْحَقُهُ فِي آخِرِهِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنِ وَكُلٍّ وَأَجْمَعَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] فَإِنَّ اللَّفْظَ بِمَجْمُوعِهِ دَالٌّ عَلَى نِسْبَةِ الْفِعْلِ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْمَلَائِكَةِ، هَذَا حَقِيقَتُهُ، وَتَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَجْمُوعِ كَدَلَالَةِ الْمُقَيِّدِ بِبَعْضٍ عَلَى مَا قُيِّدَ بِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا - نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢ - ٣] فَهَذَا حَقِيقَةٌ فِي الْجَمِيعِ، وَهَذَا حَقِيقَةٌ فِي النِّصْفِ، فَإِنْ أُطْلِقَ
[ ٣٥٠ ]
حُمِلَ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مِنْ عُمُومٍ أَوْ إِطْلَاقٍ أَوْ عَهْدٍ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] وَالثَّانِي كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وَقَوْلِهِ: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤] وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ [الفرقان: ٢٢]، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وَالثَّالِثُ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] فَهَؤُلَاءِ مَلَائِكَةٌ مُعَيَّنُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ بَدْرٍ لِلْقِتَالِ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مُؤَكَّدِهَا وَمُجَرَّدِهَا، وَعَامِّهَا وَمُطْلَقِهَا، فَيَأْتِي الْمُتَكَلِّمُ بِاللَّفْظِ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْنَى الَّذِي يُرِيدُهُ، وَلَوْ أَتَى بِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا لِكَمَالِ الْبَيَانِ، فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ أَنَّ وُقُوعَ التَّوْكِيدِ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ أَقْوَى دَلِيلٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَصْدَهَا عِنْدَ الْإِتْيَانِ بِهِ وَعِنْدَ حَذْفِهِ بِحَسَبِ غَرَضِ الْمُتَكَلِّمِ.
الْوَجْهُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ أَيْضًا حَذْفُ الْمُضَافِ مَجَازٌ، وَقَدْ كَثُرَ، حَتَّى إِنَّ فِي الْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَفْصَحُ الْكَلَامِ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ مَوْضِعٍ، جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَكْثَرَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ادُّعِيَ فِيهَا الْحَذْفُ فِي الْقُرْآنِ لَا يَلْزَمُ فِيهَا الْحَذْفُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤]، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨] إِلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ، فَادَّعَى أَهْلُ الْمَجَازِ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ مَجَازِ الْحَذْفِ، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَهْلُ الْقَرْيَةِ، وَهَذَا غَيْرُ لَازِمٍ، فَإِنَّ الْقَرْيَةَ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا نُسِبَ إِلَى الْقَرْيَةِ فِعْلٌ أَوْ حُكِمَ عَلَيْهَا بِحُكْمٍ أَوْ أُخْبِرَ عَنْهَا بِخَبَرِ كَانَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ نِسْبَةِ ذَلِكَ إِلَى السَّاكِنِ أَوِ الْمَسْكَنِ، أَوْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي هَذَا وَهَذَا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ، بَلِ الْقَرْيَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلْجَمَاعَةِ السَّاكِنِينَ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا أُطْلِقَتْ تَنَاوَلَتِ السَّاكِنَ وَالْمَسْكَنَ، وَإِذَا قُيِّدَتْ بِتَرْكِيبٍ خَاصٍّ وَاسْتِعْمَالٍ خَاصٍّ كَانَتْ فِيمَا قُيِّدَتْ بِهِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] حَقِيقَةٌ فِي السَّاكِنِ.
