- وقال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي (المتوفى: ٣٧١ هـ): "ويقولون [أي: أهل السنة والحديث]: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه كيفما يصرف بقراءة القارئ له وبلفظه، ومحفوظًا في الصدور، متلوًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف غير مخلوق، ومن قال بخلق اللفظ بالقرآن يريد به القرآن فهو قد قال بخلق القرآن" (^١).
- وقال الإمام ابن بطة عبيد الله بن محمد بن حمدان العكبري (المتوفى: ٣٨٧ هـ): "واعلموا رحمكم الله أن صنفًا من الجهمية اعتقدوا بمكر قلوبهم، وخبث آرائهم، وقبيح أهوائهم، أن القرآن مخلوق، فكنوا عن ذلك ببدعة اخترعوها، تمويها وبهرجة على العامة، ليخفى كفرهم، ويستغمض إلحادهم على من قلّ علمه، وضعفت نحيزته، فقالوا: إن القرآن الذي تكلّم الله به وقاله فهو كلام الله غير مخلوق، وهذا الذي نتلوه ونقرؤه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا ليس هو القرآن الذي هو كلام الله، هذا حكاية لذلك، فما نقرؤه نحن حكاية لذلك القرآن بألفاظنا نحن، وألفاظنا به مخلوقة، فدققوا في كفرهم، واحتالوا لإدخال الكفر على العامة بأغمض مسلك، وأدق مذهب، وأخفى وجه، فلم يخف ذلك بحمد الله ومنّه وحسن توفيقه على جهابذة العلماء والنقاد العقلاء، حتى بهرجوا ما دلسوا، وكشفوا القناع عن قبيح ما ستروه، فظهر للخاصة والعامة كفرهم وإلحادهم، وكان الذي فطن لذلك وعرف موضع القبيح منه الشيخ الصالح، والإمام العالم العاقل أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - ﵀ -، وكان بيان كفرهم بينا واضحا في كتاب الله - ﷿ -، وسنة نبيه محمد - ﷺ -.
_________________
(١) اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٥٩ - ٦٠).
[ ٨٥ ]
وقد كذبهم القرآن والسنة بحمد الله، قال الله - ﷿ -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] ولم يقل: حتى يسمع حكاية كلام الله.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤]، فأخبر أن السامع إنما يسمع إلى القرآن، ولم يقل: إلى حكاية القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء:٤٥]، وقال - ﷿ -: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف:٢٩].
ومثل هذا في القرآن كثير، من تدبره عرفه.
وجاء في سنة المصطفى - ﷺ -، وكلام الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين، رحمة الله عليهم أجمعين، ما يوافق القرآن ويضاهيه، والحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون.
[ ٨٦ ]
قال النبي - ﷺ -: «إن قريشًا منعتني أن أبلغ كلام ربي» ولم يقل حكاية كلام ربي.
وقال النبي - ﷺ -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» ولم يقل: من تعلّم حكاية القرآن.
وقال «مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت»، وقال - ﷺ -: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو».
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الواقعة:٧٧ - ٨٠] فنهى أن يمس المصحف إلا طاهر، لأنه كلام رب العالمين، فكل ذلك يسميه الله - ﷿ - قرآنا، ويسميه النبي - ﷺ - قرآنا، ولا يقول: حكاية القرآن، ولا حكاية كتاب الله، ولا حكاية كلام الله.
وقال عبد الله بن مسعود: إن هذا القرآن كلام الله فلا تخلطوا به غيره. وقال عبد الله أيضًا: تعلموا كتاب الله واتلوه، فإن لكم بكل حرف عشر حسنات.
[ ٨٧ ]
فهذا ونحوه في القرآن والسنن، وقول الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين، ما يدل العقلاء على كذب هذه الطائفة من الجهمية الذين احتالوا ودققوا في قولهم: القرآن مخلوق.
ولقد جاءت الآثار عن الأئمة الراشدين وفقهاء المسلمين الذين جعلهم الله هداة للمسترشدين، وأنسًا لقلوب العقلاء من المؤمنين، مما أمروا به من إعظام القرآن وإكرامه، مما فيه دلالة على أن ما يقرؤه الناس ويتلونه بألسنتهم هو القرآن الذي تكلم الله به، واستودعه اللوح المحفوظ، والرق المنشور، حيث يقول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١ - ٣] " (^١).
وقال أيضًا بعد أن ذكر جملة من الأحاديث والآثار: "ففي هذه الأحاديث بيان كذب من زعم أن القرآن لا يكون في صدور المسلمين وقلوبهم، فالمنكر لذلك ضال مبتدع" (^٢).
_________________
(١) الإبانة الكبرى (٥/ ٣١٧ - ٣٢١).
(٢) المصدر السابق (٥/ ٣٧١).
[ ٨٨ ]