الاجتهاد لغة على ما ذكره عضد الملة والدين: تحمل الجهد في أمر واصطلاحا استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي. قال العلامة التفتازاني في التلويح: وهذا هو المراد بقولهم بذل المجهود لنيل المقصود. وقال الشيخ الإمام البزدوي في أصوله: الكلام في شرطه وحكمه، أما شرطه فأن يحوي علم الكتاب بمعانيه ووجهوهه التي قلنا وعلم السنة بطرقها ومتونها ووجوه معانيها وأن يعرف وجوه القياس على ما تضمنه كتابنا هذا، وأما حكمه فالإصابة بغالب الرأي حتى قلنا إن المجتهد يخطئ أو يصيب، وقالت المعتزلة كل مجتهد مصيب. انتهى. وقال في
[ ٢ ]
التلويح: المراد بالكتاب قدر ما يتعلق بمعرفة الأحكام والمعتبر هو العلم بمواقعها بحيث يتمكن من الرجوع عند طلب الحكم لا الحفظ عن ظهر قلب. ثم صرح في أسانيد الأحاديث بالاكتفاء بالرجوع إلى كتب الأئمة الموثوق بهم كالبخاري ومسلم والبغوي والصغاني وغيرهم، وخصص السنة بالأحاديث الواردة في الأحكام. وقال السبكي في جمع الجوامع: المجتهد الفقيه هو البالغ العاقل ذو ملكة يدرك بها المعلوم، ذو الدرجة الوسطى لغة وعربية وأصولا وبلاغة ومتعلق الأحكام في الكتاب والسنة وإن لم يحفظ المتون. ثم ذكر اشتراط العلم بالإجماع أهو واقع فيما يجتهد فيه أم لا لئلا يخرقه، وبالنسخ وأحوال روايات الأحاديث. وقال: ويكفي في زماننا الرجوع إلى أئمة ذلك. وقال الإمام في المحصول ما حاصله ما سبق نقلا عن التلويح في كفاية رجوعه إلى كتب الحديث المعتبرة. وقال ابن حجر: أدون أصحابنا فمن بعدهم بلغ ذلك، فأكثر من أفتى في المتأخرين بكفر الروافض والطائفة اليزيدية المرتدين مجتهدون، وقال كثيرون لا يشترط علم الكلام لعدم الحاجة إليه وكذا القياس وفروع الفقه لتوقفها على الاجتهاد ولزوم الدور من توقفها عليها، وقالوا يجوز تجزئ الاجتهاد وهو أن يجتهد الفقيه في بعض المسائل ويجهل كثيرا منها واستدلوا عليه بالعقل والنقل، أما العقل فهو أنه لو اشترط عدم التجزئ لوقع العلم بالجميع واللازم منتف قالملزوم مثله. وأما النقل فهو ما ذكره ابن الحاجب في مختصر المنتهى من أن مالكا ﵁ مع الاتفاق على اجتهاده سئل عن أربعين مسئلة فقال في ستة وثلاثين لا أدري وأفتى في أربع منها. ونقل في التلويح عن الغزالي سبب ذلك. وليس كل من انتحل شبهة كأكثر أهل البدع في زماننا مجتهدا كما صرح به ابن حجر بعد نقله عن كثيرين
[ ٣ ]
ما يؤيده. وقال السبكي بعد ما ذكر المجتهد بالمذهب: ودونه المجتهد وهو المتمكن في تخريج الوجوه على نصوص إمامه، ودونه مجتهد الفتوى وهو المتبحر المتمكن من ترجيح قول على آخر. ثم قال: ونافي الإسلام مخطئ آثم كافر. انتهى، وأراد به في معظمه.
ولا خلاف في صحة فتوى المجتهد. واختلفوا في المقلد. فقال عضد الملة والدين في شرح المختصر ما حاصله إن مذهب الإمام الأغظم والإمام الشافعي ﵄ صحة فتوى المقلد. وقال في الاستدلال: لما أنه وقع إفتاء العلماء وأنهم يكونوا مجتهدين في جميع الأعصار وتكرر ولم ينكر فصار إجماعا. وقال في الكتاب المذكور: ويجوز الاستفتاء لمن علم اشتهاره بالعلم والعدالة وانتصابه بين الناس ليستفتونه. ووافقه السبكي وغيره في ذلك وقالوا: يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في العمل وكذا في الإفتاء إذا رأى المفتي فيه مصلحة دين مع تبيينه للمستفي قائل ذلك، كما صرح به ابن حجر في أدب القضاء نقلا عن السبكي.
فعلم من هذا التفصيل أن إفتاء العلماء من عصرنا وغيرهم بكفر الرافضة إنما هو بالاجتهاد المقارن للتقوى والاستناد المعتبر في الفتوى، والقدح فيهم من القدح في الدين والضلال المبين.