[ ٣٥١ ]
وَكَذَلِكَ لَفْظَةُ الْقَرْيَةِ فِي عَامَّةِ الْقُرْآنِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا السَّاكِنُ فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا الْمَسْكَنُ خَاصَّةً، فَيَكُونُ فِي السِّيَاقِ مَا يُعِينُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] أَيْ سَاقِطَةٌ عَلَى سُقُوفِهَا، وَهَذَا التَّرْكِيبُ يُعْطِي الْمُرَادَ، فَدَعْوَى أَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ الْقَرْيَةِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨] وَنَحْوَهُ مَجَازٌ، تَحَكُّمٌ بَارِدٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ بِالضِّدِّ أَوْلَى، إِذْ قَدِ اطَّرَدَ اسْتِعْمَالُ الْقَرْيَةِ إِلَى السَّاكِنِ، وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنَّ اللَّفْظَةَ مَوْضُوعَةٌ لِلسَّاكِنِ بِاعْتِبَارِ الْمَسْكَنِ، ثُمَّ قَدْ يُقْصَدُ هَذَا دُونَ هَذَا، وَقَدْ يُرَادَانِ مَعًا فَلَا مَجَازَ هَاهُنَا وَلَا حَذْفَ، وَتَخَلَّصْتُ بِهَذَا مِنِ ادِّعَاءِ الْحَذْفِ فِيمَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي زُعِمَ أَنَّهَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَذْفَ الَّذِي يَزْعُمُهُ هَؤُلَاءِ لَيْسَ بِحَذْفٍ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ قُوَّةَ الْكَلَامِ تُعْطِيهِ، وَلَوْ صَرَّحَ الْمُتَكَلِّمُ بِذِكْرِهِ كَانَ عِيًّا وَتَطْوِيلًا مُخِلًّا بِالْفَصَاحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] قَالُوا: هَذَا مَجَازٌ تَقْدِيرُهُ: مَا أَفَاءَ اللَّهُ مِنْ أَمْوَالِ الْقُرَى، وَهَذَا غَلَطٌ وَلَيْسَ بِمَجَازٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ بِدُونِ هَذَا التَّقْدِيرِ، فَالْقَائِلُ اتَّصَلَ إِلَيَّ مِنْ فُلَانٍ أَلْفٌ، يَصِحُّ كَلَامُهُ لَفْظًا وَمَعْنًى بِدُونِ تَقْدِيرٍ، فَإِنَّ (مِنْ) لِلِابْتِدَاءِ فِي الْغَايَةِ، فَابْتِدَاءُ الْحُصُولِ مِنَ الْمَجْرُورِ بِمِنْ، وَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ التَّقْدِيرَ إِنَّمَا يَتَعَيَّنُ حَيْثُ لَا يَصِحُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ، فَأَمَّا إِذَا اسْتَقَامَ الْكَلَامُ بِدُونِ التَّقْدِيرِ مِنْ غَيْرِ اسْتِكْرَاهٍ وَلَا إِخْلَالٍ بِالْفَصَاحَةِ كَانَ التَّقْدِيرُ غَيْرَ مُفِيدٍ وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَالْحَذْفُ الْمُتَعَيَّنُ تَقْدِيرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٠] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١] وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣] فَلَيْسَ هُنَاكَ تَقْدِيرٌ أَصْلًا إِذِ الْكَلَامُ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَى تَقْدِيرٍ، فَإِنَّ الَّذِي يَدَّعِي تَقْدِيرَهُ قَدْ دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ بِاللُّزُومِ، فَكَأَنَّهُ مَذْكُورٌ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ بِلَازِمِهِ كَمَا يَدُلُّ بِحُرُوفِهِ، وَلَا
[ ٣٥٢ ]
يُقَالُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْتِزَامٍ إِنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ مَنْشَأُ غَلَطِ هَؤُلَاءِ فِي كَثِيرٍ مِمَّا يَدَّعُونَ فِيهِ الْحَذْفَ.
نَعَمْ هَاهُنَا قِسْمٌ آخَرُ مِمَّا يُدَّعَى فِيهِ حَذْفُ الْمُضَافِ وَتَقْدِيرُهُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] أَيْ أَمْرُهُ ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] أَيْ أَمْرُهُ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ [النحل: ٢٦] أَيْ أَمْرُهُ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ ﷺ: " «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ» "، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَهَذَا قَدِ ادَّعَى تَقْدِيرَ الْمُضَافِ فِيهِ، وَلَكِنْ دَعْوَةٌ مُجَرَّدَةٌ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ التَّعْطِيلِ، وَهِيَ إِنْكَارُ أَفْعَالِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ الْبَتَّةَ، بَلْ هُوَ فَاعِلٌ بِلَا فِعْلٍ.
