وقال أيضًا: "ولما اختلف أهل الحق والمعتزلة فقال أهل الحق: القرآن كلام الله غير مخلوق، وقالت المعتزلة هو مخلوق لم يكن اختلافهم إلا في هذا الموجود دون ما في نفس الباري مما لا يُدرى ما هو ولا نعرفه" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقال أيضًا: "إنّ الرجل [أي: الرازي] قد أقرّ أنه لا نزاع بينهم وبين المعتزلة من جهة المعنى في خلق الكلام بالمعنى الذي يقوله المعتزلة (^٢)، وإنما النزاع لفظي (^٣) حيث أن المعتزلة سمّت ذلك المخلوق كلام الله وهم لم يسمّوه كلام الله.
ومن المعلوم بالاضطرار أنّ الجهمية من المعتزلة وغيرهم لما ابتدعت القول بأن القرآن مخلوق أو بأن كلام الله مخلوق أنكر ذلك عليهم سلف الأمة وأئمتها، وقالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.
_________________
(١) المصدر السابق (ص: ٣٠ - ٣١).
(٢) تقدم قول الفخر الرازي في ذلك.
(٣) قال الرازي في نهاية العقول (٢/ ٣٠٤): "والناس قد أطنبوا من الجانبين في هذا المقام، وليس ذلك مما يستحق الإطناب؛ لأنه بحث لغوي ينبغي أن يرجع فيه إلى الأدباء، وليس هو من المباحث العقلية في شيء".
[ ٦٦ ]
فلو كان ما وصفته المعتزلة بأنه مخلوق هو مخلوق عندهم أيضًا، وإنما خالفوهم في تسمية كلام الله أو في إطلاق اللفظ لم تحصل هذه المخالفة العظيمة والتكفير العظيم بمجرد نزاع لفظي كما قال هو إن الأمر في ذلك يسير وليس هو مما يستحق الإطناب لأنه بحث لغوي، وليس هو من الأمور المعقولة المعنوية. فإذا كانت المعتزلة فيما أطلقته لم تنازع إلا في بحث لغوي لم يجب تكفيرهم وتضليلهم وهجرانهم بذلك كما أنه هو وأصحابه لا يضلّلونهم في تأويل ذلك وإن نازعوهم في لفظه، ومجرد النزاع اللفظي لا يكون كفرًا ولا ضلالًا في الدين" (^١).
وقال أيضًا: "السلف والمعتزلة جميعا اتفقوا على أن كلام الله ليس هو مجرد هذا المعنى الذي تثبتونه أنتم [يعني: الأشاعرة]، بل الذي سمته المعتزلة كلام الله وقالوا إنه مخلوق وافقهم السلف على أنه كلام الله لكن قالوا إنه غير مخلوق.
وأنتم تقولون إنه ليس بكلام الله، فكان قولكم خرقًا لإجماع السلف والمعتزلة، وذلك خرق لإجماع الأمة جميعها؛ إذا لم يكن في عصر السلف إلا هذان القائلان، ولم يكن في ذلك الزمان من يقول: القرآن الذي قالت المعتزلة إنه مخلوق ليس هو كلام الله" (^٢).
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٤٩٥).
(٢) المصدر السابق (٦/ ٥٢٥).
[ ٦٧ ]