وهي كثيرة، ومنها قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ (١) آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ قال المفسرون: المراد
_________________
(١) في الأصل: إن الذين
[ ٨ ]
بالذين آمنوا وهاجروا المهاجرون، وبالذين آووا ونصورا الأنصار. وقال بعضهم: ليت شعري لم بدل هؤلاء الطاعنون المغفرة العظيمة باللعنة الفاحشة والرزق الكريم بالعذاب العظيم، وإن هذا إلا كفر شديد وضلال بعيد.
ومنها قوله تعالى في سورة الفتح في النبي - ﷺ -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا﴾ إلى قوله ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ قال ابن حجر: من هذه الآية أخذ الإمام مالك ﵀ القول بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة وقال: لأن الصحابة يغيظونهم ومن أغاظه الصحابة فهو كافر. ثم قال: وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآية ومن ثم وافقه الشافعي ﵁ في قوله بكفرهم ووافقه أيضا جماعة من الأئمة. انتهى.
ومنها قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ فصرح تعالى برضاه على أولئك وهم ألف ونحو أربعمائة. قال ابن حجر: ولا يقع رضاء الله إلا على من يعلم الله موته على الإسلام. ثم قال: ومن لم يصدق ذلك فيهم فهو مكذب بما في القرآن، ومن كذب بما في القرآن مما [لا] يحتمل التأويل كان كافرا جاحدا ملحدا مارقا. وهؤلاء الضالون متفقون على ذلك التكذيب كما نقله بعض المؤلفين من علمائهم في رسالته التي أرسلها إلى العراق حيث صرح فيها بأن أئمتنا متفقون على كفر الصحابة بترك مبايعة علي إلا ستة رجال. فعلم من ذلك اتفاق عامتهم على ذلك بلا شبهة. وأما اتفاق متقدميهم من العلماء على ما زعمه ذلك المؤلف فبهتان عظيم، كيف ومن أعظم علمائهم المرتضى وقد ذكر في بعض تصانيفه: وإني أطيل العجب من أصحابنا ممن يعتقد أن القرآن نزل بذم رجال من الصحابة كما يقولون في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ وكيف تقبل عقولهم وتمثل أوهامهم ذلك في قوم قد بلغوا الغاية القصوى في الاختصاص بالنبي - ﷺ - والالتباس به والاشتمال عليه، وإنه كان - ﷺ - يعظمهم في ظهر الغيب ويجلهم. وأيضا من أعظم علمائهم الطبرسي،
[ ٩ ]
وقد اعترف في تصانيفه بعلو شأن الصحابة ﵃ وصرح بنزول الآيات المذكورة هنا في الثناء عليهم عموما وخصوصا ونقل في ذلك آيات أخر تزيد على عشر آيات. فعلم أن اعتقاد جمهورهم في كفرهم إنما هو عن جهل وعناد من غير علم واستناد.
ومنها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال الطبرسي من علماء الشيعة: نزلت في حق الصحابة، ونقل الإجماع على دخول أحد عشر صحابيا في ذلك الخطاب من الصحابة الذين يكفرهم جمهور هؤلاء الضالين. وقال ابن حجر: والصحابة هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله - ﷺ -. ثم ذكر في هذه الآية ما ذكره في السابقة آنفا من كفر المنكرين وإلحادهم.
ومنها قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ فإنه تعالى شهد للصحابة بالخير وهو أعلم بأحوال عباده. قال ابن حجر في هذه الآية: لا شك أنه من ارتاب في حقية شيء مما أخبر الله تعالى به كان كافرا بإجماع المسلمين.
ومنها قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قد عُلم من سياق الآية أن المستحق لمال الفيء من اتصف بالإخراج من الديار والأموال وابتغاء مرضاة الله تعالى، ولا خلاف بين أهل السير أن أول من اتصف بذلك كان أبو بكر ﵁. وقال ابن كثير في تفسيره: وما أحسن ما استنبط الإمام مالك من هذه الآية أن الرافضي الذي يسب الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما يمدح
[ ١٠ ]
الله به هؤلاء، أي في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية المذكورة فافهم. قال الطبرسي من كبار علمائهم: نزلت في أربعمائة من صحابة رسول الله - ﷺ - حبسوا أنفسهم على طاعة الله ومنعوها التصرف في أسباب الدنيا. وهكذا رواه الطبرسي عن أبي جعفر وعن ابن عباس. وليت شعري من أي وجه يقولون بكفرهم بعد هذه الأوصاف.
والعجب كل العجب من هؤلاء الضالين كيف يتجاسرون على القول بكفر أشراف الصحابة بمجرد ترك المتابعة لعلي كرم الله وجهه ولا يلتفتون إلى أن معتقدهم ومعتمدهم وهو سيدنا علي لم يكفر الصحابة الذين تحاربوا معه في وقعة معاوية ﵁ على ما وقع في نهج البلاغة الذي هو من كتبهم المنسوبة إلى علي، حيث كتب فيه إلى عماله يخبرهم عما وقع بينه وبين معاوية: "أما بعد فإنا التقينا نحن والقوم بصفين، ربنا واحد ونبينا واحد ودعوتنا واحدة، لا نستزيدهم بالإيمان بالله ورسوله ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا عليه في دم عثمان ونحن منه براء". وأيضا في نهج البلاغة مما قاله في الوقعة المذكورة: "إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام". وأيضا في نهج البلاغة لما نزلت آية ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا﴾ قال كرم الله وجهه: قلت: يا رسول الله، هل من بُلي بورك؟ قال - ﷺ -: "يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي". فقلت: ما أحملهم يا رسول الله على فتنة أم على ردة؟ قال - ﷺ -: "لا بل على فتنة". انتهى. فظهر أنهم في قولهم بارتداد الصحابة ﵃ تابعون للشيطان وخارجون عن الإيمان، قاتلهم الله أنى يؤفكون. وذلك لأن معتقدهم في المقال مخالف لقول من زعموه إمامهم ومعتمدهم من الرجال.
وأيضا هؤلاء الضالون المسترسلون بعقولهم الضعيفة لا ينظرون
[ ١١ ]
إلى أن قدحهم في كبار الصحابة يوجب القدح في معتقدهم وإمامهم الذي هو سيدنا علي بل هو موجب لتخفيف شأن سيد المرسلين وأمير المؤمنين عند سائر الكافرين كالنصارى واليهود. وكيف وهم من أشراف عشيرته وأكابر قبيلته - ﷺ -. وبنت أبي بكر كانت عند النبي، وبنتا النبي كانتا عند عثمان، وبنت علي كانت عند عمر ﵃ أجمعين. وبالجملة هم راجعون إلى حسبه ونسبه - ﷺ - رجوع الأغصان إلى الشجرة، فالمدح فيهم مدح فيه - ﷺ -، والقدح فيهم قدح فيه ويظهر أن هؤلاء القادحين المعتدين ليس لهم نصيب في الإسلام والدين.