وَأَمَّا مَنْ أَثْبَتَ أَنَّ الرَّبَّ فَاعِلٌ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلًا بِلَا فِعْلٍ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ عَيْنَ الْمَفْعُولِ، بَلْ هِيَ حَقَائِقُ مُعْتَبَرَةٌ فَاعِلٌ وَفِعْلٌ وَمَفْعُولٌ، هَذَا هُوَ الْمَفْعُولُ فِي فِطَرِ بَنِي آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى هَذَا التَّقْدِيرِ وَلَا يُجَوِّزُهُ، فَإِنَّ حَذْفَهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّلْبِيسِ وَيَرْفَعُ الْوُثُوقَ بِكَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ، وَيُوقِعُ التَّحْرِيفَ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يُقَدِّرَ مُضَافًا يُخْرِجُ بِهِ الْكَلَامَ عَنْ مُقْتَضَاهُ إِلَّا فَعَلَ، وَارْتَفَعَ الْوُثُوقُ وَالْفَهْمُ وَالتَّفْهِيمُ.
فَيُقَدِّرُ الْمُلْحِدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧] مُضَافًا تَقْدِيرُهُ أَرْوَاحُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [الحج: ٦] أَيْ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَدَّرُ فِيهِ مُضَافٌ يُخْرِجُ الْكَلَامَ عَنْ ظَاهِرِهِ.
فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَوْضِعٍ يَقْبَلُ تَقْدِيرَ الْمُضَافِ، وَلَا كُلُّ مَا قَبِلَهُ جَازَ تَقْدِيرُهُ حَتَّى يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيرِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً، وَلَا تَوَقُّعَ اللَّبْسِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ السَّامِعُ بُدًّا مِنَ التَّقْدِيرِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: سَافَرْنَا فِي الثُّرَيَّا أَيْ فِي نَوْئِهَا، وَجَلَسْنَا فِي الشَّمْسِ، أَيْ فِي حَرِّهَا، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالسِّيَاقِ، فَكَأَنَّهُ مَذْكُورٌ لَمْ يَفُتْ إِلَّا التَّلَفُّظُ بِهِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ إِنَّهُ مَجَازٌ، فَإِنَّ اللَّفْظَ بِمَجْمُوعِهِ دَالٌّ عَلَى الْمُرَادِ، وَالْمُتَكَلِّمُ قَدْ يَخْتَصِرُ لِيَحْفَظَ كَلَامَهُ، وَقَدْ يَبْسُطُ وَيُطِيلُ لِيَزِيدَ فِي الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ، وَالْإِيجَارِ وَالِاخْتِصَارِ، وَالْإِسْهَابِ وَالْإِطْنَابِ طَرِيقَانِ لِلْمُتَكَلِّمِ، يَسْلُكُ هَذِهِ مَرَّةً وَهَذِهِ
[ ٣٥٣ ]
مَرَّةً، وَهَذَا فِي كُلِّ لُغَةٍ، فَإِذَا اخْتَصَرَ وَدَلَّ عَلَى الْمُرَادِ لَا يُقَالُ تَكَلَّمَ بِالْمَجَازِ، يُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الثَّانِيَ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ أَكْثَرَ مَا يُدَّعَى فِيهِ الْحَذْفُ لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَيْهِ وَلَا عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ دَلِيلٌ سِوَى الدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةِ، فَمِنْ أَشْهَرِ مَا يُدَّعَى فِيهِ الْحَذْفُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ وَالْمُضَافُ إِلَى الْأَعْيَانِ نَحْوُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ [المائدة: ١] وَنَظَائِرُهُ، قَالُوا: لِأَنَّ التَّحْرِيمَ وَالْإِبَاحَةَ وَالْكَرَاهَةَ وَالْإِيجَابَ طَلَبٌ لَا يُتَصَوَّرُ تَعَلُّقُهُ بِالْأَعْيَانِ لِاسْتِحَالَةِ إِيجَادِ الْمُكَلَّفِ لَهُمَا، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا، فَهِيَ الَّتِي تُوصَفُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالْكَرَاهَةِ.
