وقال أيضًا: "الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت، ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد - ﷺ -، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب ولم يسمعه أحد إلا موسى - ﵇ -، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآنًا، وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغه موسى قومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغه عيسى قومه، فادعوا أن كلام الله غير القرآن، وأن القرآن غير كلام الله. فقولهم: إنّ القرآن غير مخلوق، تلاعبٌ وخُلْفٌ من الكلام" (^١).
وقال موفق الدين ابن قدامة (المتوفى: ٦٢٠ هـ): "وعند الأشعري أنها [أي: الآيات والسور] مخلوقة، فقوله قول المعتزلة لا محالة، إلا أنه يريد التلبيس، فيقول في الظاهر قولًا يوافق أهل الحق، ثم يفسّره بقول المعتزلة" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨ هـ): "الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهرتم فيه خلاف المعتزلة وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى كما في مسألة الرؤية فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة، ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في بيانه، ولهذا قال من قال من الفضلاء في الأشعري: إن قوله قول المعتزلة، ولكنه عدل عن التصريح إلى التمويه.
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥).
(٢) المناظرة في القرآن (ص: ٤٧).
[ ١٩ ]
وكذلك قولكم في مسألة القرآن فإنه لما اشتهر عند الخاص والعام أن مذهب السلف والأئمة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنهم أنكروا على الجهمية المعتزلة وغيرهم الذين قالوا إنه مخلوق حتى كفّروهم، وصبر الأئمة على امتحان الجهمية مدة استيلائهم حتى نصر الله أهل السنة وأطفأ الفتنة، فتظاهرتم بالرد على المعتزلة، وموافقة السنة والجماعة، وانتسبتم إلى أئمة السنة في ذلك، وعند التحقيق: فأنتم موافقون للمعتزلة من وجه، ومخالفوهم من وجه، وما اختلفتم فيه أنتم وهم، فأنتم أقرب إلى السنة من وجه، وهم أقرب إلى السنة من وجه، وقولهم أفسد في العقل والدين من وجه، وقولكم أفسد في العقل والدين من وجه.
ذلك أنّ المعتزلة قالوا: إن كلام الله مخلوق منفصل عنه، والمتكلم من فعل الكلام، وقالوا: إن الكلام هو الحروف والأصوات، والقرآن الذي نزل به جبريل هو كلام الله، وقالوا: الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر، وهذه أنواع الكلام لا صفاته، والقرآن غير التوراة، والتوراة غير الإنجيل وأن الله سبحانه يتكلم بما شاء.
وقلتم أنتم: إن الكلام معنى واحد قديم قائم بذات المتكلم هو الأمر والنهي والخبر، وهذه صفات الكلام لا أنواعه، فإن عبر عن ذلك المعنى بالعبرية كان توراة، وإن عبر عنه بالسريانية كان إنجيلا، وإن عبر عنه بالعربية كان قرآنًا، والحروف المؤلفة ليست من الكلام، ولا هي كلام، والكلام الذي نزل به جبريل من الله ليس كلام الله، بل حكاية عن كلام الله، كما قاله ابن كلاب، أو عبارة عن كلام الله كما قاله الأشعري.
[ ٢٠ ]
ولا ريب أنكم خير من المعتزلة حيث جعلتم المتكلِّم من قام به الكلام لكن المعتزلة أجود منكم حيث سمّوا هذا القرآن الذي نزل به جبريل كلام الله، كما يقوله سائر المسلمين، وأنتم جعلتموه كلاما مجازا، ومن جعله منكم حقيقة وجعل الكلام مشتركًا كأبي المعالي وأتباعه انتقضت قاعدته في أنّ المتكلم بالكلام من قام به، ولم يمكنكم أن تقولوا بقول أهل السنة، فإن أهل السنة يقولون: الكلام كلام من قاله مبتدئًا لا كلام من قاله مبلغًا مؤديًا؛ فالرجل إذا بلّغ قول رسول الله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» كان قد بلغ كلام النبي - ﷺ - بحركاته وأصواته" (^١).
وقال أيضًا: "وبالجملة فعامة ما ذمّه السلف والأئمة وعابوه على المعتزلة من الكلام المخالف للكتاب والسنة والإجماع القديم لكم [يعني الأشاعرة] منه أوفر نصيب، بل تارة تكونون أشد مخالفة لذلك من المعتزلة، وقد شاركتموهم في أصول ضلالهم التي فارقوا بها سلف الأمة وأئمتها، ونبذوا بها كتاب الله وراء ظهورهم
وأما الأحاديث النبوية فلا حرمة لها عندهم، بل تارة يردونها بكل طريق ممكن، وتارة يتأولونها، ثم يزعمون أن ما وضعوه برأيهم قواطع عقلية، وأن هذه القواطع العقلية تُرد لأجلها نصوص الكتاب والسنة، إما بالتأويل، وإما بالتفويض، وإما بالتكذيب.
_________________
(١) الفتاوى الكبرى (٦/ ٦٣١ - ٦٣٣) دار الكتب العلمية، ط/ الأولى، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م.
[ ٢١ ]
وأنتم شركاؤهم في هذه الأصول كلها، ومنهم أخذتموها، لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة، ونفرت القلوب عنهم، صرتم تُظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة" (^١).
وسنذكر في الصفحات التالية بعض أقوال الأئمة والعلماء من الأشاعرة وغيرهم التي فيها التصريح بأنّ الأشاعرة موافقون للمعتزلة في القول بخلق القرآن العربي، المنزل على نبينا محمد - ﷺ -، المُثبَت بين دفتي المصحف، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه أقوال بعض أئمة وعلماء الأشاعرة في أنّ القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، وأنّ الخلاف بينهم وبين المعتزلة إنما هو في إثبات الكلام النفسي ونفيه.
_________________
(١) المصدر السابق (٦/ ٦٤٢ - ٦٤٣).
[ ٢٢ ]