- وقال جمال الدين محمد بن أحمد الغزنوي (المتوفى: ٥٩٣ هـ): "وكلامه صفته، وصفاته قائمة بذاته لا تقبل الانفصال عنه والافتراق، وهذه العبارات دالة على كلامه القديم الأزلي القائم بذاته، وتسمى العبارات كلام الله تعالى، وهي محدثة مخلوقة، وهي الحروف والأصوات وتتابع الحروف والكلمات" (^١).
- وقال الفخر الرازي (المتوفى: ٦٠٦ هـ): "لا ننازع في إطلاق لفظ "القرآن" و"كلام الله تعالى" على هذه الحروف والأصوات، وما ذكروه [أي: المعتزلة] من الأدلة فهو إنما يفيد حدوث القرآن بهذا التفسير، وذلك متفق عليه، وإنما نحن بعد ذلك ندّعي صفة قائمة بذات الله تعالى وندعي قدمها.
وقد بينا أن تلك الصفة يستحيل وصفها بكونها عربية وعجمية ومحكمة ومتشابهة، لأن كل ذلك من صفات الكلام الذي هو عبارة عن الحروف والأصوات.
والحاصل أن الكلام الذي حاولوا إثبات حدوثه، فنحن لا ننازعهم في حدوثه، والكلام الذي ندّعي قِدَمه لا يجري فيه ما ذكروه من الأدلة" (^٢).
وقال أيضًا: "أجمع المسلمون على أن الله تعالى متكلم، لكن المعتزلة زعموا أن المعنى بكونه متكلما أنه خلق هذه الحروف والأصوات في جسم، وأما نحن فنزعم أنّ كلام الله تعالى صفة حقيقية مغايرة لهذه الحروف والأصوات، وأن ذاته تعالى موصوفة بتلك الصفة.
_________________
(١) أصول الدين (ص: ١٠١ - ١٠٢) المحقق: عمر وفيق الداعوق، دار البشائر الإسلامية - بيروت - لبنان، ط/ الأولى، ١٤١٩ - ١٩٩٨ م.
(٢) نهاية العقول في دراية الأصول (٢/ ٣٢٥) عني بتحقيقه: سعيد فودة، دار الذخائر - بيروت - لبنان.
[ ٢٥ ]
واعلم أن التحقيق أنا لا ننازع المعتزلة في كونه متكلمًا بالمعنى الذي ذكروه، لأنّ النزاع بيننا وبينهم إما في المعنى وإما في اللفظ، أما في المعنى ثبت أنه لا نزاع بيننا وبينهم من جهة المعنى في كونه متكلما بالتفسير الذي قالوه.
وأما النزاع من جهة اللفظ فهو أن يقال لا نسلِّم أن لفظة المتكلِّم في اللغة موضوعة لموجِد الكلام، والناس قد أطنبوا من الجانبين في هذا المقام، وليس ذلك مما يستحق الإطناب؛ لأنه بحث لغوي، وينبغي أن يرجع فيه إلى الأدباء، وليس هذا من المباحث العقلية في شيء" (^١).
وقال أيضًا بعد أن قرّر أنّ الله تعالى إذا أراد شيئًا أو كَرِه شيئًا فإنه قادر على خلق الأصوات بتقطيعات مخصوصة في جسم جمادي أو حيواني، لتدل هذه الأصوات على كونه تعالى مريدًا لذلك الشيء المعين أو كارهًا له:
"فثبت بما ذكرنا أنّ كونه تعالى متكلمًا بالمعنى الذي يقوله المعتزلة مما نقول به ونعترف به ولا ننكره بوجه من الوجوه. إنما الخلاف بيننا وبينهم في أنّا نثبت أمرًا آخر وراء ذلك، وهم ينكرونه" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) الأربعين في أصول الدين (١/ ٢٤٩) تعليق: أحمد حجازي، مكتبة الكليات الأزهرية، مطبعة دار التضامن- القاهرة، ط/ الأولى، ١٤٠٦ هـ.
[ ٢٦ ]
وقال أيضًا في أثناء ردّه على شبه القائلين بحدوث القرآن: "أما جميع الشبه السمعية فالجواب عنها شيء واحد، وهو أن تُصرف كل تلك الوجوه الى هذه الحروف والأصوات، فإنا معترفون بأنها محدثة، وعندهم [أي: المعتزلة] القرآن ليس إلا ما تركب عن هذه الحروف والأصوات، فكانت الدلائل التي ذكروها دالة على حدوث هذه الحروف والأصوات.
ونحن لا ننازع في ذلك، وإنما ندعي قِدم القرآن بمعنى آخر. فكانت كل هذه الشبه ساقطة عن محل النزاع" (^١).
وقال أيضًا: "أما أصحابنا فقد اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتكلم بالكلام الذي هو الحروف والأصوات، بل زعموا أنه متكلم بكلام النفس، والمعتزلة ينكرون هذه الماهية ..
فالحاصل أنّ الذي ذهبوا إليه [أي: المعتزلة] فنحن من القائلين به، إلا أنّا أثبتنا أمرًا آخر" (^٢).
_________________
(١) المصدر السابق (١/ ٢٥٧).
(٢) المحصل في علم الكلام (ص: ٤٠٣) تحقيق: حسين أتاي، دار التراث، ط/ الأولى، ١٤١١ هـ.
[ ٢٧ ]