وَأَمَّا الْأَعْيَانُ فَلَا تُوصَفُ بِذَلِكَ إِلَّا مَجَازًا، فَإِذَا قَالَ: حُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ كَانَ التَّقْدِيرُ أَكْلَهَا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ " «إِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا» " وَحُرِّمَتِ الْخَمْرُ، أَيْ شُرْبُهَا، وَالْحَرِيرُ أَيْ لُبْسُهُ، وَأُمَّهَاتُكُمْ، أَيْ نِكَاحُهُنَّ، وَلَمَّا كَانَ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ، قَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُمْكِنُ إِضْمَارُ كُلِّ فِعْلٍ، إِذِ الْعُمُومُ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ، وَدَلَالَةُ الْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ لَا عُمُومَ لَهَا، فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلِ الْمُقَدَّرُ كَالْمَلْفُوظِ، فَتَارَةً يَكُونُ عَامًّا وَتَارَةً يَكُونُ خَاصًّا، وَهَذَا بِحَسَبِ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ، فَتَحْرِيمُ مَا يُشْرَبُ تَحْرِيمُ شُرْبِهِ، وَمَا يُؤْكَلُ تَحْرِيمُ أَكْلِهِ، وَمَا يُلْبَسُ تَحْرِيمُ لُبْسِهِ، وَمَا يُرْكَبُ تَحْرِيمُ رُكُوبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُوصَفَ الْأَعْيَانُ بِالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هَذَا ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ اللُّزُومِ وَإِلَّا فَالتَّحْرِيمُ وَالْإِبَاحَةُ وَاقِعٌ عَلَى نَفْسِ الْأَعْيَانِ وَيَصِحُّ وَصْفُ الْأَعْيَانِ بِذَلِكَ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ الْأَلْفَاظِ الْمَطْلُوبِ مِنْهَا، قَالُوا: وَهَذَا كَمَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا مَحْبُوبَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا الْحُبُّ وَالْكَرَاهَةُ وَالْبُغْضُ مُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِنَا فِيهَا.
قِيلَ: هَذَا مُكَابَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَإِنَّا نَجِدُ مِنْ أَنْفُسِنَا وِجْدَانًا ضَرُورِيًّا مَحَبَّةَ بَعْضِ الْأَعْيَانِ وَبُغْضَ بَعْضِهَا، وَيَعْلَمُ كُلُّ عَاقِلٍ صِحَّةَ قَوْلِ الْقَائِلِ: هَذَا الشَّيْءُ مَحْبُوبٌ، وَهَذَا مَكْرُوهٌ، وَذَلِكَ حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ، فَأَيُّ عَقْلٍ وَشَرْعٍ وَلُغَةٍ يَمْنَعُ مِنِ اتِّصَافِ الْأَعْيَانِ أَنْفُسِهَا بِكَوْنِهَا مُبَاحَةً أَوْ مُحَرَّمَةً كَمَا تُوصَفُ بِكَوْنِهَا مَحْبُوبَةً أَوْ مَكْرُوهَةً.
[ ٣٥٤ ]
وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الطَّلَبِ، يُقَالُ لَهُ: هَذَا مِنْ وَهْمِكَ حَيْثُ ظَنَنْتَ أَنَّ تَحْرِيمَهَا وَتَحْلِيلَهَا طَلَبٌ لِإِيجَادِهَا وَعَدَمِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَفْهَمُهُ أَحَدٌ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِ السَّامِعِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا يَفْهَمُ كَوْنَهَا حَلَالًا أَوْ حَرَامًا الْإِذْنَ فِي تَنَاوُلِهِ وَالْمَنْعَ مِنْهُ، هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَمَوْضُوعُهُ وَعُرْفُ اسْتِعْمَالِهِ، وَالتَّرْكِيبُ مُرْشِدٌ إِلَى فَهْمِ الْمَعْنَى، وَلَمْ يُوضَعْ لَفْظُ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ لِإِحْدَاثِ الْأَعْيَانِ وَلَا إِعْدَامِهَا وَلَا اسْتُعْمِلَ فِي ذَلِكَ وَلَا فَهِمَهُ أَحَدٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا حَقِيقَتُهُ مَا يَفْهَمُ الْمُخَاطِبُ مِنْهُ فَلَهُ وُضِعَ، وَفِيهِ اسْتُعْمِلَ، وَمِنْهُ فُهِمَ، فَإِذَا سَمِعَ الْمُخَاطَبُ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ حَرَامٌ عَلَيْكَ، لَمْ يَشُكَّ فِي الْمَعْنَى وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فَهْمُهُ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ وَإِضْمَارِ مُضَافٍ، وَلَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ.
وَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤْمِنُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إِلَى آخِرِهَا، لَمْ يَقَعْ فِي قُلُوبِهِمْ أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَلَا خَطَرَ بِبَالِهِمْ غَيْرُ حَقِيقَتِهِ وَمَفْهُومِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ قِبَلِ الْمُتَوَلِّجِينَ الْمُتَكَلِّفِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَتَكَلَّفُوا هَذِهِ التَّقَادِيرَ، بَلْ كَانُوا أَفْقَهَ مِنْ ذَلِكَ وَأَصَحَّ أَفْهَامًا وَأَعْلَى طَلَبًا، وَإِنَّمَا لَهِجَ الْمُتَأَخِّرُونَ بِذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ مَرْتَبَتُهُمْ وَتَقَاصَرَتْ أَفْهَامُهُمْ وَعُلُومُهُمْ مِنْ عُلُومِ أُولَئِكَ.
