وقال أيضًا "وصار هؤلاء [أي: الكلابية والأشعرية] مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين:
أحدهما: أنّ نِصْفَ القرآن من كلام الله، والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم، بل خلقه الله في الهواء أو في اللوح المحفوظ، أو أحدثه جبريل أو محمد - ﷺ -. وهؤلاء في كونهم جعلوا نصف القرآن مخلوقًا موافقين لمن قال بخلقه
والمعنى الثاني: الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة قولهم إنّ القرآن المنزل إلى الأرض ليس هو كلام الله، لا حروفه ولا معانيه، بل هو مخلوق عندهم، ويقولون: هو عبارة عن المعنى القائم بالنفس" (^١).
- وقال الحافظ ابن القيم (المتوفى: ٧٥١ هـ): "مذهب الأشعري ومن وافقه أنه [أي: كلام الله] معنى واحد قائم بذات الرب، وهو صفة قديمة أزلية ليس بحرف ولا صوت، وهذه الألفاظ عبارة عنه ولا يسميها حكاية، وهي خلق من المخلوقات، وعنه لم يتكلم الله بهذا الكلام العربي، ولا سمع من الله" (^٢).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦ -).
(٢) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة للبعلي (ص: ٤٩٧ - ٤٩٨).
[ ٥٩ ]
وقال أيضًا: "وعندهم أنّ الذي قال السلف هو غير مخلوق هو عين القائم بالنفس، وأما ما جاء به الرسول وتلاه على الأمة فمخلوق، وهو عبارة عن ذلك المعنى" (^١).
وقال أيضًا: "ويعجب هذا القائل من نصب الخلاف بينهم وبين المعتزلة وقال: ما نثبته نحن من المعنى القائم بالنفس فهو من جنس العلم والإرادة، والمعتزلة لا تنازعنا في ذلك، غاية ما في الباب أنا نحن نسميه كلامًا وهم يسمونه علمًا وإرادة.
وأما هذا النظم العربي الذي هو حروف وكلمات، وسور وآيات، فنحن وهم متفقون على أنه مخلوق، لكن هم يسمونه قرآنًا، ونحن نقول هو عبارة عن القرآن أو حكاية عنه.
فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل، فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام الله، وإنه غير مخلوق" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٥٠٠).
(٢) المصدر السابق (ص: ٥٢٤).
[ ٦٠ ]