وما نقوله من كلام النفس فهم ينكرون ثبوته. ولو سلموه لم ينفوا قدمه، فصار محل النزاع نفي المعنى وإثباته.
فإذًا الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ إنما تفيدهم [أي: المعتزلة] بالنسبة إلى الحنابلة، وأما بالنسبة إلينا فيكون نصبا للدليل في غير محل النزاع.
وأما ما دل على حدوث القرآن مطلقًا فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ لا يكون لهم فيه حجة علينا" (^١).
- وقال سعد الدين التفتازاني (المتوفى: ٧٩١ هـ) بعد أن ذكر اختلاف الفرق في صفة الكلام: "ولا عبرة بكلام الكرامية والحشوية، فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس ونفيه، وأنّ القرآن هو أو هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث الكلام الحسي، ولا لهم في قِدم النفسي لو ثبت" (^٢).
وقال أيضًا: "وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم [أي: المعتزلة] يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي
_________________
(١) المصدر السابق (٣/ ١٢٩).
(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ١٠٠) دار المعارف النعمانية.
[ ٣٠ ]
وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوقين وسمات الحدوث من التأليف والتنظيم والإنزال، وكونه عربيًا مسموعًا فصيحًا معجزا إلى غير ذلك، فإنما يقوم حجة على الحنابلة لا علينا؛ فإنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم" (^١).
وقال أيضًا: "لا نزاع في إطلاق اسم القرآن وكلام الله تعالى بطريق الاشتراك أو المجاز المشهور شهرة الحقائق على هذا المؤلف الحادث، وهو المتعارف عند العامة والقراء والأصوليين والفقهاء، وإليه ترجع الخواص التي هي من صفات الحروف وسمات الحدوث" (^٢).
وقال أيضًا: "فإن قيل: لو كان كلام الله تعالى حقيقة في المعنى القديم، مجازًا في النظم المؤلّف لصح نفيه عنه، بأن يقال: ليس النظم المنزل المعجز المفصل إلى السور والآيات كلام الله تعالى. والإجماع على خلافه. وأيضًا المعجز المتحدى به هو كلام الله حقيقة مع القطع بأن ذلك إنما يتصور في النظم المؤلف المفصل إلى السور والآيات، إذ لا معنى لمعارضة الصفة القديمة.
قلنا: التحقيق أنّ كلام الله تعالى اسم مشترك بين الكلام النفسي القديم، ومعنى الإضافة كونه صفة لله تعالى، وبين اللفظي الحادث المؤلّف من السور والآيات، ومعنى الإضافة أنه مخلوق لله تعالى ليس من تأليفات المخلوقين" (^٣).
_________________
(١) شرح العقائد النسفية (ص: ٤٤) تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، ١٤٠٨ هـ.
(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ١٠٢).
(٣) شرح العقائد النسفية (ص: ٩٤ - ٩٥).
[ ٣١ ]
وقال أيضًا: "وهو [أي: الكلام الأزلي] صفة قديمة منافية للسكوت والآفة، وهذا الكلام اللفظي الحادث المؤلف من الأصوات والحروف القائمة بمحالها يُسمّى كلام الله تعالى والقرآن على معنى أنه عبارة عن ذلك المعنى القديم" (^١).
وقال أيضًا: "المشهور في كلام الأصحاب أن ليس إطلاق كلام الله تعالى على هذا المنتظم من الحروف المسموعة إلا بمعنى أنه دال على كلامه القديم حتى لو كان مخترع هذه الألفاظ غير الله تعالى لكان هذا الإطلاق بحاله، لكن المرضي عندنا أنّ له اختصاصا آخر بالله وهو أنه أخبر عنه بأنه أوجد أولًا الأشكال في اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢١ - ٢٢]، أو الأصوات في لسان المَلَك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠]، الآية، أو لسان النبي؛ لقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٤].
وما يقال إنّ كلام الله تعالى ليس قائمًا بلسان أو قلب، ولا حالًا في مصحف أو لوح فيراد به الكلام الحقيقي الذي هو الصفة الأزلية، ومنعوا من القول بحلول كلامه في لسان أو قلب أو مصحف وإن كان المراد هو اللفظي؛ رعاية للتأدب واحترازًا عن ذهاب الوهم إلى الحقيقي الأزلي" (^٢).
_________________
(١) شرح التلويح على التوضيح (١/ ٤٩) مكتبة صبيح بمصر.
(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ١٠٣).
[ ٣٢ ]