وَهَلْ سَمِعَ عَرَبِيٌّ قَطُّ وَلَوْ مِنْ أَجْلَافِ الْعَرَبِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وَنَظَائِرُهُ، فَأَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْبَحْثِ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا أَوْ مُجْمَلًا لَا يَدْرِي الْمُرَادَ مِنْهُ؟ وَهَلْ تَوَقَّفَ فِي فَهْمِ الْمُرَادِ عَلَى إِضْمَارٍ وَحَذْفٍ، ثُمَّ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فِي تَعْيِينِهِ؟
وَلَمَّا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص: ١٢] فَهِمَ السَّامِعُ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْطُرَ بِبَالِهِ حَذْفٌ وَلَا إِضْمَارٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: ٢٦] فَإِذَا ظَهَرَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ وَفَهِمَ السَّامِعُ فَأَيُّ حَاجَةٍ إِلَى دَعْوَى مَحْذُوفٍ يُحْكَمُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ أَنَّهُ أَرَادَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْكَلَامُ بِدُونِهِ، وَيُوَضِّحُهُ:
الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْأَعْيَانَ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا طَيِّبَةً وَخَبِيثَةً وَنَافِعَةً وَضَارَّةً فَكَذَلِكَ تُوصَفُ بِكَوْنِهَا حَلَالًا وَحَرَامًا، إِذِ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ تَبَعُ طَيِّبِهَا وَخَبِيثِهَا وَكَوْنُهَا
[ ٣٥٥ ]
ضَارَّةً وَنَافِعَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْحَلَالُ طَيِّبًا فِي نَفْسِهِ، وَالْحَرَامُ خَبِيثًا فِي نَفْسِهِ، فَوَصْفُهُ بِكَوْنِهِ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا جَارٍ مَجْرَى وَصْفِهِ بِكَوْنِهِ طَيِّبًا أَوْ خَبِيثًا، وَدَلَالَةُ تَحْرِيمِ الْعَيْنِ وَتَحْلِيلِهَا عَلَى الْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ.
وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَا يَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ لَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، فَالْقَائِلُ لِغَيْرِهِ: اصْعَدِ السَّطْحَ، قَدْ دَلَّهُ بِالِالْتِزَامِ عَلَى الصُّعُودِ فِي السُّلَّمِ، وَلَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ مُضْمَرًا مَحْذُوفًا، وَهُوَ بِدُونِ ذِكْرِهِ مَجَازًا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ، لَكَانَ كُلُّ كَلَامٍ لَهُ لَازِمٌ يُذْكَرُ مَعَهُ لَازِمُهُ مَجَازًا، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَالَ (تَعَالَ) فَلَهُ لَازِمٌ وَهُوَ قَطْعُ الْمَسَافَاتِ، وَإِذَا قَالَ (كُلْ) فَلَهُ لَازِمٌ وَهُوَ تَنَاوُلُ الْمَأْكُولِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ خِطَابٍ فِي الدُّنْيَا لَهُ لَازِمٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ بِاللُّزُومِ، فَافْتَحُوا بَابَ الْحَذْفِ وَالْإِضْمَارِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقُولُوا: إِنَّ الْكَلَامَ بِدُونِ ذِكْرِهِ مَجَازٌ، وَإِلَّا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ادَّعَيْتُمْ إِضْمَارَهُ وَبَيْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ اصْعَدِ السَّطْحَ وَبَيْنَ اطْبُخِ اللَّحْمَ وَاخْبِزِ الْعَجِينَ وَابْنِ الْحَائِطَ، فَهَذَا لَهُ لَوَازِمُ وَهَذَا لَهُ لَوَازِمُ، وَالْمُتَكَلِّمُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللُّزُومِ، بَلْ ذِكْرُهَا عِيٌّ وَتَطْوِيلٌ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَوْلُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] فَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ الْمَجَازِ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ.
