أما مذهب الأشاعرة فمن منطلق التوفيقية - التي لم يحالفها التوفيق - فرّقوا بين المعنى واللفظ. فالكلام الذي يثبتونه لله تعالى هو معنى أزلي أبدى قائم بالنفس ليس بحرف ولا صوت، ولا يوصف بالخبر ولا الإنشاء أما الكتب المنزلة ذات الترتيب والنظم والحروف - ومنها القرآن - فليست هي كلامه تعالى على الحقيقة، بل هي "عبارة" عن كلام الله النفسي. والكلام النفسي شيء واحد في ذاته، لكن إذا جاء التعبير عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن جاء بالسريانية فهو إنجيل، وإن جاء بالعربية فهو قرآن، فهذه الكتب كلها مخلوقة ووصفها بأنها كلام الله مجاز لأنها تعبير عنه" (^١).
- وقال الدكتور عبد الرحمن المحمود: "قول الأشاعرة في القرآن يقرب كثيرًا من قول المعتزلة، وقد اعترف بذلك بعض علمائهم وذكروا أنّ بالنسبة للقرآن العربي لا فرق فيه بين القولين.
_________________
(١) منهج الأشاعرة في العقيدة (ص:٨١ - ٨٢) الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٤ هـ ١٩٨٤ م.
[ ٦٢ ]
فالأشاعرة يوافقون المعتزلة في إثبات خلق القرآن العربي، ولكنهم يفارقونهم من وجهين:
أحدهما: أن المعتزلة يقولون: المخلوق كلام الله، والأشاعرة يقولون: إنه ليس كلام الله، لكن يسمى كلام الله مجازا، وهذا قول جمهورهم، ومن قال من متأخريهم إنه يطلق على المعنى، وعلى القرآن العربي بالاشتراك اللفظي، فإنه ينتقض عليهم أصلهم في إبطال قيام الكلام بغير المتكلِّم به
والثاني: أنّ الأشاعرة يثبتون لله كلامًا هو معنى قائم بذاته، والمعتزلة يقولون: لا يقوم به كلام" (^١).
وقال أيضًا: "والذي استقر عليه المذهب الأشعري، وقال به جمهورهم أنّ القرآن العربي مخلوق، وليس هو كلام الله، مع اختلاف فيما بينهم في بعض التفاصيل" (^٢).
_________________
(١) موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٠٤) مكتبة الرشد - الرياض، ط/ الأولى، ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.
(٢) المصدر السابق (٣/ ١٢٩٩).
[ ٦٣ ]