فَيُقَالُ لَهُ: مَا أَسْرَعَ مَا هَدَمْتَ جَمِيعَ مَا بَنَيْتَهُ، وَنَقَضْتَ كُلَّ مَا أَصَّلْتَهُ، فَإِنَّكَ قَدَّمْتَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ أَنَّ الْفِعْلَ يَقْتَضِي جَمِيعَ أَفْرَادِ الْمَصْدَرِ، وَهَذَا مُحَالٌ، فَالْأَفْعَالُ عَامَّتُهَا مَجَازٌ، وَقَدَّمْتَ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَجَازٌ، وَعِلْمُ اللَّهِ مَجَازٌ، فَمَا بَالُ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وَحْدَهُ حَقِيقَةٌ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ اللَّهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَعِلْمُ اللَّهِ عِنْدَكَ مَجَازًا وَهُوَ أَظْهَرُ لِلْأُمَمِ مِنْ كُلِّ ظَاهِرٍ، وَ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] حَقِيقَةٌ، وَفِيهِ مَنْ أَظْهَرَ الْخِلَافَ وَالْخَفَاءَ مَا لَا يَخْفَى، وَنَحْنُ لَا نَشُكُّ أَنَّ الْجَمِيعَ حَقِيقَةٌ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ ذَلِكَ أَوْ بَعْضَهُ مَجَازٌ فَهُوَ ضَالٌّ، وَلَكِنِ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ " كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى " مَجَازٌ، يَقُولُونَ: إِنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَعِلْمَ اللَّهِ حَقِيقَةٌ، وَهُمُ الْجَهْمِيَّةُ وَالْكِلَابِيَّةُ، وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ: أَكْثَرُهُمْ يَقُولُ: إِنَّهُ مَجَازٌ، وَبَعْضُهُمْ
[ ٣٥٦ ]
يَقُولُ: إِنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَكَلَّمَ اللَّهُ وَيُكَلِّمُ حَقِيقَةٌ فِي خَلْقِ حُرُوفٍ وَأَصْوَاتٍ يَكُونُ مُتَكَلِّمًا مُكَلَّمًا، وَالْمُتَكَلِّمُ عِنْدَهُمْ حَقِيقَةٌ مِنْ فِعْلِ الْكَلَامِ وَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ هِيَ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ، وَأَصَابُوا فِي ذَلِكَ لَكِنْ أَخْطَئُوا فِي اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَقُمْ بِهِ، فَالْكَلَامُ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقٌ، وَالرَّبُّ لَمْ يَقُمْ بِهِ عِنْدَهُمْ كَلَامٌ وَلَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّفَقَ السَّلَفُ وَأَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا: الْمُتَكَلِّمُ مَنْ فَعَلَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِهِ فَصَارَ بِذَلِكَ مُتَكَلِّمًا دُونَ الْمَحَلِّ الَّذِي قَامَ بِهِ الْكَلَامُ، فَقَدْ قَلَبُوا أَوْضَاعَ اللُّغَاتِ، وَخَرَجُوا عَنِ الْمَعْقُولِ وَعَنْ لُغَاتِ الْأُمَمِ قَاطِبَةً، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوِ اتَّصَفَ بِمَا يُحْدِثُهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَالصِّفَاتِ لَكَانَ اسْوَدَّ بِالسَّوَادِ الَّذِي يَخْلُقُهُ فِي الْمَحَلِّ، وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَقَ فِي مَحَلٍّ بَيَاضًا أَوْ حُمْرَةً أَوْ طُولًا أَوْ قِصَرًا أَوْ حَرَكَةً كَانَ الْمَحَلُّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ وَالْأَعْرَاضُ هُوَ الْمَوْصُوفَ بِهَا حَقِيقَةً لَا الْخَالِقَ لَهَا، فَالصِّفَةُ إِذَا قَامَتْ بِمَحَلٍّ عَادَ حُكْمُهَا إِلَى ذَلِكَ لَا إِلَى غَيْرِهِ، وَاشْتُقَّ لَهُ مِنْهَا اسْمٌ لَمْ يُشْتَقَّ لِغَيْرِهِ، وَأَخْطَأَ الْقَائِلُونَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ وَأَخْلَوُا الْمَحَلَّ عَنْ حُكْمِ الصِّفَةِ وَأَعَادُوهُ إِلَى غَيْرِهِ مَنْ قَامَتْ بِهِ، وَاشْتَقُّوا الِاسْمَ لِمَنْ لَمْ تَقُمْ بِهِ دُونَ مَنْ قَامَتْ بِهِ فَقَلَبُوا الْحَقَائِقَ.